الوعود الامريكية ... سرابية
 د. محمد الغزي
alguzzy@maktoob.com


قد يضلل هذا العنوان القارئ نوعا ما إذ أنه ربما يوحي بأن هناك موافقة أمريكية وصهيونية على قيام دولة فلسطينية ولو على جزء يسير من الأراضي الفلسطينية المحتلة، فما تعرضه إدارة بوش على الشعب الفلسطيني لحل قضيته وما تقبله دولة الاحتلال بهذا الخصوص لا يزيد عن حكم ذاتي محدود لفلسطينيين يعيشون على أرض ممزقة جغرافيا في كيان لا يتمتع بالسيادة على الحدود والمعابر والأرض والماء والأجواء ولا يملك الحد الأدنى من مقومات الدولة المستقلة، أمنيا وسياسيا واقتصاديا، ولا يمكن أن يرقى إلى وصف الدولة المستقلة بحسب القوانين والمعايير الدولية.

والوعود الحالية للإدارة الأمريكية بإقامة دولة فلسطينية بجانب دولة الاحتلال الصهيوني لا تعبر عن أي تغيير في المواقف الجائرة للولايات المتحدة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، فلا تهدف تلك الوعود السرابية إلا إلى إجهاض جهاد الشعب الفلسطيني وتهدئة الشعوب العربية والإسلامية؛ لكي تتفرغ الولايات المتحدة الأمريكية لمشروعها الكبير في منطقتنا، فالرؤية الأمريكية، المتفقة تماما مع الرؤية الصهيونية، للدولة الفلسطينية تقتضي تصفية القضية الفلسطينية وتغيير شكل الاحتلال بدلا من إزالته واتخاذ الشعب الفلسطيني جسرا للنفاذ إلى أعماق العالم العربي لإنجاز بنود الأجندة الصهيونية الأمريكية للشرق الأوسط.

والمتأمل في ممارسات إدارة بوش إزاء القضية الفلسطينية يجد أن الوعود الأمريكية، بإقامة دولة فلسطينية جنبا إلى جنب مع كيان الاحتلال الصهيوني، هي كذبة كبرى تحول دون تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على تراب وطنه وتقرير مصيره، فالسياق التاريخي لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والممارسات الأمريكية تجاهها تثبت أن تلك الوعود لا مصداقية لها إطلاقا، فقد كانت هناك وعود أمريكية بإقامة دولة فلسطينية وتعهدات لرؤساء أمريكيين سابقين بعدم الاعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني، ولكن الخطاب السياسي الأمريكي يتناقض تماما مع صمت الولايات المتحدة الأمريكية على الهجرة غير الشرعية لليهود إلى فلسطين والاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات اليهودية عليها ..

ففي عام 1919م، وبناء على تقرير "لجنة كنج" الأمريكية، اعترفت الحكومة الأمريكية بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في أرضه الفلسطينية، وفي عام 1946م طالب الأمريكيون بإقامة دولة "ديمقراطية" يعيش فيها العرب واليهود وطالبوا بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفي عام 1947م نكثت الولايات المتحدة الأمريكية بوعودها وتعهداتها ووافقت على قرار التقسيم ووضع منطقة القدس تحت الإشراف الدولي، وقد طالب المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة في ذلك الوقت "جيوسوب" بإقامة دولة فلسطينية وفقا لقرار التقسيم؛ كما وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على عودة الفلسطينيين إلى أرضهم التي شُرِّدوا عنها في حرب عام 1948م.

وفي عام 1949م بعث الرئيس الأمريكي روزفلت برسالة إلى الملك عبد العزيز بن سعود يطمئنه فيها بعدم تغيير الحكومة الأمريكية موقفها تجاه الشعب الفلسطيني إلا بعد التشاور مع الزعماء العرب وأنها لن تقدم على أي أعمال عدائية ضد الشعب الفلسطيني، ولكن الممارسات الأمريكية كانت تناقض مواقفها السياسية المعلنة التي كانت تهدف في حينها إلى إلهاء الدول العربية وإحباط محاولات الشعب الفلسطيني لمقاومة الاحتلال وإخماد مسيرته الجهادية.

وبعد الحرب العالمية الأولى تغيرت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه المنطقة العربية وتمثلت في السعي إلى الهيمنة عليها لتحقيق مصالحها في الحصول على النفط، لذا شهدت العقود الخمسة الماضية تنكرا أمريكيا للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ولم ينقطع الدعم الأمريكي لدولة الاحتلال لحظة واحدة، بل إن المتابع للأحداث يدرك أن الدعم الأمريكي يتعاظم كلما ازداد جهاد الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه وكلما تعرض كيان الاحتلال لمآزق اقتصادية وعسكرية وسياسية ودبلوماسية، فمصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط هي التي ترسم سياساتها الاستراتيجية تجاه القضية الفلسطينية وتحدد حلفاءها الاستراتيجيين، وحيث أن دولة الاحتلال لا تمثل سوى قاعدة عسكرية أمريكية في قلب العالم العربي لخدمة المصالح الأمريكية كان هناك توافق شبه تام بين الرؤية الأمريكية والصهيونية لإنهاء القضية الفلسطينية.

لقد أدرك الأمريكيون أن استمرار مسيرة النضال الفلسطيني يؤدي إلى إعاقة المشروع الأمريكي الهادف إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط بما ينسجم مع المصالح الأمريكية، فلا يمكن إنجاز بنود الأجندة الأمريكية في ظل تزايد مشاعر العداء والكراهية للسياسات الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية وتعرض المصالح الأمريكية للخطر، فكان لا بد للأمريكيين من طرح مبادرات سلام سرابية تهدف إلى التخلص من المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها وتفكيك بنية فصائلها ثم الانطلاق إلى التطبيع مع الدول والشعوب العربية لإنجاح مشروع القرن الأمريكي، وفي ذات الوقت، تعليق كل المسائل الجوهرية المتعلقة بالحدود وعودة اللاجئين والقدس والأسرى إلى المرحلة النهائية في محاولة واضحة لكسر شوكة المقاومة الفلسطينية وتخفيف حدة العداء للأمريكيين.

لقد أثبتت الأيام أن الوعود الأمريكية والحلول المطروحة تهدف إلى إلهاء العرب والشعب الفلسطيني بمفاوضات تستمر لعشرات السنين بينما يقوم الاحتلال، مستغلا للوقت والظروف الإقليمية والدولية، بإجراءات إجرامية على الأرض كالتهويد والاستيطان ومصادرة الأراضي التي يعيش عليها الفلسطينيون وتقويض المسجد الأقصى المبارك .. وكذلك التطبيع والهجرة اليهودية غير الشرعية إلى فلسطين المحتلة وتهجير الفلسطينيين بالقوة والإرهاب والتغلغل في العالم الإسلامي وتمكين الأمريكيين من تنفيذ مخططاتهم للهيمنة على بلادنا بذريعة الإصلاح ونشر الديمقراطية والقضاء على الأنظمة المستبدة ..

لذلك فإن اقتراح إقامة دولتين جنبا إلى جنب لا معنى له من الناحية العملية حيث أن كيان الاحتلال غير، ولا يزال يغير، كل معالم الأرض والسكان على أرض فلسطين وبدأ برسم حدوده كما يشاء وأخذ بإقامة مناطق أمنية شريطية لعزل الأراضي الفلسطينية عن حدود البلاد العربية المجاورة .. كما يعمل كيان الاحتلال على عزل المدن والقرى الفلسطينية في محاولة للتخلص من المشكلة الديموغرافية التي يسببها التزايد المضطرد للفلسطينيين، هذا بالإضافة إلى أن الحلول المطروحة تتفق مع مصلحة الجانب القوي المحتل على حساب الجانب الضعيف صاحب الحق الشرعي كما هو واقع الحال في اتفاقيات أوسلو.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموقف العربي الرسمي اتسم بالضعف والنفاق والتفريط بالحقوق الفلسطينية ولم يكن له أي فاعلية على المستوى الدولي، فقد تزاحمت في الفضاء العربي الرسمي مبادرات سلام عديدة تقوم على أساس انسحاب الكيان الصهيوني إلى حدود عام 1967م وإقامة دولة فلسطينية على جزء يسير من أرض فلسطين في مقابل التطبيع الكامل مع دولة الاحتلال، والقاسم المشترك بين كل المبادرات العربية للسلام هو المرونة الكبيرة في التعامل مع قضية القدس وعودة اللاجئين والحدود النهائية إلى درجة التنازل عن عودة اللاجئين إلى أراضيهم التي هُجِّروا منها بقوة الإرهاب الصهيوني والدعم الغربي.

وبخصوص مبادرة الأمير عبد الله للسلام فهي تخلو من أي ذكر للقرار 198 الخاص بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ما جعلها فارغة من أي مضمون حقيقي بل جاءت تلك المبادرة استجابة للضغوط الأمريكية على السعودية في أعقاب هجوم أبراج نيويورك وتبين أن عدد من السعوديين قد شاركوا فيه، وبهذه المناسبة فقد صرح الصحفي اليهودي الأمريكي توماس فريدمان، الذي نشر مبادرة الأمير عبد الله في أعقاب لقاء بينهما، أن المطلوب من العرب "التطبيع الكامل" مع دولة الاحتلال الصهيوني وليس السلام الكامل. وبمجرد إطلاق مبادرة الأمير عبد الله أجرى بوش اتصالا به ليحثه على تدعيم مبادرته لإنهاء العنف، بحسب تعبير بوش، ولكن بوش لم يتحدث عن التزام الاحتلال بالقرارين 242 و 338 المتعلقين بانسحاب الاحتلال إلى حدود عام 1967م، ورغم كل هذه التنازلات فقد رفضت حكومة الاحتلال تلك المبادرة.

واتسمت المواقف الصهيونية إزاء تلك المبادرات بالرفض ليس بسبب الشك أو الريبة وإنما بسبب اعتقاد اليهود الصهاينة أن السلام يهدد وجود الكيان الصهيوني ولا يمكِّن له؛ كما علق زعيم حزب العمل الصهيوني، حينذاك، حاييم وايزمان بخصوص مبادرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للسلام قائلاً: "هذا السلام لن يمكِّن (إسرائيل) من الوجود وفقًا للحجم والروح والكيفية التي تمثلها الآن"، وهذا يدل على أن كيان الاحتلال يعتمد في وجوده على قوته وضعف العرب وليس على أساس السلام أو ما يسمى بالشرعية الدولية، وفي نفس السياق علق الكاتب الصهيوني موسى إيلون على مبادرة السادات قائلاً: "إن السادات قد سبَّب رعباً بين القيادة السياسية (الإسرائيلية) عندما أعلن عن استعداده لقبول اتفاقية سلام مع (إسرائيل)، واحترام سيادتها واستقلالها داخل حدود آمنة ومعترف بها".

وينسجم هذا تماما مع الأيديولوجية الصهيونية التي تنكر وجود الشعب الفلسطيني وتعتبر فلسطين وطنا قوميا لليهود وتسعى إلى قيام كيان محتل توسعي يهيمن على مناطق شاسعة من العالم العربي لتكوين الدولة العبرية الكبرى، وقديما عبر بن جوريون عن الموقف الصهيوني الرافض لمشاريع السلام حينما قال: "إن من يحاول بحث المشكلة الصهيونية من جانب أخلاقي فليس صهيونياً" وهذا يدل على أن الأيديولوجية الصهيونية لا تسعى حقيقة إلى السلام، وحديثا وصف شيمون بيريز خطة الملك فهد لعام 1981م بأنها "تهدد الوجود (الإسرائيلي) ذاته". لذلك اعتادت حكومات كيان الاحتلال أن تصعد من عملياتها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني أو تحتل مزيدا من الأراضي الفلسطينية أو تستقدم أعدادا جديدة من المهاجرين اليهود أو تبني كتلا استيطانية جديدة كرد فعل عملي على كل المبادرات العربية.

إن الرؤية الصهيونية للدولة الفلسطينية لم تتجاوز حكما ذاتيا محدودا على 22% من الأراضي الفلسطينية المحتلة يؤدي إلى تكريس الاحتلال وإعادة صياغته بطريقة تغني الاحتلال عن عناء الاحتكاك المباشر مع الشعب الفلسطيني وتعفيه من الظهور أمام الرأي العام العالمي بمظهر المحتل لأرض فلسطين والمخالف للقانون الدولي والمنتهك لحقوق الشعب الفلسطيني، وهذا ما شهدناه في السنوات الماضية بعد أن وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقيات أوسلو مع حكومة الاحتلال، فلم يتغير من الاحتلال وممارساته الهمجية والإجرامية شيء سوى المظهر مع أبقاء إدارة الاحتلال من اختصاص سلطة أوسلو في مقابل مساعدات مالية أمريكية وأوروبية ضلت طريقها.

وحتى على المستوى الفلسطيني وجدنا أنه في كل مرة تتعهد فيها سلطة أوسلو بإنهاء عسكرة الانتفاضة والانقضاض على المقاومة الفلسطينية ونزع السلاح من المجاهدين والتنسيق الأمني مع الاحتلال كانت تقابل حكومات الاحتلال هذه المبادرات والإجراءات الفلسطينية بتصعيد جرائمها وتوسيع اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني، لقد كانت المفاوضات بالنسبة للصهاينة والأمريكيين هي مجرد إملاءات على السلطة الفلسطينية دون أن يقوم الاحتلال بأي بادرة لحسن النية ودون أن يفي الاحتلال بأي التزام تجاه الفلسطينيين.

إن الذي يحرك الحكومات الصهيونية نحو المفاوضات مع الفلسطينيين والعرب هو الهدف الأمني الذي يحقق جوا مواتيا لتقدم المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، ولهذا فإن كل المزاعم التي تنادي بقيام دولة فلسطينية لا تأتي إلا في سياق المراوغة وتوظيف الضعف العربي من أجل فرض الرؤية الصهيونية للدولة الفلسطينية المعدومة السيادة. ومن أجل إحباط أي محاولة لقيام دولة فلسطينية مستقلة يعمل الاحتلال، باستمرار، على تحويل القضية الفلسطينية إلى معاناة إضافية للشعب الفلسطيني متمثلة في الاغتيال والاعتقال وإقامة الحواجز العسكرية وإغلاق المعابر التي تمر خلالها البضائع والمواد التموينية والغذاء والمحروقات ومنع التنقل بين الضفة والقطاع ..

إذاً فالدولة الفلسطينية المطروحة صهيونيا هي مجرد حكم ذاتي محدود وإعادة انتشار لقوات الاحتلال وإعادة توزيع المستوطنات على الأرض الفلسطينية دون أن يحصل الفلسطينيون على أي سيادة حقيقية على الأرض والجو والبحر والمعابر والحدود .. فالاحتلال يهدف من وراء الحكم الذاتي إلى التخلص من المشكلة الديموغرافية وتضليل الرأي العام العالمي والتطبيع مع الدول العربية والإسلامية والتنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في مقاومة الاحتلال .. وهذه هي فكرة الدولة المؤقتة التي ينادي بها الصهاينة والأمريكيون.

من هنا ندرك سبب إصرار الحكومات الصهيونية المتعاقبة على رفض التقيد بجداول زمنية لإقامة الدولة الفلسطينية أو حتى تحديد أي جدول زمني للانتهاء من التفاوض على مواصفات تلك الدولة المؤقتة وحدودها ، وندرك أيضا سبب ربط الاحتلال لأي تقدم في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بقدرتها على وقف المقاومة وإنهائها .. وكذلك رفض وضع أي حدود نهائية تعترف بها دولة الاحتلال للدولة الفلسطينية المؤقتة ورفض إدخال الأمم المتحدة في موضوع المراقبة وحفظ الحدود وإنهاء اعتداءات الاحتلال المتمثلة بالاحتلال والتوغل والاجتياح ..

وما يجب علينا أن ندركه هو أن الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها الأنظمة العربية والمجتمع الدولي، لا تتحرك في اتجاه حل للمشكلة الفلسطينية ولا تتحدث عن قيام دولة فلسطينية وهمية إلا لوأد مشروع التحرر الفلسطيني وإخماد الانتفاضة الفلسطينية وإحباط مسيرة الجهاد والمقاومة كلما اقتربت من أن تؤتي ثمارها وتسبب خسائر فادحة للاحتلال والدول التي تدعمه.