From : seysaban@yahoo.co.uk
Sent : Friday, March 24, 2006 10:42 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : مقال - هايد بارك
 

حكومة الإنقاذ والحسابات الخطأ
عبدالماجد موسى
سودانى مقيم فى بريطانيا
 



حكومة الإنقاذ كما عهدناها تجيد لعبة الكر والفر دون منازع وبهذه اللعبة أيضاً تـُلقى بنفسها فى هاوية سحيقة من الأخطاء التأريخية والسياسية التى لها أثر سىء ليس على الحاضر بالطبع بل على المستقبل المبتور إذا كان هناك مستقبل أصلا لهذا الوطن المكلوم ، وبنفس القدر تشاركها الحركات المسلحة وغير المسلحة فى هذا الوزر والإثم الذى سيدفع ثمنه أجيال كثيرة قادمة .
فالحكومة عندما تمارس سياسة فرق تسد فإنها تـُرضى طرفاً على حساب أطراف ٍ أخرى كثيرة ومعقدة ، فعندما تعقد إتفاقية سلام شامل كما فعلت مع الحركة الشعبية لتحرير السودان فقط تحت ضغوط دولية تصطدم بطرف ٍ آخر فى مرحلة ٍ أخرى عندما يُطالب الطرف الجديد بنفس مطالب الطرف الأول الذى نال شيئاً من السلطة والثروة المزعومتين ( أو أكثر منها قليلاً ) بعد عراك دموي إستمر مايقرب من ربع قرن ، فالطرف الجديد أيضاً عندما يحمل السلاح ويذيق الحكومة كأساً إثر أخرى فى بضع سنين ويجبرها على الجلوس معه حول طاولة المفاوضات الممضة واللعينة تجد الحكومة نفسها محاطة بطوق الطرف الأول مذيلاً بشهادة الأطراف الدولية فتصبح فى مأزق ومعضلة سياسية وخطأ تأريخى لا يُغتفر ، فلا الحكومة بكبريائها وغطرستها وثقتها الزائدة بنفسها وإزدراءها للمجتمع الدولى تقبل بهذه الشروط ولا الشريك المزعـوم يتنازل قيد أُنملة عن هذه المكاسب التى كسبها بعد كل تلك السنوات الدموية الطويلة ، ولا الطرف الجديد على إستعداد لتقليص ضغوطه و تطلعاته للقفز على مقاعد السلطة ووضع يده كما فعل الآخرون على بقية مما ترك آل الإنقاذ وآل الحركة الشعبية من الثروة التى يبدو لى أنها تنساق لمن يطلق النار على الحكومة ويجعل الوطن ينزف ويترنح حتى الموت .

فحكومة الإنقاذ تجلس على بركان غذته بيديها ورجليها ومؤخرتها أيضاً ، فقد كانت تظن أنها أكثر ثعلبة ً من الثعالب الحقيقية ، وما بارود الشرق إلا مسألة وقت حتى يأتى على اليابس والأكثر يباساً ومسغبة فى المنطقة وقد بدأت شرارة ٌ أخرى تسمى ( المناصير ) فى الشمال عدم رضاها بما تقوم به الحكومة من هضم حقوقها وحقوق أجدادها بسبب خزان الحماداب .
إذاً كيف تنظر الحكومة إلى كل هؤلاء الذين قارعـوها ويقارعـونها الحجة سياسياً تارة ً وعسكرياً تارة ً أخرى ،أولاً أعتقد أن نظرتها للحركة الشعبية هى أنهم مجرد متمردون سابقون وسفاكو دماء متوحشون وهم أعداء الأمس وإن لبسوا مسوح الأصدقاء والشركاء ويبادلهم الجيش الشعبى نظرة الإرتياب هذه بأسوأ منها ويضيف عليها أن حكومة الإنقاذ متعطشة للدماء وأنهم عبارة عن ثعالب وضباع لا يـُؤمَـنُ شرها المستطير وهى تنتظر اللحظة المناسبة للغدر والتنكيل بهم وبأهلهم بل ومحوهم من الوجود متى ما سنحت الفرصة لذلك ، ولا يزال موت جون قرنق يكتنفه الغموض ويحيط به الشك برغم عدم ثبوت أو إدانة أحد فى هذا الحادث الأليم ، وترى الحركة الشعبية أيضاً أن الحكومة يجثم على صدرها وقلبها وبين فخذيها إنتهازيون جشعون لا يهمهم غير المال الفاحش وكراسى السلطة الوثيرة رغم كل هذه التهديدات الخطرة التى تحيط بالبلاد والعباد والزرع والضرع .

أما الترابي المنظـِّّر الأول للإنقاذ والعمود الفقرى فى قيامها وتثبيتها على السلطة وما يتمتع به من ذكاء فى اللعب على الحبال والكراسى والسلالم ، تخشاه الإنقاذ وترتعد فرائصها فرقاً وتعمل له ألف حساب عندما يتحدث فى أي منبر إعلامى أو أمام أي تجمع ٍ كان صغيراً أو كبيرا ، لأنها أعلم بما يضمره لها من كره وحقد حقيقيين وهو صاحب الفضل فى بعثها وتمكينها فى السلطة بالأمس ، وهو عدو اليوم ولكنها بما تعلمت منه من خبث ومناورة تعتقد أنها تستطيع عقد إتفاقية معه بشكل أو بآخر فى المستقبل القريب لتجنب نفسها لعناته ووخزه وأسلحته المشرعة من خلفها وعن يمينها وشمائلها ، إن مد الله فى أجلها .
وأما الترابى الشيخ فيرى فى تلامذة الأمس غدراً لا يغتفر ولكنه لا زال يبتسم لهم وللجميع بتلك الإبتسامة الثعبانية المتحفزة للإنقضاض على الفرائس فى يوم النحر القادم ، فهو لم ولن ينسى ما ألحقوه به من إهانات لم تكن فى حسبانه البته وإلا لكانت الصورة مختلفة تماماً على المسرح السياسى الآن ، وهذا يدل على مدى الغرور والثقة التى كان يعيشها الشيخ .

أما التجمع أو ما تبقى منه من أحزاب تقليدية متورمة سرطانياً ومضمحلة نظرياً يوماً بعد يوم تستطيع الإنقاذ المراهنة عليها وكسب الرهان أيضاً لولا بروز متمردون ونازيون جدد عكسوا أصول اللعبة وقواعدها الخفية .
فالإنقاذ ترى فى الأحزاب التقليدية مجموعة من المتسولين لا يهمهم شىء سوى إمتلاء بطونهم والذهاب مبكراً إلى النوم والخروج فى اليوم التالى بحصة ٍ أكبر من حصة الأمس مع إضافة بعض المحليات والفواكه المستوردة للمائدة ، وإسترداد ذلك الماضى التليد الذى كان لها من تقبيل الأيدى والأرجل إلى طأطأة الرؤوس فى حضرتهم وكله بإسم التاريخ الذى إنقضى ولا زال يفقس بيضاً منتنا .
وفيما يختص بالحركات التى تحمل السلاح فى دارفور وما حولها إنها ترى فى الحكومة رمزاً للطغيان وقرداً ماهراً فى التسلق من فرع ٍ إلى آخر دون الوقوع فى الهاوية التى تحته لبراعته وخبثه وتشبثه بأى شىء للنجاة من كل مزلق ، فهى لا تثق فيه وبه مطلقاً ولولا الضغوط الدولية لما جلسوا مع صغار مفاوضيها ليتبادلوا هذه النظرات الإستحقارية والمشمئزة .

أما نظرة الحكومة إلى هذه الحركات الجديدة هي أنها عبارة عن عصابات للنهب والسلب المسلح إستغلت الظروف التى تمر بها البلاد وعاثت فساداً وتدميراً فيها , وهى لا تملك أى برنامجاً سياسياً ، والتخبط والعشوائية بادية فى ملامحها المرتجفة ونظراتها المنكرة وأنها تتبدل بين الفينة والأخرى وأن دول الإستكبار الدولى تحركها بأجندة خاصة وما هى إلا لعبة فى أيديهم وهنا تكمن خطورتها فمن خلفها قوة لا قـِبَلَ للإنقاذ بها وهى العين الحمراء الدولية .
وإذا عرجنا لجبهات الشرق بنمورها المتوترة وأسودها المتحفزة ومؤتمرها البجاوي فإن نظرة الحكومة لها لا تعدو عن أنها عبارة عن متشردين تحركهم دولة مجاورة ، وأن الوقت ليس ملائماً الآن للدخول معها فى مناقشات جدية فيكفى الإيماء لهم والإنصات المصطنع ثم تركهم لعدة سنوات أخرى يعيشون بعدها على الآمال المنتظرة ريثما تتفرغ هي لزرع الفتنة بينهم لتحاور أضعفهم قوة لتجعله أقواهم ضعفاً ومركزا ( وهذا خطأ آخر ) .

وأما جبهات الشرق كغيرها فى الغرب لا تثق فى الحكومة إطلاقاً وإن كانت أهدافها ومطالبها أقل إيلاماً للحكومة من الغرب أو الجنوب الذى أوجعها حتماً وبالرغم من ذلك لم تنفذ من تلك المعاهدات إلا القليل .
وإذا حدث وجاءت القوات الدولية وأمسكت بزمام الأمر فى دارفور أو مناطق أخرى بدعوى الحماية أو أي زعم ٍ آخر فإن الأمر سيكون وبالاً على الجميع وسيشهد الوطن تمزيقاً وتمزقاً وإصطراعاً قد يؤدى به إلى عدة دويلات وهو قابل لذلك نسبة لهذا الإتساع الذى يتمتع به فى القارة دون سائر الدول أو الدويلات فى المنطقة .