كيف تفقد عملك في صحيفة سعودية
بقلم: فواز تركي
ترجمة: مجدى خليل عن واشنطن بوست
 


هذا الشهر فصلت من عملي بطريقة غير مهذبة في صحيفة سعودية كبري تصدر باللغة الإنجليزية وهي أراب نيوز

لم يكن ذات أهمية أن كنت في مقدمة كتاب العواميد على صفحة "الرأي" تسع سنوات، وأن صحفا أوربية وأمريكية من بينها هذه الجريدة تشهد بما أكتب. ما كان له أهمية انني ارتكبت الخطايا الثلاثة الرئيسية التي يجب على الصحفي العربي ألا يقع فيها وهو يعمل في الصحافة العربية: أنني أنتقد الحكومة

ماذا عن الخطيئتين الأخريتين؟ التعرض للإسلام وانتقاد الزعماء السياسيين بالاسم في العالم العربي أو الإسلامي لما يرتكبونه من تجاوزات، حقيقية وإخفاقات فاضحة، وانتهاكات صارخة


دعك من أن الصحيفة تحط من قدر العمل الصحفي عندما تحظر على كتابها انتقاد الحكومة المفروض أنها تراقبها، دع عنك منع المحررين من تناول الإسلام خاصة إذا تناولوا ايدولوجية الجهاديين المتطرفة وهو موضوع الساعة في العالم اليوم، دع عنك المجتمع العربي، هذا المجتمع الممزق جسدا وروحا لأكثر من نصف قرن بعد أن حصل على استقلاله.. وهو في أشد الحاجة إلى أن ينشغل في تقييم حاد للذات، وتشجيع الحوار الحر في وسائل الأعلام بين المثقفين والأكاديميين والمحللين السياسيين وغيرهم حول أسباب أخفاق العرب في مواجهة تحديات الحداثة طوال هذه السنوات

بيد أن هذه هي القواعد الصارمة التي تحكم ممارسة الصحافة العربية لمهمتها، وإما أن تخضع لهذه القواعد أو تفصل من عملك. والمشكلة هي أنه إذا كان مجرد رص الكلمات هو كل المطلوب منك لتحصل على رزقك فسوف ينتهي بك الأمر إلى إن ترضي بقليلك وأن تلعب وفقا للقواعد التي ترسم لك
في بعض الأحيان يكفي أن يتلقى صاحب مركز كبير في جريدتك من مسئول حكومي نصف أمي غير مؤهل للعمل في مطعم، أو من أمام أصولي لم يقرأ في حياته خمسة أو ستة كتب محترمة، أو ربما من دبلوماسي غاضب في سفارة عربية أو إسلامية في الرياض لم يرض عما كتبته في عمودي عن بلده، النتيجة واحدة: مستقبلك ضاع

في بعض الأحيان إذا كنت محظوظا وكان المسئول عن صفحة الرأي يحب ما تكتب، ويوبخك قليلا، و يدافع عنك وراء الستار مخاطرا أحيانا بفقد عمله. ولكن حتى في هذه الحالة.. تكفي ثلاث غلطات لتترك عملك

وكانت أولي غلطاتي التي اعتبرت استفزازية أنني انتقدت الرئيس المصري حسني مبارك بعد أن حمل على نشطاء حقوق الإنسان منذ عدة سنوات، ووقعت الثانية بعد فشل أتفاق كامب ديفيد في عهد الرئيس كلينتون ودعوت إلى استقالة ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية.
وكانت الأخيرة عندما كتبت عن الفظائع التي ارتكبتها اندونيسيا أثناء احتلالها لتيمور الشرقية في الفترة من 1977 إلى 1999، وإزاء هذا الآثم الصارخ لم تعرف الصحيفة العربية الرحمة، وفصلت دون استجواب أو تفسير. فأنت لا تكتب عن فظائع أرتكبتها حكومة إسلامية حتى لو كانت موثقة ومدونة في كتب التاريخ، وأن يراودك الأمل في أن تنجو

بيد أن هذا ليس مجرد قصة صحفي عربي يفقد عمله، ولكنها قصة لها دلالتها بالنسبة لجهود الإدارة الأمريكية الحالية لضم البلاد العربية لركب الديموقراطية والصحافة الحرة المستقلة هي حجر الزاوية فيها

وماذا ينبغي للعرب، ومن بينهم من يقال أنهم رؤساء تحرير الصحف أن يتعلموه أن الصحافة الحرة، الحرة حقيقة هي ضرورة أخلاقية في المجتمع، إذا دمرتها فأنك تدمر الحق المقدس في أن تعلم ما يحدث، والدور التقليدي للصحيفة أن تحيطك علما بما يحدث. وإذا كانت الديموقراطيات الغربية أفضل من غيرها لأنه بالنسبة لها مفهوم المسؤولية والمحاسبة المطلوب من رئيس الدولة إلى أصغر مسئول فيها هو وظيفة جوهرية في ايدولوجيتها الوطنية

ما ينبغي للعرب أن يعرفوه أيضا علاوة على ما تقدم أن الصحف لا تصدر لتروج الآراء السياسية لأصحابها، أو تنشر تعليقا لمحلل سياسي ذليل يغض النظر عن إساءة السلطة من قبل القادة السياسيين الذين يحكمون دولتهم الفاشلة
قد تكون الديموقراطية نظاما سياسيا، ولكنها أيضا روح المجتمع، كيف يمكن لبلد أن يتجاوب مع هذه الروح إذا كان شعبها عاش لأجيال في خوف من الإصالة، وخوف من التجديد، وخوف من التلقائية، وخوف من الحياة نفسها، وكيف طبع في هذا الشعب الحاجة إلى قبول العقيدة الواحدة والتبعية والخضوع؟
وللأسف أن العالم العربي اليوم لازال مجموعة من الكيانات المتناثرة المتباينة تحكمها أنظمة استبدادية، تستخدم الإكراه والعنف والترويع في حكمها، وتطلب من مواطنيها الخضوع والطاعة والامتثال، ومن بينهم المواطنون الذين يسمون أنفسهم "صحفيين" بالنسبة لهم المسؤولية عن الحقيقة لا أهمية لها

في هذا الجو يعتبر من الفطنة الصحفية أن تكتب في مكان بارز في صفحات الرأي لكبري الصحف العربية أن هجمات 9/11 من عمل عملاء إسرائيليين وأن مصرع الأميرة ديانا هو نتيجة شيطانية لمؤامرة دبرتها المخابرات البريطانية لإنهاء حياتها لكيلا تتزوج من رجل عربي، وأن مونيكا ليونسكي عميلة زرعها "اللوبي اليهودي" في البيت الأبيض.. وغير ذلك من الحكايات الصبيانية

بالنسبة للعرب لازال هناك فاصل كبير بين الكلمة والعالم، في امكانك اعتناق النظريات التآمرية بسهولة مثيرة للدهشة، وأن يسمح لك رئيس التحرير بأن تصدر فتاويك الغبية في أي شيء كما تشاء. ولكن حذار أن تكتب شيئا عن الأشياء المحظورة التي يرتكبها الزعماء العرب، أو الفظائع التي ارتكبتها حكومة إسلامية في تيمور الشرقية، والثمن الذي يجب أن تدفعه إذا كنت تعمل في جريدة عربية هو ثمن باهظ حقيقة

فواز تركي صحفي يعيش في واشنطن، ومؤلف عدة كتب من بينها "المحروم" ، "يوميات فلسطيني في المنفي

البريد الالكترونى للكاتب

disinherited@yahoo.com
ترجمة: مجدى خليل عن واشنطن بوست