الرعاية الأمريكية للإتحاد المغاربي .
بقلم / يحي أبوزكريا
20 يناير 2006




تبدي الإدارة الأمريكية إهتماما مبالغا فيه بمنطقة المغرب العربي التي تعتبرها منطقة جيوسياسية وحساسة للغاية , وهي بمثابة خليج القارة الأفريقية لما فيها من ثروات باطنية لم يسثتمر الكثير منها , وهذا الإهتمام الأمريكي بالشمال الإفريقي ليس وليد الساعة , بل يعود إلى مابعد الحرب الكونية الثانية عندما بدأت أمريكا تتطلّع إلى العالم الخارجي , وتقطع الطريق عن الإديولوجيا الحمراء التي كانت تنشرها موسكو هنا وهناك , و عندما أستقلّت تونس قام الرئيس التونسي تاريخئذ الحبيب بورقيبة بزيارة واشنطن وألتقى بالرئيس الأمريكي إيزنهاور الذي طلب منه أن يعمل على إقامة تحالف بين الدول المغاربية وأمريكا من جهة أخرى .
وبعد مضيّ أزيد من أربعة عقود على هذه الفكرة عاودت واشنطن طرح الفكرة على أكثر من رئيس مغاربي ولكن هذ المرة على شكل شراكة أمريكية مغاربية لقطع الطريق على مشروع الشراكة الأوروبية المغاربية .
وتجدر الاشارة الى أنّ واشنطن تبدي حماسها الشديد لفكرة الإتحاد المغاربي , ومن أجل إحقاق المصالحة بين الدول المغاربية و ردم الهوّة فيما بينها تمّ تنظّيم ندوة دوليّة في واشنطن قبل فترة من الزمن حول الإستثمار في المغرب العربي وشارك في هذه الندوة كل من الجزائر والمغرب وتونس , وحسب الرسميين الأمريكيين فإنّ هذه الندوة التي رعتها الإدارة الأمريكية تناولت العراقيل التي تحول دون تفعيل الإستثمار في منطقة المغرب العربي كما تناولت الندوة موضوع الخلافات السياسية بين دول الإتحاد المغاربي وسبل معالجتها .
و قد أعقب هذا الاجتماع اجتماع أخر وكان الاجتماع الثاني بحضور ستيوارت ايزنستات مساعد كاتبة الدولة الأمريكية للخزينة في ذلك الوقت و تناول اللقاء الثاني كيفية إستثمار مليارين و نصف المليار من الدولارات في منطقة المغرب العربي , وقد وجّهت الدعوة لموريتانيا لحضور الندوة الثانية كملاحظ , وطالب هذا المسؤول الأمريكي أن تكون هناك وحدة بين الأقطار المغاربية معتبرا أن مثل هذه الوحدة ستخدم الإستثمار الأمريكي .
ويرى مراقبون في المغرب العربي في هذا التوجه الأمريكي بأنّه لا يدخل في باب الحرص على الإتحاد المغاربي بقدر ما إنّ واشنطن تريد الكعكة المغاربية برمتها , فهي لا تريد أن تكون لها حصّة في الجزائر , ولفرنسا مثلا حصة في تونس وموريتانيا , فهي تريد الأخضر واليابس في منطقة المغرب العربي , وهذا ما يفسرّ هجوم الشركات الأمريكية على تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا ونفس هذه الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات بدأت تعود إلى ليبيا بعد رفع الحصار عنها و لابدّ هنا أن نشير أنّه ورغم الحصار الأمريكي المفروض سابقا على ليبيا بسبب أزمة لوكربي كانت الشركات النفطية الأمريكية تشتري حصة الأسد من النفط الليبي .
وهناك العديد من الدراسات الأمريكية التي تركّز على حجم الثروات الهائلة الموجودة في المغرب العربي من نفط وغاز وحديد وفوسفات ويورانيوم و ما إلى ذلك من الثروات الباطنية . وبالإضافة إلى عامل الثراء هناك عامل الموقع الجيوسياسي , ولا يمر شهر إلاّ وتشهد مياه البحر الأبيض المتوسط مناورات عسكرية بحرية بين القوات الجزائرية والأمريكية , أو بين القوات المغربية والقوات الأمريكية .
فهذا المنفذ البحري الهام يجعل الألة العسكرية الأمريكية البحرية على تماس جغرافي بأوروبا , وعلى تماس جغرافي بإفريقيا, وعلى تماس جغرافي بالشرق الأوسط ومنفذ بإتجّاه المحيط الأطلنطي عبر مضيق جبل طارق وهي كلها مناطق تعني الكثير للإستراتيجية الأمريكية التي كثيرا ما تركّز على ضرورات المنافذ المائية لتكريس الوجود الأمريكي في مختلف نقاط العالم .
وتبدو الدول المغاربية متحمسّة للعروض الأمريكية , وهي في مجموعها بات الرضا الأمريكي يعني لها أكثر مما يعنيها الرضا الفرنسي الذي لم يعد مجديّا في ظلّ عولمة أمريكية الشكل والمضمون , وترى الدول المغاربية أنّ هذا التوجه الأمريكي لتوحيد المغرب العربي والإستثمار فيه من شأنه أن يساهم في حلحلة العديد من المشاكل التي تتخبّط فيها هذه الدول , وتتصوّر هذه الدول أنّ واشنطن ستعطيهم بدون مقابل متناسين انّ المقابل سيكون كبيرا للغاية في ظلّ هشاشة الوضع السياسي المغاربي .
والعجيب كما يقول سياسي مغاربي أنّ الدول المغاربية لا تجتمع فيما بينها لحل مشكلة إنهيار الاتحاد المغاربي , وتنتظر من واشنطن أن تعمد إلى مساعدتها على تفعيل الإتحاد المغاربي , وهي خطوة إن تمت ستصبح منطقة المغرب العربي بموجبه قاعدة أمريكية تماما كتركيا , و الغريب أنّ معظم الدول المغاربية معجبة بالنموذج التركي و خصوصا الإرتماء التركي في الحضن الأمريكي و الأوروبي في نفس الوقت !