From : ham_jerm@yahoo.com
Sent : Monday, January 16, 2006 3:36 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : article from ismaeel-jerusalem
 

جنبلاط بين السياسي والنفسي
إسماعيل حمود-القدس



إن المتابع لحقيقة الأوضاع السياسية اللبنانية يستطيع أن يستشف ويرى مدى التغيرات والتحولات الحاصلة بالتحالف والمواقف السياسية الداخلية. هذه التغيرات والتحولات لا تعبر - بالضرورة عن مرونة العمل السياسي اللبناني, أكثر منه عن تشابك وتقاطع مصالح داخلية وخارجية بظرف زمني معين.
مما أثار اهتمامي ولفت انتباهي بهذه التحولات وتكوينها لواقع سياسي جديد كل فترة زمنية معينة هي شخصية السيد وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي.
اهتمامي جاء على خلفية الاستقطاب الحاصل بالمجتمع اللبناني وبالخارطة السياسية اللبنانية ولعل السيد جنبلاط يعتبر الدينامو والمحرك لهذه التحولات والاستقطابات.
عبر هذه المقالة أحاول تناول الجوانب النفسية لشخصية جنبلاط ومن خلالها تسليط الضوء على الواقع السياسي.
معلوم لدينا جميعا أن السيد جنبلاط كان من حلفاء سوريا القريبين طوال عقد ونصف من الزمن وخلال هذه الحقبة الزمنية قلما سمعنا انتقادات أو ملاحظات على الأداء السوري بلبنان حتى اغتيال الشهيد الرئيس الحريري بداية عام 2005.
بعد وقوع حادث الاغتيال تحول جنبلاط إلى أكثر السياسيين اللبنانيين انتقادا وغضبا على سوريا وحتى وصل الأمر مؤخرا إلى دعوة أمريكا لاحتلال سوريا بدعوى تغيير النظام.
الأمر ذاته حصل بعلاقته مع الطائفة الشيعية وتحديدا حزب الله ،حيث ربطته علاقات سياسية وإنسانية ووجدانية مع هذا الحزب وقياداته حتى انه دخل بتحالف معه واستطاع تحصيل مكاسب سياسية بواسطته ،أما اليوم فنرى أن السيد جنبلاط ذاته هو أكثر واشد السياسيين انتقادا وهجوما على حزب الله والطائفة الشيعية.
هذان نموذجان وغيرهما كثير، نستدل من خلالهما على مدى وحجم التقلب والتحول بالأداء السياسي وبالعلاقات مع الآخرين.هذا التقلب لا ينحصر فقط على الأداء السياسي لديه على مستوى التحالفات مع الآخرين بل أيضا:
- المواقف السياسية التي تتغير وتتبدل أحيانا بوتيرة سريعة جدا بكل يوم أو كل أسبوع.
غياب الثبات والثوابت بهذا الشكل وبهذه الحدة أمر مقلق ويخرج عن دائرة المقبول والطبيعي،بحيث أن المواقف السياسية هي ليست مجرد أسلوب تعبيري شكلي إنما أيضا من المفروض ,تعبير عن محتوى ومضمون فكري وسياسي وعكس لمنظومة مبادئ وقيم يحملها الإنسان.
بظل غياب الثبات وهيمنة التقلب بهذه الوتيرة عند السيد جنبلاط يمكن أن يعطي أبعادا عدة:
- أن البناء النفسي لجنبلاط يجد صعوبة باحتمال أو تصور الأمور من زواياها الايجابية وأيضا السلبية بآن معا.
تجسيدا لذلك هو حكمه المطلق على سوريا بوصفها شريرة وإرهابية دون أن يميز بين تياراتها وأقطابها ودون أن يحاول رؤية ايجابيات سوريا وما فعلته من خير بإحلال السلم الأهلي ودعم لبنان بالتحرير.
تجسيد آخر، عند الانتخابات النيابية بلبنان عندما صرح ان حربا أهلية ستحصل إذا فاز العماد ميشيل عون بانتخابات عبده عاليه. تعبير دراماتيكي ومتطرف جدا نسبة لطبيعة الحدث الحاصل (انتخابات نيابية) بمعنى تعبير يجسد مضمون ومكنونات عدوانية ذات طابع هدام ودون أي تناسب مع العامل أو المسبب لذلك (فرضية فوز العماد عون بمدينة لبنانية).
اليوم نشهد تقاربا بين السيد جنبلاط والعماد عون، هذا التقارب يحمل بطياته نفس خطوط وخصائص التقارب مع سوريا وحزب الله بمراحل سابقة ,بمعنى الانتهازية واستغلال العلاقات مع الآخرين لتحقيق مآرب ذاتية (شخصية فردية، حزبية، وطائفية) ومن ثم الانقلاب عليهم.
- "الذات الجنبلاطية" تستخدم الآخرين كأدوات ووسائل لإشباع حاجه عندها ودن أدنى اعتبار لقيم ومبادئ أو علاقات إنسانية، وربما "الحاجة الجنبلاطية" بهذه المرحلة توظيف التيار العوني لسد الطريق أمام أي اتفاق بالسعودية يعيد الطائفة الشيعية للحكومة، أمر من شأنه أن يشكل بالتجربة الذاتية لوليد جنبلاط حالة من الإقصاء أو التهميش دون أي دلائل أو مؤشرات موضوعيه لذلك سوى الوزن والثقل الشعبي للطائفة الشيعية بالساحة اللبنانية.
- كون السيد وليد جنبلاط شخصية ذات امتداد تاريخي كبير فهو يشكل محور أساسي بل ربما نموذج وقدوة لدى قطاعات معينة داخل المجتمع اللبناني، لذا التقلب السريع بالسلوك السياسي والانفعالات المتكررة تنعكس أيضا على الشارع وشرائح هذا المجتمع بمزيد من البلبلة والإتقان وفقدان الرؤية والبوصلة الجماعية والفردية.
كذلك من الإبعاد الهامة الممكنة لهذا السلوك الغير متوازن يمكن أن يعكس ظلالا سلبية على طبيعة العلاقة بين المواطن والطبقة السياسية وكلما ازدادت حدة أزمة الثقة هذه فان مشاعر الانتماء الوطني ستضعف وستزيد مشاعر الانتماء الطائفي والحزبي كبديل وتعويض عن الانتماء الوطني الجماعي. وبهذه الصورة يصبح المجتمع أكثر عرضة للاختراق الخارجي والتمزق الداخلي.
إن نهج وسلوك السيد وليد جنبلاط فيه دلالات ومؤشرات على شخصية تتميز بالأنانية والتمحور حول الذات، ففي كل مناسبة يحدث تقارب بين طرف لبناني وآخر نشهد من السيد جنبلاط حملة إعلامية وتحريض تحت مسميات مختلفة وباطنها بتصوري وتحليلي استشعاره بخطر يهدد مكانته ومركزيته ولا مانع لديه بأن يأتي ذلك على حساب مسلمات وثوابت وطنيه بل إلى حد تخريب البلاد .
عندما أتحدث عن تهديد لذاته أو مكانته فليس بالضرورة الذات الفردية لجنبلاط بل أيضا الذات الطائفية والحزبية سيما وان هناك حالة تماهي(sympiosis) بينه وبين الطائفة والحزب.
الاندفاع والتهور الانفعالي هي أيضا من سمات الشخصية الحدية (border line) خاصة وان "الذات الجنبلاطية" لا ترى سوى ذاتها الفردية والطائفية وأي "مساس" (زيارات ثنائية، تحالفات ، صعود نجم آخر) بهذه الذات ينذر بأهوال ومصائب حقيقية على مستوى الوطن وليس على مستوى الأفراد فحسب.
احد إفرازات سلوك هذه الذات والشخصية بكونها أنانية نستطيع أن نشهده أيضا من خلال تصريحات وأفعال ذات طابع إقصائي بمعنى انه كل مرة يستشف هذا "الخطر" من أي طرف كان نراه يستخدم منطق الإلغاء أي إقصائهم من دائرة التأثير والقرار ومن ثم إلغاء دورهم وهذا ما حصل عقب نشوء الأزمة الوزارية مع الطائفة الشيعية، فأخذ السيد جنبلاط يصرح "إن قوى 14- آذار هي فقط من تقرر مستقبل لبنان" وهكذا حصل عند فوز السيد ميشيل عون بالانتخابات والأمثلة كثيرة جدا.
إضافة لذلك هناك نماذج وأمثلة بحياته الشخصية تدلنا وتعزز تحليلنا حول صعوباته بإنشاء علاقات إنسانية حميمة أو صعوباته بإحداث استقرار وتوازن بهذه العلاقات، لكن أفضل عدم التفصيل بهذا المجال حتى وان دعم الموقف حتى نفصل بين حياته الشخصية وحياته العامة.
إن هذه المقالة أتت حرصا وحبا للوطن اللبناني ومن دافع الغيرة على كل أهله وحفاظا على تراث القائد الكبير الشهيد كمال جنبلاط ورغبة بنأي دماء الشهيد الحريري عن التجاذبات الداخلية والأحقاد, وجرأة وصراحة لقول الحقيقة عن مواضع الخلل بشخصية وليد جنبلاط والتي من شأنها جر لبنان إلى حافة الهاوية بل إلى الهاوية نفسها.