ليلى المسيحية في العراق مريضة
الدكتور وديع بتي حنا
wadeebatti@hotmail.com


أصبح معروفا خروج شعبنا المسيحي في العراق من الانتخابات الاخيرة بنتائج لاتثير إلا حزن و إستياء ابنائه. الحزن على دور يكاد يكون معدوما في الحياة السياسية العراقية , والاستياء من القيادات الدينية والسياسية والنخبة المثقفة في هذا الشعب التي راق للقسم منها أن يؤدي دور المتفرج وكأن الامر لايعنيه وهو يرى القسم الاخر يناطح بعضه بعضا الى ان تهشمت الرؤوس جميعا وسقط الكل صرعى.

لقد أضاع شعبنا مرة اخرى فرصة ذهبية في لعب دور حقيقي على الساحة السياسية العراقية حيث من المؤكد ان الديموقراطية والانتخابات تمنح الاقليات في مجتمعاتنا الشرقية فرصا ثمينة للتعبير عن نفسها بما تمتلك من ثقل جماهيري بعيدا عن قيود المحاصصة واثار التهميش, فتصوَر عزيزي القارئ معي النتيجة ( الحلم ) التي كانت ستتحقق لو صوَت مثلا 500 ألف ناخب مسيحي لقائمة واحدة من قوائم شعبنا كما حدث مع الاخرين. ألم يكن لدينا الان عشرة مقاعد في البرلمان يمثلون كتلة تثير لعاب الكتل الكبيرة الاخرى في التفاوض والتحالف معها ؟ وتفعل هي ايضا ذلك معهم من موقع القوة . لكن و بفضل ( الجهود الخيرة ) لقياداتنا السياسية وقتالها المستميت فيما بينها من اجل مواقع الصف الاول والتسميات, يضاف اليه الوقود المتواصل لهذه المعركة التي يمثلها كُتَاب الانشاءات في المواقع الالكترونية مُتوَجا بالدور اللاأبالي إن لم يكن السلبي في بعض الاحيان لبعض القيادات الكنسية, كل هذا اوصل شعبنا الى هذه النتيجة المريرة حيث على الارجح لن يكون لديه في البرلمان المقبل إلا مقعدا يتيما حصل عليه بشق الانفس بعد الركون الى نتائج توزيع المقاعد التعويضية إذا أخذ بالحسبان ان المقعدين اللذان حصلتا عليهما شخصيتان مسيحيَتان ضمن القائمة الكردستانية هي مقاعد ( شرفية ) إقتضتها ضرورة تلوين وتطعيم تلك القائمة حيث هامش حيود اصحاب تلك المقاعد عن اهداف القائمة الام وباتجاه امال واهداف شعبنا هي ظئيلة حقا. وهكذا بقيت لعنة الكتلة ذات المقعد الواحد تلاحقنا مرة اخرى وأصبح لزاما علينا اللجوء والتوسل الى الكتل الاخرى طمعا في الحصول على بعض المكرمات .

لقد كتبت وكتب غيري ايضا في الاسابيع الاخيرة مقالات عديدة تدعو الى الاتعاظ وتعلم الدروس مما حدث والانتباه الى ان ( الكير هو حقا على الباك ) وأعترف ان قسما من هذه المقالات كانت قاسية وشديدة في الاسلوب ولكن يشهد الله ان القصد ليس إطلاقا التهجم الشخصي على فلان او علاَن بل هي الغيرة التي تملأ الكثيرين , وكما يقول الكتاب ( الغيرة على بيتك قتلتني ) , في ان هذا الشعب يجب ان يلعب دورا مهما ورائدا في العراق الجديد لما يمتلكه من طاقات بشرية خلاقة بل هو صمام الامان في المجتمع العراقي.

لكن البعض وكأنه لم ينتبه لدرس الانتخابات بل إعتبر نفسه انه كان في إجازة اعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة وهكذا عادت بعض الابواق من جديد تعزف مقاطع اخرى من السمفونية القديمة فهذا يتغنى بامجاد اجداده الكلدان محاولا ان ينسب اليهم اختراع الموبايل وباقي الشرائح الالكترونية وذاك يهيم في تاريخ اشور يُجبرنا ان نشَم كل حجرة فيه وثالث يفعل الشئ ذاته من السريان يُجهد النفس في اثبات انتساب الجميع اليه. هذا ينبش في اصل الكلدان بهدف العثور عل اي ثقب حتى ولو كان تافها في ملابسهم ليشمت فيهم وذاك يحفر في اساس الاشوريين ظنا منه ان الحفر في الاساس هو الوسيلة الاسلم لترك الدور الذي يشغله ( زوعا ) في تلك البناية حطاما وركام وهلم جرا وجيب ليل وخذ عتابة.

ليس عيبا اطلاقا ان يتغنى الانسان بامجاد اجداده ولكن العيب ان يتحول هذا الغناء الى مرض قاتل عندما ننتقي من ذلك التاريخ ما يشيع روح التشرذم والفرقة ناهيكم عن ان العرب تقول ليس الفتى من يقول كان ابي , ان الفتى من يقول ها انذا. لقد اصبحت وظيفة البعض في الكتابة شبيهة بما درج على فعله الكثير من المتقاعدين ( ايام زمان ) الذين كان يحلو لهم بعد سنوات الخدمة الطويلة ان يتركوا ( الجاكيت ) على الكتف وهم يحكون لبعضهم البعض ويتذكرون ايام الشباب وبطولاته . فهل قرر هؤلاء اعلان تقاعد شعبنا عن الدور في الوقت الذي قد بدأ به للتو؟ وهل اصبح عسيرا على اؤلئك الكتَاب ان يغرفوا من التاريخ عشرات بل مئات الامثلة التي تحكي ان الكلدان والاشوريين والسريان قد قاسوا معا وأُضطهدوا و قاوموا وفرحا وحزنوا وتزاوجوا وانجبوا معا على مر العصور والازمان؟

ان ليلى الارامية المسيحية في العراق مريضة وواجبنا جميعا ان نكون الطبيب المداويا . ودواء ليلى الناجع والشافي لايحتاج الى اية وصفة و مواد كيميائية بل انه بسيط وصعب في ان واحد يكمن في الترَفع قليلا عن المصالح الشخصية والانانية الضيقة وزرع روح التضحية والتسامي لتبعث الصحة والعافية من جديد في جسدها النحيل ومامن حب اعظم من هذا ان يبذل الانسان نفسه عوضا عن احبائه وهاهي قناة عشتار الفضائية قد اختارت لنفسها ان تكون شمعة على طريق هذا الهدف فهل هي تنادي من كان حيا؟