From :nourelyazid@yahoo.fr
Sent : Friday, March 24, 2006 1:55 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : Article
 

" تيفاريتي "، أو الأنفلوانزا القادمة من الجنوب
نورالدين اليزيد
 



كثر الحديث هذه الأيام عن أنفلوانزا الطيور التي يسببها فيروس ( إتش 5 إن 1 ) القاتل، فاستنفرت حكومات معظم دول العالم كل إمكانياتها حتى يمكنها صد أي اجتياح محتمل قد يقوم به "الخطر المحلق" ضد أراضيها، وفي خضم هذا الاستنفار العالمي لمواجهة الوباء المحدق بدول المعمور، وبينما يعكف المواطن المغربي على تتبع الأخبار عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بغية معرفة الخبر اليقين عما إذا كان الفيروس المميت قد تسلل إلى أراضيه، فإذا به يفاجأ بأخبار غير سارة، ليس مردها إلى أنفلوانزا الطيور، وإنما إلى فيروس البوليساريو الذي أوعز له أسياده، جينيرالات وضباط المخابرات الجزائرية بالقيام باحتفالات تأسيس دولته المزعومة في المنطقة العازلة التي فرضها اتفاق إطلاق النار الموقع في 6 شتنبر 1991، فلم يجد قادة الانفصاليين غير ترحيل المحتجزين بمخيمات تيندوف وإيوائهم بمخيمات أخرى فيما يدعيه الانفصاليون "مناطق محررة". وفي الوقت الذي كان فيه الموطن ينتظر ردا حاسما على خرق وقف إطلاق النار هذا، جاءت مراسلة وزارة الخارجية الخجولة ( والنعت للكلمات الثلاث) إلى الأمين العام للأمم المتحدة تذكره وكأن الأمين العام الأممي ليس عنده من يذكره التذكير الساذج هذا ببنود الاتفاق الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة، وتسهر على مراقبته، بالإضافة إلى مهام أخرى موكولة لها، بعثتها المسماة اختصارا "المينورسو" . فهل يعتبر هذا الموقف الخجول والمخجل في آن امتدادا لسياسات لم تحظ بإجماع وطني منذ بروز هذا الورم الخبيث في الجسد المغربي ؟ أم أنه اختراق الفيروس العصي على الاستئصال ؟ أم أنه الارتكان إلى"المسكنة" و"الدروشة " لنيل شهادة حسن السيرة من لدن القوى الكبرى ؟ أم أنه السباق المحموم من أجل التتويج بلقب "الحليف" في محاربة الإرهاب ، وما يتطلبه ذلك من انتظار الضوء الأخضر من الولايات المتحدة قبل أي تحرك مهما كان ولو تعلق الأمر بتهديد خارجي ؟!
بعد الصمت الرهيب للجهات الرسمية الذي قوبلت به زيارة رئيس الحكومة الأسبانية ثاباثيرو يوم الثلاثاء 31 يناير الماضي للمدينتين المحتلتين في شمال المغرب ، وهو الصمت الذي يكاد يكون ذاته الذي عبرت عنه مختلف الأجهزة الإعلامية إن رسمية أو غير رسمية إلا مناوشات بعض الأقلام ، التي نددت بهكذا زيارة لم يقم بها حتى وزراء أسبان كانوا يعلنون جهارا موقفهم العدائي لوحدة الوطن ! بعد هذا الموقف المغبون إذن للجهات المغربية الرسمية وغير الرسمية إزاء ما يحاك ضد وحدة هذا الوطن، يأتي الموقف الثاني في ظرف أقل من شهر، ولكن من الجنوب هذه المرة، والذي ترجمته واحدة من شطحات المخابرات الجزائرية وصنيعتها شرذمة المرتزقة، وهي الشطحات التي لا توازيها في سذاجتها، بل وغبائها، إلا هذه الشطحات التي ما فتئت الجهات الرسمية ببلادنا تطل علينا بها من حين لآخر؛ فأن تقدم عصابة البوليساريو على احتلال المناطق المنزوعة السلاح، على مرآى ومسمع قوات المينورسو وقبلها وهذا مفروض أمام الأعين الخفية والظاهرة لقواتنا المسلحة دونما أي تدخل للقوات الأولى ، أو دونما إصدار أوامر قيادية وتحريك آليات عسكرية ، ولم لا القيام بمناورات عسكرية لإرهاب العدو من طرف الثانية ، فهذا ما يجعل المرأ يتساءل عن ماهية السياسة المتبعة في الذود عن أراضينا ، بل إن موقفا مهادنا كهذا الذي كلفت وزارة الخارجية نفسها عناء صياغته في شكل رسالة ديبلوماسية " عصماء " ، وتوزيعها عبر وكالتها الرسمية بعد أن أرسلت نسخة منها إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة ، يدفعنا إلى مزيد من الاستغراب والقلق إزاء ما يفتعل بقضايانا المصيرية ؛ والمطلع على رسالة/ بلاغ وزارة الخارجية ، لا ريب أنه سيقف كثيرا عند بعض الجمل التي تستبطن وهنا بينا وقصر بصيرة لدى كتاب وزارة الخارجية ومستشاريها القانونيين ( بالمعنى الحقوقي ) وغير القانونيين ؛ فقول " من الواجب على هذه الأطراف الجزائر والبوليساريو طبعا الوفاء بالتزاماتها عبر الامتناع عن إبرام اتفاقات أو عقود متعلقة بالإقليم أي الصحراء والبرهنة على الإرادة السياسية الضرورية " يعني ، فيما يعنيه ، أن الطرف المغربي يخشى إقدام الطرف الآخر على إبرامه اتفاقات وعقود بشأن الإقليم ، والمقصود هنا بالضبط اتفاقات يقول العدو أنها تخص التنقيب عن النفط في الساحل الأطلسي والصحراء ، هو بصدد إبرامها مع شركات أجنبية . وبغض النظر عن نجاعة هذا التلويح واستحالة إقدام شركات على إبرام مثل هذه الصفقات اللهم إلا إذا كانت شركات وهمية، فالقول ب " الامتناع عن إبرام " هو في حد ذاته تسليم بمقدورية الطرف الآخر على القيام بهذا الإبرام، ولكن ل " البرهنة على الإرادة السياسية الضرورية "، ف"جهابذة " وزارة خارجيتنا يدعون فيما يشبه الاستجداء الأطراف الأخرى إلى" الامتناع " ، مما يؤكد على موقف هو أقرب إلى الضعف والمهادنة منه إلى التكتيك والمناورة الذي ينبغي أن يتسم به وزير خارجيتنا تماشيا وأساليب إدارة العلاقات الدولية . ومما يميط اللثام ويكشف بجلاء عن هذه الاعتباطية والارتجال لكتاب ديوان وزير خارجيتنا، هذا العزف خارج الجوقة وتحميل الكلام ما لم يحتمل، عندما يسترسلون فيما يتوهمونه توضيحا " المقصود به أي اتفاق وقف إطلاق النار الوقف التام لأعمال القتال في الإقليم لتيسير التوصل إلى تسوية سياسية نهائية لهذه المسألة "، قبل أن يتداركوا بأن المقصود كذلك من إقامة المنطقة العازلة كان " هو التخفيف من حدة التوتر "، مما يجعلنا نتساءل عن أي " قتال " يتحدث مستشارو وزارة الخارجية ؟ فما سمعنا طلقات رصاص ، ولكن فقط هو زحفٌٌُُُُ ٌ خطط له في مكاتب وزارة الدفاع الجزائرية ، وروجت له ديبلوماسية الأشقاء ووزعت 800 بطاقة دعوة لضيوف من أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ، لازالت ديبلوماسيتنا لم تستطع إقناعهم بزيف " الأطروحة " ، ولن تستطيع ، لعمري ، ما دامت تنهج أساليب بالية وبلاغات ذات كلام خشبي جاهزة من ذي قبل .
قد يقول قائل أن سياسات من قبيل هذه التي يدغدغ بها ساستنا أسماعنا، من حين لآخر، تفرضها أجندات استراتيجية سياسة عالمية خططت لها القوى العظمى في حربها على الإرهاب، وأقحمت فيها الإقليم بعدما تم انخراط البلدين الجزائر والمغرب فيها، وأبديا استعدادا تاما للتعاون، وما فتئ البلدان يتنافسان لنيل جائزة حسن السيرة من الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن اللجوء إلى أسلوب البلاغات في وقت يخرق فيه العدو بنود اتفاق دولي، ليس بسبب إطلاق نار، ولكن باحتلال أراضي يعتبرها " محررة "، ولغرض إقامة ما يسميه احتفالات الذكرى الثلاثين لتأسيس " جمهوريته "، في سابقة هي الأولى من نوعها، من شأنه أن يعطي الانطباع، ليس فقط للعدو، ولكن وهذا هو الأخطر، للمدعوين ال 800 شخص، بأن " تيفاريتي " هي فعلا أرض تابعة للكيان الانفصالي، وهي الأرض الذي انسحب منها الجيش المغربي غداة اتفاق وقف إطلاق النار وجعلها منطقة عازلة، وهو ما قد يصبح، في وقت لاحق، فرضا لأمر الواقع من قبل الخصوم والبقاء بالمنطقة وعدم العودة إلى ما قبل المنطقة العازلة، ويعتبر هذا الاحتمال واردا بالنظر إلى تصريحات قادة الانفصاليين المتكررة التي تنم عن عدم رضاهم على الطريقة التي يدير بها المنتظم الدولي " القضية "، والتي لا تخفي أيضا رغبتهم الجامحة في احتلال أي موقع قد يجدون إليه سبيلا، وهذا ما تأتى لهم على الأرض عندما آمن مسئولونا، لحد التطرف، بشيء اسمه " وقف إطلاق النار "، فجعلوا " الجدار الأمني " هو أبعد مدى لأهداف مخططاتهم، وهو الحصن الحصين الذي لا تنال منه مناوشات العدو، غافلين أو متغافلين العقيدة العسكرية التي يؤمن بها كل عسكري، والتي تعتبر كل شبر من أي أرض متنازع بشأنها مكسبا مهما وورقة ضغط على طاولة المفاوضات الديبلوماسية؛ وبعدما كنا نتفاوض من موقع القوي، سنصبح الذي يستجدي الأمم المتحدة لإرغام الطرف الآخر على احترام الاتفاق الموقع، وأنى لك ذلك مع عصابة عودتنا على الكر والفر واحتلال المواقع !؟
لقد أكد مسئولونا مرة أخرى، فيما لا يدع مجالا للتشكيك، مدى استخفافهم بقضايانا المصيرية الذي ( الاستخفاف ) لا يوازيه إلا هذا الاستخفاف بالرأي العام الوطني وممثليه إن كان هناك حقا ممثلون -؛ فقضية من طينة زيارة رئيس وزراء أسباني لسبتة ومليلية ، وما يجري ب " تيفاريتي " إذا لم تستدع موقفا حازما على شكل مناورات عسكرية لقواتنا المسلحة ، أو التئاما طارئا ل " ممثلي الأمة " تحت قبة البرلمان لتدارس خطورة الوضع ، فمتى عسانا أن نستنفر هممنا ونهب لدرء أي خطر محدق بأرضنا ؟ هل عندما تمتد حدود مليلية لتشمل جبال الريف أم عندما تزحف رمال " تيفاريتي " لتردم الجدار الأمني ؟!
لا شك أن أي متطلع للجواب على مثل هذا الاستفهام، لن يشفي غليله موقف الوزير الأول وهو يزدرد رفقة بعض من وزرائه وأمام عدسات الكاميرات، على طبق دجاج محمر، في صورة المواطن البسيط الذي يأكل مما نأكل ولكن لا يخشى ما نخشاه من شتى أنواع " الأنفلوانزا " التي تكالبت علينا هذه الأيام؛ وإنها لصورة كاريكاتورية حقا طريقة الحكومة في إقناع شعبها بأن لا خطر داهما قادما إلينا، وهي الصورة الساخرة نفسها التي تكررت في نفس النشرة المسائية للتلفزة المغربية مساء الأربعاء 22 فبراير الماضي، عندما أقدمت على تقديم صور " وقفة احتجاجية " نظمتها جمعية للمهاجرين والعهدة على التلفزة المغربية التي كتبت على الصور، على غرار القنوات المحترمة، عبارة ( خاص بها ) والذين كان عددهم يقترب، بالكاد، من العشرين شخصا، للتنديد أمام مقر الاتحاد الأوروبي بالعاصمة البلجيكية، بما يقع في صحرائنا ! وإنه لتحجيم لدور هذه الجالية المغربية بالخارج التي تناضل من أجل الوحدة الترابية للوطن دونما حاجة لكاميرا تصورهم، وأما هؤلاء الذين كان المكان يرد صداهم نظرا لقلتهم، فما نخالهم غير أشخاص جيء بهم إلى مقر الاتحاد الأوروبي لتمثيل أدوار مسرحية سخيفة ألفتها " عبقرية " وزارة الخارجية، لتوهيمنا بأن أجهزتها بالخارج تقوم بمهمتها كما يجب من جهة، ومن جهة أخرى للكذب على الرأي العام الوطني بأنها تنهج كذلك ديبلوماسية شعبية موازية! ولكن سياسة التضبيع وورقة التوت هاته التي لطالما توارى خلفها القائمون على تدبير القضية الوطنية الأولى، ستندثر أمام فيروس قاتل اسمه البوليساريو، الذي لن ينفع معه إلا مبيد فتاك يكون بحجم خطره الداهم ! ولا يمكن القعود لانتظاره كما هو واقع مع أنفلوانزا الطيور التي مهما كان، فكل العالم يتوجس منها خيفة، والمسألة إذا عمت هانت، وإن غدا لناظره قريب.