مخاطر التغلغل الإيراني في العراق .. ليتحرك العرب جميعا قبل فوات الأوان
د. عبدالله يوسف الجبوري


بات موضوع العراق وطيلة ثلاثة عقود مرت غاية في الأهمية من الناحيتين الإقتصادية والإستراتجية الدولية والإقليمية ، ومن هنا قد لا نكون مغالين إذا قلنا أن العراق العربي يشكل نقطة إنطلاق بعدة لإتجاهات أهمها أن من يسيطر على العراق فأن الأمة العربية تكون بيده سياسيا وإقتصاديا ، وهذا ما يجعلنا دائما نحذر من خطر أن يترك العراق بيد غير عربية أو غير أمينة على مستقبله أولا ومستقبل الأمة العربية .

فلو عدنا قليلا الى الوراء لوجدنا أن سياسة أمريكا في عهد كيسنجر وبريجينسكي كانت ترتكز على أن تكون منطقة الخليج العربي هي الدائرة الحمراء الذي لا يجوز أن يتدخل بها احد ، وبالرغم من أن البعض يقول إن أمريكا مسيطرة إقتصاديا على المنطقة وربما سياسيا كذلك إلا أن الحقيقة كانت نظرية قوات التدخل السريع التي وضعها مفكرو الأستراتيجية الأمريكية عام 1974 كان يقصد منها إحتواء المنطقة العربية وبشكل خاص العراق الى جانب منابع النفط التي كانت قوات التدخل السريع الأمريكية التي وضعت إثر نظرية وبريجينسكي تقضي أن تتم السيطرة على العراق بالدرجة الأساس ، لأنه وإنطلاقا من أهميته في الموقع الإستراتيجي في غرب أسيا وبمجاورة منطقة حدود حلف شمال الأطلسي وأهميته من حيث الفكر القومي وتمسكه بمرتكزين أساسيين هما :

أولا : العروبة

ثانيا : الإسلام

كان يقلق الإدارة الأمريكية وهذا جزء مهم في تفسير قضية نظريات الإدارة الأمريكية في الإحتواء المزدوج أو ضرورة الوصول الى منابع النفط التي قالت عنها نظرية كيسنجر وبريجينسكي أنها مهددة من إحتمالية وصول الإتحاد السوفيتي السابق إليها ، لكن الحقيقة كانت أمريكا حقيقة تخشى منة تنامي الفكر القومي والمد القومي الشعبي الذي كان يرى ولا زال في العراق نقطة المنطلق الحقيقية ، وهذا ما جعل المشروع الأمريكي حتى في حرب 1973 أمرا لا يبتعد عن هذا الإتجاه .

وهنا لا بد من التعريج الى قضية أخرى مهمة وهي أن أمريكا لا يمكن أن تجد لنفسها في تنفيذ مشروعها ضد العراق غير إيران من منطلق شعوبي وعنصري وطائفي ، وهذا لا يكلف إيران الكثير لا سيما وإنها تسعى دائما الى قضية تحويل الحوزة العلمية الناطقة بأسم الشيعة إليها وتجعل من قم المرجعية بديلا للنجف وكربلاء ، هذا من جانب ومن جانب آخر فهي تريد إنهاء العروبة وهذا عداء تأريخي لا يمكن أن تتخلى عنه رغم دفاع البعض من المتحالفين معها على أنها دولة إسلامية وهذا ما يمكن يفسر تقربها من فئات بعينها في المنطقة العربية .

وإذا تجاوزنا كل هذه الحقائق في التوجه الإيراني فأن إسرائيل هي الأخرى تسعى بذات الإتجاه وهذا أيضا يفسر سكوت إيران عن إحتلال العراق وهو لا يقل عن إحتلال القدس أي أن النجف وكربلاء المقدستين عند إيران بات مقبولا لها أن تكون تحت السيطرة الأمريكية دون أن يسيطر عليها أبناء العراق ، لأن وجود أمريكا ومن خلال أحزاب عراقية تدعي انها أحزاب شيعية دينية ، استطاعت إيران أن تسيطر على النجف من خلال المرجعية الشيعية التي وإن لم تخضع مباشرة لولاية الفقيه الإيرانية إلا انها تخضع تباعا لتوجيه إيران من خلال هذه الأحزاب .

من هنا فان إيران تسعى أن تتعاون مع أمريكا ضد عروبة العراق وهويته القومية لأنها بذلك تقضي على أهم ما يمكن أن يقف سدا منيعا بوجهها في حالة السيطرة على العراق الديني .

يبقى أن المخطط الذي تريده إيران هو التفتيت الطائفي وهذا ما سعت له عبر مظلومية الشيعة وتحالفها مع المظلومية القومية عند الأكراد في حين أن أمريكا المسيحية لم تعمل بأسم مظلومية الآشور والكلدان لأنها تعرف أن ذلك لا يحقق لها صمت إيراني ولا تحالف مناطقي وطائفي أوسع لا سيما في منطقة الخليج العربية .

عليه نحن نرى أن خطورة التغلغل الإيراني لا تكمن في خطورتها الظاهرية في العراق فحسب ولكنها تمتد بشكل خفي لتصل الى المجتمع الخليجي الذي باتت فيه الظاهرة الطائفية والتدخل الإيراني بالنمو والتوسع و لا سيما أن دول الخليج العربية تعاني من تزايد الوجود الإيراني إجتماعيا وسياسيا وإقتصاديا إضافة الى أن إيران تحاول الآن تصعيد مفهوم المظلومية الشيعية الطائفية كما فعلت في العراق ونسقت مواقفها مع أمريكا من خلال أحزاب المعارضة العراقية التي نشأت في إيران والتي بحكم هذا النشوء كان للرؤية الإيرانية دور في التأثير على جزء مهم من توجهها وهو التوجه التفتيتي للمنطقة .

ولأن إيران تريد إبراز مظلومية طائفية ضمن سياقات رؤيتها لمصالحها وأهدافها فإنها تلتقي مع إسرائيل في ذات الهدف وهو ما يفسر وجود منظمات إسرائيلية عملت ما بين 1990-2003 حول عمليات ترحيل وتهجير عدد كبير من سكان الأهوار الى دول أخرى ومنها السويد وأستراليا وأمريكا وكندا وغيرها ، لكي تحدث تخلخلا سكانيا يخدم أهدافها بالتنسيق مع إيران .

ولكي نرفع سقف أهمية هذا الموضوع فان إيران تعمل الآن جاهدة على أن تكون قضية الطائفية في السعودية في سلم اولويات السياسة الإيرانية ولا سيما انها باتت أقرب الى الساحة الإجتماعية السعودية من خلال تأثيرها في العراق عموما ومنطقتي البصرة والنجف خصوصا حتى أن آخر المعلومات تؤكد وجود مخيمات تشرف عليها إيران تحاول أن تستقدم إليها بعض العوائل من كل من السعودية والكويت بهدف رفع الأزمة الطائفية والإعلامية حول إضطهاد الشيعة في هذه المناطق .

إننا حين نحاول تسليط الضوء على قضية التغلغل الإيراني فإننا ندق ناقوس الخطر لدول الخليج بالدرجة الأساس ولدول المنطقة كافة تلك التي ربما ستخضع لعملية تفتيت طائفي لأن الوضع في العراق الآن خرج من سيطرة أمريكا بمشروعها الفاشل لما يسمى بالديمقراطية وسوف تتحول ديمقراطية العراق الى ديمقراطية إيرانية كما هو الحال الآن وسوف تعاني المنطقة وغيرها من ضغوط إيرانية إذا ما تحقق تواصل طائفي غير عربي بين إيران وقوى أخرى تساندها في هكذا مخطط .

إذن بات مطلوب أن يتم إنضاج مشروع أعلامي وسياسي لكي يتحقق السد الذي يمكنه أن يمنع المشروع الأمريكي أن يكون غطاء للمشروع الإيراني ، لا سيما وان إيران تريد أن تحول المنطقة المحيطة بها الى بؤرة صراع لكي تبقى أمريكا في دوامتها بالمنطقة ولكي تحقق إيران لنفسها ما تحلم به في قضيتين سبق ذكرهما ، هما : الإسلام والعروبة .

لقد بات من غير المخفي أن دول المنطقة ولا سيما السعودية بدورها القومي والديني وأهميتها الفاعلة في الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي أن تدعم هذا التوجه الإعلامي لمحاصرة المخطط الإيراني ، أو أن يصحوا الأخوة العرب في بقية أقطار الخليج الى خطورة هكذا مخطط وكيف أن المثقفين والإعلاميين سيكونون وقودا لهكذا مشروع مما يفرض عليهم التعاون بأتجاه واحد هو التنبيه لخطورة الموقف وعلى السياسيين وأصحاب القرار التصرف بضوء ذلك .

لقد دق الناقوس السيد وزير الخارجية السعودي ونبه الى مخاطر التواجد الإيراني في المنطقة وبخاصة في العراق وأكد حقيقة أن أمريكا باتت تسلم المدن العراقية الواحدة تلو الأخرى لإيران تحت مسميات عدة وأهمها تسليم ما يسمى بالسيادة الى حكومات خلقت في ظروف غير طبيعية فكيف بها يمكن لها أن تحافظ على وحدة العراق وهي لا تملك من السيادة شيء وهي في معظمها تابعة لقوى إما إيرانية أو لقوى غير عربية ، وربما هناك ما هو أكثر من ذلك لكن نترك المر لكل العرب في أن يتحققوا مما هو خطر حقيقية .



المشرف العام لشبكة أخبار العراق

نائب رئيس تحرير جريدة المغترب العربي كندا