From : yousef_hijazi1@hotmail.com
Sent : Saturday, December 31, 2005 7:32 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : الفساد الوحشي 000 بقلم يوسف حجازي
 

الفساد الوحشي
 بقلم يوسف حجازي




الفساد ظاهره اجتماعيه وبائيه استيطانيه مزمنة عرفتها كل المجتمعات البشرية , وعبرت التاريخ كما عبرت غيرها من الظواهر ألسلبيه المنحرفة , وخضعت لدراسات واسعة , متعدده ومتنوعة , وشغلت حيزا واسعا من نشاط بعض العلوم الانسانيه والتجريبية على حد سواء من علم الاجتماع وعلم الإجرام وعلم النفس والقانون الجنائي وعلم الطب العصبي والنفسي , من مستوى المراقبة والوقاية إلى مستوى الردع والعلاج , وقد أجمعت هذه العلوم جميعا على أن أسباب هذه الظاهرة ترجع إلى عاملين أساسيين , هما العامل الاقتصادي والعامل القيمى , وذالك بالاضافه إلى عامل ثالث مساعد يزكى هذين العاملين ويفعلهما وهو العامل الصحي في أبعاده الثلاثة الجسدية والعصبية والنفسية , كما أجمعت هذه العلوم أيضا على أن هذه الظاهرة الانحرافيه تنتشر فئ المجتمعات ألطبيعيه التي تتحرك استجابة لغريزة الحفاظ على النوع والعيش في جماعه أكثر من انتشارها في المجتمعات ألتاريخيه التي تتحرك استجابة لفكره ,لان المجتمعات ألطبيعيه أما إنها لم تشكل بعد مقاييسها , أو أنها شكلتها طبقا لأصول الأشياء لا طبقا لأصول الأفكار ,كما هو الحال في المجتمع الفلسطيني , ولذالك نجد أن ظاهرة الفساد الانحرافيه في المجتمع الفلسطيني تختلف عن غيرها من الظواهر الأخرى في المجتمعات ألتاريخيه التي لها رصيد من التجارب ألعلميه , والطاقة ألبنائه , والمواجهة الأكثر تبصرا للمواقف , والقدرة الأكثر مرونة ووعى في تفهم طبيعة العلاقات وممارستها وتقنين العلاقات بالمعايير الصحيحة الواعية , وهذا كله عكس ما يجرى في المجتمع الفلسطيني الذي اهتزت فيه أرضية المعايير مما أدى إلى فقدان التوازن والتعادل داخل الإنسان الفلسطيني , وولد صراعا بين إنسانيته وحيوانيته الغرائزيه المندفعة وراء الإشباع , فبات أنسانا حائرا ممزقا , بقدر ما يتغنى بالمثل الانسانيه مظهريا , بقدر ما يتنكر لها وينكرها سلوكيا , ولذالك نجد أن ظاهرة الفساد ألوحشيه الانحرافيه في المجتمع الفلسطيني قد أخذت طابع قالب التعود والاعتياد على حساب رأس ماله القيمى الروحي والاخلاقى , مبادئيا كان أم معنويا أم سلوكيا , ولذالك لعب التسلط الاشباعى الغرائزى الدور الاساسى في تشكيل العامل الاقتصادي وهو احد ابرز العوامل الاساسيه المهيئه للفساد وخاصة بعد استخدام العلم والتكنولوجيا في ألصناعه والنشاطات الانتاجيه المختلفة على أوسع نطاق , وهو ما أدى إلى بروز فلسفة الإنتاج كأرضيه لكل تقدم مجتمعي , ولأن الإنتاج لا يمكن تصوره بدون استهلاك وبدون تطور في وسائل الاستهلاك , لعبت وسائل الاتصال الاعلامى بما تمتلكه من دعاية وإشهار في توليد رغبات استهلاكية مفتعله ومصطنعه , وأصبح كل شيء يمكن تغييره باسم أسطورة العصر " الموضة " بحيث أصبح لكل عام بل لكل فصل من فصول العام طرازه من المنازل والسيارات والملابس والاثاث والأدوات المنزلية والحلاقة وغيرها , ولا بد لهذه الاطرزه المختلفة أن تنسجم وتتجانس مع بعضها البعض , فإذا ما غيرنا شيئا علينا أن نغير بقية الأشياء , ولكن هذه الاطرزه لا تمنح مجانا أو في شكل هبات , بل لا بد من دفع الثمن , ولكن ما العمل , إذا كان الدخل محدود , والقناعة جرفها الطوفان وقلعها من ضمير الإنسان , لأنها لم تعد من طراز العصر , خاصة وان الإنسان لم يعد يقاس بمثله وقيمه ومبادئه ومقوماته الروحية والاخلاقيه والتزامه السلوكي , بل يقاس بما يمتلك من رصيد وسيارات وعقارات , لذالك ومن منطلق أن الطرق ألمشروعه في الكسب لا تتمشى مع سرعة العصر , ذهب الإنسان إلى الطرق غير ألمشروعه من سرقه واختلاس ورشوه وكذب ونفاق وتذبذب ووساطة ومحسوبية واستزلام وغش واحتيال واستغلال للمنصب العام وحتى خيانة وطنيه , وإذا عم البلاء هان وأصبح كل شيء قابل للتبرير دون التزام , وأصبح الهدف رفع مستوى الدخل أولا وأخيرا , ولو باسم الفساد والانحراف , ومما أعطى هذا العامل الاقتصادي قدرة اكبر على التأثير في تهيئة الأسباب للفساد الوحشي , والتحرك سلبيا في اتجاه واحد وهو بعد الإشباع الغريزي , هو غياب العامل القيمى , والوجدان الروحي , والوازع الاخلاقى والمبدأى والمعنوي والسلوكي الذي يحد من الإشباع الغريزي المدمر للجسد المتعب عضويا وعصبيا ونفسيا وحتى عقليا , مما يجعله يتفاعل سلبيا مع العاملين الاقتصادي والقيمى , وتنقلب مقاومته للفساد إلى مساهمه في صنع الفساد , وهذا يطرح السؤال التالي :

هل هناك أجساد بتكوينها البيولوجي مهيأة للانحراف ولها قابليه أكثر للفساد؟. إذا تبنينا موقف علم الاجتماع الذي يتبنى الاتجاه القائل بتعدد العوامل المسببة للظواهر الاجتماعية , فإن هذا يفرض علينا أن نستبعد وجود عامل واحد وراء كل ظاهره اجتماعيه , فالمنحرف هو ابن بيئته الأسرية والاجتماعية بأوضاعها وظروفها المختلفة " ما عدا الحالات الشاذة المرتبطة بقصور عضوي أو تخلف عقلي , والحاجات الشاذة تحفظ ولا يقاس عليها " ولهذا نقول إن المنحرف لا يصنع نفسه بل يصنعه مجتمعه , ولذالك نلاحظ الكثير من حالات الانحراف بالنسبة لمن عرفوا طفولة معقده أو من عاشوا في ظروف أسريه مهتزة , أو من عانوا من القهر أو الضغط , أو من لم ينعموا بحياة زوجيه سليمة , ولذالك يمكن إجمال العوامل المهيئه للفساد في عاملين رئيسيين , هما العامل الاقتصادي المتمركز حول الرفاهية والمزيد من الكماليات , والعامل القيمى المجسد لضعف الالتزام بالقيم أو اهتزازها أو غيبتها , وارتباط هذين العاملين ارتباطا عضويا يتشكل في صورة تناقضات موضوعيه , فضعف القيم ساعد على الإسقاط والتعويض بالإشباع الغرائزى , واستهلاك الجسد في الكماليات , مما أدى إلى صراع بين الشهوات والقيم في شكل معاناة جسديه عضويه وعصبيه ونفسيه وعقليه , لان الإنسان لا يصنع مبادئه في بطنه بل يصنعها في عقله 0

وأخيرا ما الحل ؟ وكيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة بعد أن حددنا أسبابها وأبعادها ؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا بد أولا من استبعاد الحلول التي تبدوا من حيث الشكل حلولا ناجعة ولكنها من حيث الجوهر عارية عن الفاعلية في مواجهة هذه الظاهرة الوبائية الاستيطانية المزمنة , وهى حلول النصح والإرشاد , وحل التشبع بمعنى ترك الظاهرة تنموا حتى حد الإشباع على أمل الارتداد التلقائي عنها , لأن هذه الحلول في اى حال وعلى كل حال وفى أحسن حال لم تفعل أكثر من أنها أنزلت هذه الظاهرة من السطح المعلن إلى القاع المخفي .

أما الحل الناجع لهذه الظاهرة فلا يكون إلا من خلال التوعية الموضوعية بواقعها وحصرها والتعريف بأضرارها على كل المستويات الجسدية العصبية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية والمعنوية والاخلاقيه والسلوكية , وقيام مؤسسات السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية بالتصدي لهذه الظاهرة بالمراقبة والردع فورا , لأن استمرار هذه الظاهرة دون ردع سوف يؤدى إلى فتح الطريق وتمهيدها أمام ظواهر انحرافيه أخرى , كما انه قد يؤدى إلى انتقال المعارضة في مواجهة هذه الظاهرة إلى الشارع وهو ما يضاعف من حالة الانفلات ألأمني .