|
حماس وخيار المقاومة
د. محمد الغزي
alguzzy@maktoob.com
5 ابريل 2006
في محاولات مريضة، لثني حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عن خيارالمقاومة، تغلق
الإدارة الأمريكية جميع الأبواب، إلا بابا واحدا، أمام حماس وتمارس عليها عزلة
دولية وضغوطا شتى لدفعها نحو ذلك الباب الذي يؤدي إلى نفق لا نهاية له، وقد
سلكت ذلك النفق المظلم فئة من الشعب الفلسطيني معولة على وعود سرابية، ما أدى
إلى تكريس الاحتلال الغاشم وضياع المزيد من الحقوق الفلسطينية وتمكين الكيان
الصهيوني من تحقيق اختراق جزئي للعالم العربي، فما كان من الشعب الفلسطيني إلا
أن نبذ تلك الفئة وأسقطها من حساباته وانطلق بقوة نحو مرحلة جديدة وحاسمة من
مسيرة جهاده المباركة مدركا أن مقاومته الأسطورية هي وحدها التي أعادت الحياة
إلى القضية الفلسطينية وحققت ما لم تحققه الدول العربية طيلة نصف قرن من
استجداء المجتمع الدولي والاعتماد على الشرعية الدولية والتعويل على المفاوضات
العقيمة.
ظنت الإدارة الأمريكية أن حماس إنما تسعى للوصول إلى السلطة، من أجل السلطة،
فأخذت تملي عليها شروطها المذلة في مقابل اعتراف "المجتمع الدولي" بالحكومة
الفلسطينية الجديدة، ولم تستح إدارة بوش من مطالبة شعبنا الفلسطيني بدفع حقوقه
ووطنه وتضحياته الجسمية ثمنا باهظا للمعونات الاقتصادية التي يقدمها المجتمع
الدولي المنحاز للاحتلال، فالإدارة الأمريكية تشترط ابتداء استسلام الشعب
الفلسطيني وتخليه عن حقه في المقاومة ومنح الاحتلال الصهيوني شرعية مجانية
مقابل وعود زائفة بدولة وهمية معدومة السيادة على جزء ضئيل من أرض فلسطين، وإذا
كانت الولايات المتحدة الأمريكية تظن أن تلك المقايضة الظالمة ستؤدي إلى إنهاء
الصراع في الشرق الأوسط فهي مخطئة تماما، فإنهاء الصراع مرهون بدحر الاحتلال
نهائيا وعودة الأرض إلى أصحابها الشرعيين وتخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن
أطماعها بالهيمنة على أوطاننا.
ومما يجب أن تعلمه الإدارة الأمريكية، وحلفاؤها والاحتلال الصهيوني، أن
ممارستها للضغوط على شعبنا وفرضها لعزلة على حماس لن يجدي الولايات المتحدة
نفعا ولن يحقق لها مآربها، فالشعب الفلسطيني، الذي يمتلك قدرة أسطورية على
الصبر وتقديم التضحيات، أصبح لديه من الإيمان والوعي ما يمنعه من الرضوخ
والاستسلام، وهذه الصورة الوردية التي رسمتها الدعاية الصهيونية للكيان
الصهيوني بدأت تتعرى منذرة بموقف شعبي دولي مناصر للقضية الفلسطينية ورافض
للاحتلال وإجرامه وللسلوك الأمريكي المشين تجاه الشعوب العربية والإسلامية،
وهذه الولايات المتحدة الأمريكية تغرق في المستنقعات ويحيق بها مكرها السيئ
وتتكشف حقيقة نواياها الماكرة وتتعرض لانهيار اقتصادي وتصدع داخلي، كما أن
المجتمع الدولي بدأ يتمرد على النظام العالمي الأمريكي ويرفض هيمنته، والأكثر
من ذلك أن الأنظمة العربية بدأت تتمرد على الضغوط الأمريكية وتتملص من الابتزاز
الأمريكي.
ورغم الصورة القاتمة التي رسمها الإعلام الظالم للوضع الفلسطيني بعد فوز حماس
ووصولها للسلطة والحكومة فإن الحالة الفلسطينية تمثل نقلة نوعية فريدة على
مستوى العالم العربي والإسلامي، بل على مستوى العالم، مبشرة بخير عظيم على
الأمة العربية والإسلامية، فلأول مرة يعم الوئام والانسجام معظم أبناء شعبنا
الفلسطيني الذي التقت طموحاته وأهدافه مع برنامج حكومته الإسلامية الفتية، وهذا
يمثل بداية النهاية لمرحلة "الملك الجبري" ويبشر ببداية مرحلة "الخلافة
الراشدة"، إن هذه البشرى تأتي من أرض باركها الله عز وجل ومنَّ على أهلها
بالنصر تحقيقا لوعده سبحانه : {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ}، فيا من تحلمون بالحرية وتتطلعون إلى نمط الحياة الغربية
الخالية من المعاني الإنسانية ويا من لا ترون للحياة هدفا أو معنى إلا بجمع
الدولار واليورو: تعالوا هنا إلى فلسطين لتذوقوا معاني العزة والكرامة والحرية
الحقيقية فهنا في فلسطين أصبح للحياة معنى عظيم يهون على من يستشعره كل أصناف
العذاب والضغوط.
إن شعبنا الفلسطيني اليوم يعيش في مرحلة انقشعت فيها ثقافة الهزيمة وتبددت فيها
الأصوات المنادية بجمع أسلحة فصائل المقاومة وتفكيك بنيتها العسكرية، لقد توقفت
اللقاءات الأمنية الرسمية وانزوت العيون التي تلاحق المقاومة لتشي بها عند
الاحتلال وكفَّت الأجهزة الأمنية عن مطاردتها للمجاهدين والمقاومين، ما يسمح
بتعزيز قوة المقاومة وصمودها والارتقاء بها إلى مستويات لا يحدها إلا قدرة
شعبنا الفلسطيني المعطاء على الإبداع والعطاء، وها هي الفصائل الفلسطينية
المقاومة تلتقي على الثوابت الفلسطينية ويعزز بعضها بعضا في صورة مشرقة لم
تشهدها الساحة الفلسطينية من قبل.
إن ممارسات الاحتلال الصهيوني الإجرامية والشروط والإملاءات الأمريكية
والأوروبية الغربية الظالمة تدل بوضوح على أن الصراع في الشرق الأوسط لن ينتهي
قبل انتهاء الاحتلال الصهيوني وقبل تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن حلمها
بالهيمنة الكاملة على أمتنا وإعادة تشكيل المنطقة بما يتلاءم مع مشاريعها
الرامية إلى إقامة إمبراطورية الشر على أنقاض أمتنا، ولهذا لا سبيل لشعوبنا،
للتخلص من هذا العدوان الغربي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا
بالمقاومة الشاملة على كل الميادين والأصعدة، وهذا من حقنا مهما وصف الإعلام
المأجور ذلك بالعنف والإرهاب.
والصراع في الشرق الأوسط لا سبب له إلا الاحتلال الصهيوني لفلسطين واستهداف
الغرب لأمتنا العربية والإسلامية، أما الصراع العربي الصهيوني فهو أهم ميادين
ذلك الصراع الغربي العربي وأبرز معالمه وفصل من فصوله، ولهذا وجَّه رئيس
الوزراء الفلسطيني المكلف إسماعيل هنية للجنة الرباعية دعوة إلى الحوار لإنهاء
الصراع في الشرق الأوسط على أسس عادلة، فأطراف الصراع وأسبابه وأبعاده واضحة
ومعروفة، وما يؤكد ذلك قيام الإدارة الأمريكية، التي طالما تنكرت لحقوقنا
وانحازت بشدة للاحتلال الغاشم، برفض هذه الدعوة على لسان شون ماكورماك،
فالولايات المتحدة لا تسعى إلى إعادة حقوق شعبنا الفلسطيني وإنما تريد التمكين
للكيان الصهيوني وتهيئة المنطقة العربية والإسلامية لأجندتها ومشاريعها
وللولايات المتحدة الأمريكية مصالح في منطقتنا يهددها التحيز الأمريكي الجنوني
للاحتلال الصهيوني، وهذا ما جاء في الورقة البحثية التي أجراها الأكاديميان
الأمريكيان جون مارشمر من جامعة شيكاغو وستيفن وولت من جامعة هارفارد مؤكدين أن
هناك تعارضا بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية، والجدير بالذكر أن هذين
الأكاديميين ينتميان إلى اللوبي الصهيوني الضاغط على الإدارة الأمريكية لمصلحة
الاحتلال الصهيوني، ما يعطي أهمية خاصة للنتائج التي توصلا إليها، ولكن يا ترى
ما هي المصالح الأمريكية في منطقتنا؟!
لقد أفاد الباحثان في دراستهما أن المصلحة الأساس للولايات المتحدة هي في أن
تُقرب منها الدول العربية المعتدلة معللين ذلك بأنه إذا لم يكن في الإمكان
القضاء على "الأصولية" بالقوة، على حد تعبيرهما، فيجب الحد من تطورها، ثم أشارا
إلى أن هذا لا يتم إلا بالتخفيف من جرعات دعم واحتضان (إسرائيل)، على حد
قولهما، وفي هذا دلالة واضحة على أن الولايات المتحدة الأمريكية تطمع في أكثر
من الحصول على النفط والغاز الطبيعي من بلادنا وإقامة مطارات وقواعد عسكرية
أمريكية في البلاد العربية والإسلامية، إنها في حقيقة الأمر تسعى إلى الهيمنة
الكاملة على أمتنا وأوطاننا، ولهذا فالولايات المتحدة وضعت برامج عديدة لنشر
مبادئ ما تسميه بالتسامح والتحالف بين الأديان والحضارات من أجل ثني شعوبنا عن
مقاومة عدوانها.
وهنا يأتي الدور الإقليمي للشعب الفلسطيني وحكومته الإسلامية في مقاومة الأطماع
الأمريكية والصهيونية بالصبر والاستمرار في المقاومة والمحافظة على مستوى مناسب
من التصعيد الاستفزازي الذي يحرج كلاً من الاحتلال والإدارة الأمريكية ويضطرهما
إلى القيام بحماقات وأعمال خرقاء تفضح الشعارات الأمريكية وتعري الاحتلال، ما
يؤدي إلى سقوط الأكاذيب الأمريكية والستار الذي تتخفى الولايات المتحدة وراءه
من أجل تحقيق مصالحها، وهذا يقتضي التفاف فعال ومدروس للشعوب العربية
والإسلامية حول حماس وتقديم الدعم للشعب الفلسطيني في كل المجالات الإعلامية
والسياسية والاقتصادية.
وعلى حماس المحافظة على وحدة الصف الداخلي وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني والتخفف
من الأغلال الدولية التي تقيد حركتها وتعيق مسيرتها الطويلة، وعليها كذلك أن
تعمل على توحيد الجهود الفلسطينية في الداخل وفي الشتات وفي فلسطين المحتلة عام
1948م، وعلى الحركات الإسلامية في كل أنحاء العالم أن تقوم بدورها وواجبها في
هذا الصراع بتنظيم الدعم الشعبي العربي والإسلامي للحكومة الإسلامية في فلسطين،
وإلا فما الفائدة من وصول الإسلاميين إلى البرلمانات والمجالس النيابية؟ وما
الفائدة من صعود التيارات الإسلامية وازدياد شعبيتها؟ فالمقصود توظيف إمكانيات
التيارات الإسلامية والظروف المحلية والإقليمية من أجل الضغط على الحكومات
العربية وابتزازها لدعم الشعب الفلسطيني وحكومته الجديدة.
وعلى علماء فلسطين ومفكريها ومثقفيها ورجال أعمالها أن يعودوا إليها لينالوا
شرف بناء دولتهم العتيدة.
|