|
عبد الحليم خدام
صلاح المومني
s_4_momani@yahoo.com
تأنيت .... تأنيت كثيراً للكتابة حول الحدث الجديد القديم ، تأنيت لا
لكوني صدمت ، فمن زعمائنا نتوقع كل شيء ،إنما لمتابعة الأمر وتحري الدقة
في الحكم على الرجل ، وإذا كان الخدام خدام قد خرج على النظام السوري
لتصفية حسابات شخصية مع بشار الأسد ، فقد شهدنا جميعاً انهيار النظام
الليبي بأكمله بالأمس القريب ، وهو يفكك ترسانته النووية التي لم تصل بعد
حد الإنتاج السلمي ناهيك عن الاستخدام لأغراض حربية ، استسلم النظام كله
لكي لا يؤول حال القذافي وعائلته لما آلت إليه أوضاع صدام حسين وعائلته،
وهذا يجعلني أعود لأبارك للرئيس العراقي ثباته وتصميمه بعد كل هذا الذل
الذي صار إليه ، إنه بحق يستأهل منا تحية إجلال لشموخه بغض النظر عن
مواقفه السابقة أو تاريخه ، فهو الذي يصر أن يبقى في خانة العمل والخطأ ،
ويرفض بكل إصرار دخول خانة الخيانة والمؤامرة .... فللعراق ولرئيسه
–صدام- كل التهنئة بهذا الموقف الذي يحسب له، مكرراً بغض النظر عما
اقترفت يداه.
فكرة توارث الحكم:
لو كنا افترضنا أن خدام والشرع والزعبي –أفضى إلى عمله- أو أي قطب من
أقطاب الحكم في سوريا قد رضوا بهذه الفكرة لجعلنا الأمر في إطار الخيانة
وحدها ، ولنعتنا فراره من السلطة إلى أحضان الخصوم خيانة محضة ، لكن
الواقع يقول: أن كل هؤلاء هم تحت مجهر الأسد ، وفرضية التخلص من الحرس
القديم آخذة بالتنامي حسب الظروف وحسب قدرة الرئيس على التنفيذ دون أن
يحدث فراغاً وضجيجاُ يجعلانه وحيداً على الساحة ، وبحكم قلة خبرته سيجد
نفسه غير قادر على مواجهة خصومه من الحرس القديم وبالتالي هزيمته لو فعل
هذا منذ بدئه عمله على رأس السلطة وبصورة مجملة, ، لذا فإن الأمر لا
يتعدى أن يكون خدام قد تنبه بعد ما رأى مصير بعض شركاء المسيرة فقرر حزم
أمتعته والهروب ، خصوصاً أنه وبحكم خبرته وقدراته يرى لنفسه الأولوية على
بشار الأسد ، وبالتالي كانت فكرة الخروج هرباً من شبح التصفية الذي
يلاحقه كبقية زملاء رحلته الطويلة ، ثم هو رفض صارخ لفكرة توارث الحكم
التي أتت ببشار قليل الخبرة واستثنت عتاولة النظام الذين رافقوا الأسد
"الأب" منذ بدء المشوار . لكن هذا كله لا يبرر ما قام به خدام مهما كان
لديه من أسباب ويظل تحت طائلة الخيانة لوطنه وشعبه وأمته.
تقزيم الدور السوري في الشرق الأوسط
سوريا التي أتقنت فن المراوغة خلال العقود السابقة، كانت تحمل أجندتها
الخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي ، وظلت تحمل تلك الأجندة
وفق مفهوم "حمل السلم بالعرض" ، متحدية كل التقلبات المثيرة في السياسة
الشرق أوسطية ، ولا أريد أن أدعي هنا أن النظام السوري القديم أو الجديد
يحمل أجندة وطنية بقدر ما يحمل أجندة خاصة تضمن البقاء في السلطة وفق
توازنات تخص النظام السوري الداخلي. هذا الدور السوري بدأ يتضاءل في إطار
الظروف الدولية الجديدة ، بل صار على النظام أن يسير في المجرة الأمريكية
دون تباطؤ ، وبصورة ظاهرة للعيان وفق سياسة أميركا التي انتهجت عقب أحداث
سبتمبر " مع أو ضد الإرهاب" ومن هنا كان على النظام أن يختار إحدى اثنتين
، وأن يجد طريقه ليثبت قدرته على المضي في وجه التحديات.
مثل هذه الخطوة كلفت النظام الكثير، فهي خطوة جعلتهم يقفون وحسب الرؤية
الأمريكية الإسرائيلية مع، لا ضد الإرهاب. "حزب الله" العصا التي تلوح
بها سوريا ضد إسرائيل، وبقية الفصائل الفلسطينية المتوطنة في لبنان
وسوريا والتي لم تنخرط في العملية السلمية ، بل لا زالت تحمل السلاح
وتهاجم المصالح الإسرائيلية ، كل ذلك جعل سوريا في الزاوية الحرجة ، بل
وضعها في ظروف لتكون مستهدفة من قبل قوى التغيير في المنطقة ، هذا جعل
الدور السوري يتقزم من ناحية ، وجعلها تخضع للابتزاز من قبل دول كثيرة في
المنطقة –لا أستثني الدول العربية- ، ناهيك عما تتعرض له بسبب الاتهامات
المتوالية بمساعدة المقاومة العراقية ، من هنا وجدنا أن سورية تسير وحيدة
بعكس التيار ، بل زادت "الطين بلّة" سلسلة الانشقاقات الداخلية والتي
بدأت بمسلسل محاربة الفساد ، مما أزعج الحرس القديم ، فمنهم من قضى نحبه
ومنهم من ظل ينتظر ، ليصير الأمر إلى ما صار إليه بانشقاق خدام.
حزب البعث والدور الملعوب
مما يؤسف له في عالمنا العربي أن الحزب الحاكم وأيديولوجيته يظلان تحت
إمرة الرئيس ، فهو الذي يشكلها كما يريد ، وإذا عجز عن التلاعب
بالمعتقدات الحزبية ، فإنه في غالب الحيان يسيّسها ويتجه بها نحو مشروعه
الفردي ، وهنا يلبس الحزب ثوب الشخص والعائلة الحاكمة ، ولا يكون ذلك
بقناعات الأتباع ، لكن تحت تهديد الرصاص ، من هنا نجد أن حزب البعث في
سورية أو العراق بقيا تحت إمرة رئيس البلاد وبالتالي لم يكن للقيادة
الحزبية أي دور حقيقي ، وهذا ما أزعج الكثيرين خصوصاً أن الأمر آل بعد
حافظ الأسد للرئيس بشار الذي يعتبره الكثيرون غير كفؤ لمنصبه ، وهذا سبب
آخر لانزعاج خدام وغيره وبالتالي برر لنفسه الخروج ، لكن نظل نقول أن
الحل يجب أن يكون وفق أجندة وطنية تشترك فيها الفعاليات الوطنية كلها لا
أن يبيع وطنه ويخرج ليقامر بمستقبل بلاده.
قميص عثمان "دم الحريري"
حينما مات تقرير ميليس وانتهى دون أن يقدم دليلاً ، جاء خروج خدام
وانشقاقه ليحيي التقرير ويعود المجتمع الدولي لارتداء قميص عثمان الملطخ
بالدم ، ثم جاءت بعدها التصريحات تلو التصريحات، وها نحن نرى كيف تم
إحياء القضية من جديد.
عبد الحليم خدام جزء من حركة مرسومة في عملية إقصاء آل الأسد عن الحكم،
لها أبعادها، فهو صاحب خبرة استمرت طوال فترة حكم "الأسد" الأب وامتدت
بما يكفي لمعرفة فلسفة بشار السياسية، وبالتالي فإنه يبدو صيداً ثميناً
لأجهزة الاستخبارات العالمية ، وهو الآن يجلس بقصره في فرنسا لا ليبيع
الأسرار فقط بل ليعمل كمستشار لكل القوى التي تخطط للانقضاض على النظام
السوري كل لغاية في نفسه ، لكنهم جميعاً يتمسحون بقميص عثمان "دم
الحريري" بمن في ذلك سعد الحريري "والغلس أشعب الولائم السياسية" وليد
جمبلاط .
لكل واحد من الحرس القديم أسبابه للخروج على بشار الأسد، وللخروج على
فكرة توارث الحكم ، منهم من تمت تصفيته بأنياب الزعيم ، ومنهم من هو صامت
يعلن الولاء الظاهر ، وربما يخفي حب الخلاص ، وآخرون خرجوا على النظام
وكان منهم عبد الحليم خدام ، ومهما يكن الأمر فلا ينبغي لمن يدعي حب وطنه
الارتماء في أحضان القوى المعادية لسورية ، هذا سوى الحقيقة التي تلاحق
كل واحد من أقطاب النظام وهي أنهم جميعاً اشتركوا في تصفية الشعب السوري
، لذا فمسألة التغيير مسألة وقت ، ومهما طالت يجب أن تتخذ المنحى السلمي
وفق أجندة وطنية ، فدم الأشقاء السوريين دم عربي لا نقبل بهدره على أيدي
أي جهة كانت ، ولنا في العراق عبرة ، فها نحن نتجرع ألم الأخطاء بينما
يدفع البيت العراقي ثمن المؤامرات على وجوده وهويته.
لقد كان للخدام خدام أسبابه للخروج على النظام، لكن هذه الأسباب لا تسول
له التآمر على وطنه وشعبه، فسوريا في عيون أبنائها وإخوانهم العرب تبقى
أولوية، ولن يعذر الشعب والأمة متآمراً مهما اتخذ من الأسباب ونبقى نردد
على الملأ "سوريا الله حاميها" .
|