برقية عاجلة إلى الأخ هاني الحسن:من ينقذ "فتح" من "فتح"؟؟!!!!
موجهة من:سري سمور-جنين/فلسطين التي ما زالت محتلة


بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ هاني الحسن (أبو طارق)
عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومسئول التعبئة والتنظيم في الضفة الغربية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،،
ما شجعني على كتابة هذا الخطاب لحضرتك هو ما تناقلته وسائل الإعلام من تصريحات منسوبة إليكم تحذرون فيها من مساع أمريكية للسيطرة على حركة فتح عبر تقديم الأموال إلى قيادات من فتح (فتح عليت كما ورد) ؛ولن أصدق النفي الذي صدر من حركة فتح وحتى لو خرجت في مؤتمر صحفي أو تحدثت معي مباشرة نافيا ذلك فأنا أعتبرك قلت هذا الكلام،وحتى لو كنت على قناعة بأنك لم تصرح بذلك ،فسأفترض العكس!
لست من المحسوبين على حضرتك ولا من المؤيدين لحركة فتح ،بيد أني و كما كتبت في رسالة منشورة وجهتها لعموم الفتحاويين قبل عام تقريبا أعتقد أن ما يجري في فتح يؤثر على مجريات الأمور الفلسطينية ،وأنا فرد من هذا الشعب.
قبل مدة عرض فيلم وثائقي تظهر فيه يا أخ هاني مع أمنون شاحاك في أوضاع لم ترحني مثل تناول الطعام وغير ذلك،وحين رأيت بيت عائلتكم في مدينة حيفا وسمعت ما جرى لك من الغاصبين حينما كنت طفلا غضا تملكتني مشاعر عديدة وسيطرت علي انفعالات عاطفية أظنك تدركها،لقد غادرت بيتك لتعود إليه وأنت تدرك وكل شعبنا يدرك أنه بيتك فيما العالم الظالم لا يعترف أنه بيتك!أنا شخصيا رأيت أطلال قريتي(أم الشوف) التي حوت بيت أبي وجدي الواقعة قضاء مدينتك حينما كنت في المرحلة الإعدادية،وحسب المفهوم الاجتماعي السائد لو لم نتشرد فأنت المدني وأنا الفلاح في منطقة حيفا،ولكنني أنا وأنت الآن لا يجمعنا قضاء أو لواء حيفا بقدر ما يجمعنا "كرت المؤن" الذي يدمغني وإياك وملايين من أبناء شعبنا بصفة عمرها يقارب الستين سنة...اللجوء،أتحدث عن هذا الأمر بعد أن انشغلنا عنه بما لا يفيد قضية ولا يقود إلى تحرير ولا يزيد نكباتنا إلا نكبات جديدة مؤلمة وكلما أصابتنا نكبة ألهتنا عن التي قبلها،أتحدث عن حيفا وقراها لأنني سمعت مواطنين عاديين يتساءلون:أين الحديث عن القدس وعن الجدار وعن اللاجئين وعن الآلاف الذين يفني المحتل أعمارهم في سجونه ومعتقلاته؟لماذا بات حديثنا عن مشاكل فتح مع حماس وباتت قضية القضايا هي الرواتب؟أجبت وكلي حيرة وألم:الجائع يفكر في الطعام والعطشان يتوق إلى الماء والعريان يحتاج للكساء و... أتلعثم وأنا أرى أن عدونا قد أوصلنا على حيث يريد واستطاع أن يحدد معالم تفكيرنا ورغباتنا؛فمن كان على رأس السلم لن يحلم إلا بالصعود إلى أول درجاته إذا ما أوصلته إلى الحضيض!لنعترف أنهم قادونا أو سحبوا مزاجنا العام إلى حيث أرادوا،كان الطرح السياسي لقيادة منظمة التحرير قائما على تبادل الاعتراف والانسحاب من جزء من الأرض،فبات اليوم دفع رواتب الموظفين هو غاية المنى ،فانظر يا أخي أين وصلنا؟!!
لم أتردد في انتقاد حركة فتح وقياداتها و السلطة ومؤسساتها يوما،ولكنني وبعد الانتخابات التشريعية مباشرة قلت(شفويا) وأنا أتمنى الصلاح للجميع من كسب ومن خسر:إذا أصلحت حركة فتح نفسها فأنا أول من يؤيدها ويقف معها بما يستطيع،من أنا؟مواطن من هذا الوطن لا أكثر ولا أقل،فرد من شعبنا الذي تتوالى المحن على أرضه ووجوده وكينونته ،وتنسج المؤامرات في عواصم الغرب والشرق لجعله نسيا منسيا وسطورا في كتب التاريخ الذي زوروه؛نعم، شعرت أن حركة فتح قد تستفيد من خسارتها وتعيد ترتيب أولوياتها بما ينفعها وينفع الشعب والقضية معها،فأصابني اليأس ونلت خيبة الأمل حين رأيت أن الأمور تتجه من سيء إلى أسوأ،وعلى الطرف الآخر لو أعطيت الحكومة المهلة التقليدية أي المائة يوم ومنحت ولو حتى جزءا مما منحت سابقاتها لكنت أنا أول من ينتقد أي خطأ كبر أو صغر يصدر عنها،لكن الحكومة لم تعط أي مهلة حتى قبل تشكيلها،ويقول لي أحد أبناء فتح معاتبا:عليك أن تنتقد الجميع ولا تقصر كتاباتك على تبيان أخطاء طرف دون الآخر...كيف ذلك؟والطرف المقصود لم يسمح له بالتقاط أنفاسه وخوض الاختبار كي أحكم عليه؟!
بعيد الانتخابات كثر الحديث عن حركة إصلاحية داخل فتح،ستعاقب المسيء وتكافئ المحسن وستضبط الأمور،ولم تمض أيام قليلة حتى ظهرت الأمور على الصورة التي تمنيت ألا أراها،فنفس الأساليب ونفس الأدوات والأشخاص ،وحصر الاهتمام بما لا يسمن ولا يغني من الجوع على مستوى الحركة والوطن،وكأن الخطأ هو الصواب والصواب هو الخطأ،والعقلاء والمخلصون إما في إجازة أو همشوا وغيبوا.
من الإيجابي أن يكون لأي حركة متحدث أو متحدثون،ولقد تأخرت فتح في تعيين المتحدثين باسمها ،لا بأس فأن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي،ولكن يا أخ هاني لو راجعنا وبتجرد تصريحات المتحدثين لوجدنا أن معظمها يستهدف الحكومة وحركة حماس،وكأن مهمة المتحدثين هي التعريض بحماس ومهاجمة الحكومة،وكأن هدف تعيينهم ينحصر في هذه المهمة لاغير،فهل هذا يرضي الضمير؟وهل هذا يريح أي مراقب مثل العبد الفقير؟
أخي أبو طارق:قبل دقائق من شروعي في كتابة هذا الخطاب لك كنت أقرأ مقالا للأستاذ رشاد أبو شاور رئيس اللجنة التحضيرية للتجمع الذي أتشرف بعضويته ،ولعلك قرأته،فالأستاذ رشاد ينفي وجود قيادة واحدة لحركة فتح تتخذ القرار وترسم السياسات،هذا رأي،ربما،ولكن ما الشواهد والبراهين على خطئه؟ألست معي أنها قليلة مقارنة مع ما يثبته ويؤكده؟وجدير بالذكر أن الأخ رشاد يؤكد أنك تحدثت عن المساع الأمريكية المالية للسيطرة على فتح في مقال آخر جديد بعنوان "غزة لن تكون مقاديشو.." ويمر في المقال المذكور وبسرعة الاختصار المفيد على سيرتك الذاتية وإخوانك (خالد وعلي وبلال) وجاء في نهاية المقال:" من تضّخ لهم الأموال ، في حين يجوّع شعبنا ، أسرانا ، مقاتلونا ، أمهات شهدائنا ، هم الخطر على فتح ، الذين حذّر منهم هاني الحسن ، وعلى وحدة شعبنا الوطنيّة ...من داخل فتح يبدأ العلاج ، لاستعادة الحركة ، وقرارها ، ودورها الوطني الريادي ، وحرصها على الدم الفلسطيني ، والقضيّة ، والقرار المستقّل عن السيّد الأمريكي الذي يدفع بنا إلى الانتحار في شوارع غزّة ".
ولقد سمعت من أحد الإخوة الفتحاويين المثقفين الذي أرتاح للحديث معه أن "أبا طارق" غير راض بتاتا عما يدور،فتشجعت وازددت حماسة بعد التصريحات التي نسبت لكم ونفيت من مصادركم لتوجيه هذا الخطاب لكم ونشره.
أخي هاني:إن فتح تحتاج إلى ما ينقذها من فتح،فزورة؟لا طبعا، فالموقف لا يحتمل لا فوازير ولا خزعبلات أو طلاسم؛إن هناك أمورا ترتكب باسم فتح لا ترضي الله ولا تفيد شعبنا ولا تخدم أمتنا،ورغم أنني –كما أسلفت- لست من فتح إلا أن في فتح من ناضل واستشهد وحمل هم القضية والشعب على كاهله متحملا كل صنوف العذاب والقهر،لن أقول أنني أنحني لهؤلاء لأنه لا انحناء إلا لله وحده،بل أقول بأنني اشعر أنني حصاة صغيرة قرب بناء شامخ قوي متين حينما أرى هؤلاء أو أقرأ سيرتهم أو أسمعها ممن عايشوهم وعرفوهم،لكن هناك من يسعى لتقويض هذا البناء من داخله وقد نجحوا في إحداث ثغرات كبيرة فيه تمهيدا لهدمه وتحويله إلى ركام قبيح المنظر؛هل ضحى هؤلاء الفتحاويون الشرفاء الأبطال لتكون الحركة التي حملوها وناضلوا تحت لوائها بهذه الصورة التي نراها؟هل كان مبلغ أمنياتهم أن ترفع أسماؤهم وتتلى على أرواح الشهداء منهم قصائد الثناء والمديح فيما الأفعال تشتمهم وتجعل تضحياتهم هباء منثورا؟والأخطر من ذلك أن ترتكب باسمهم فظاعات،نعم فظاعات فلا مجال للمجاملات واللباقة الآن،وكي يغامر المغامرون ويقامر المقامرون بدعوى أنهم تحت ذات اللواء وفي نفس الإطار التنظيمي؟لا والله ما لهذا حمل مناضل بندقية وترك أمه ثكلى و زوجته أرملة و أطفاله يتامى أو أفنى شبابه في الزنازين تحت سياط الجلادين وقنابل الغاز والهروات اللئيمة التي نالت من عظامه،فبأي وجه يمكن أن يقابل من انحرف عن الدرب تلك القامات العظيمة في تضحيتها وإخلاصها،وكيف لمن تاجر وقامر أن يتحلى بانعدام ماء الوجه ليمضي في سبيله غير المستقيم وهو يتفاخر بما قدمه غيره ويعتبر أنهم منحوه شرعية لما يرتكبه من خطايا أو يتفوه به من أكاذيب وشعارات خادعة؟علما أن كل سمسار ومنحرف يدرك في قرارة نفسه أنه كمن يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر له بذاك؟!
يا أخ هاني،هدانا الله وإياك لقول الحق واتباعه،وقد علمنا أن عليا ابن أبي طالب ،كرم الله وجهه،قد وضع منهاجا لمعرفة الحق:"اعرف الحق تعرف أهله" ،فهل الحق بالدخول في دهاليز مظلمة لطالما تمنى الأعداء وخططوا كي يدخلوا شعبنا إليها فردا بعد فرد وفصيلا بعد فصيل؟
الأيدي على القلوب متمنية نجاح مؤتمر الحوار الوطني،والألم ينتاب النفوس مما حدث من أحداث مؤسفة أظهرتنا كشعب محتل ولكنه يتناحر ويتقاتل،فانهالت علينا شتائم الناعقين المشككين بشعبنا والذين ما فتئوا يتهموننا ببيع وطننا وقد جاءتهم الفرصة بعدما أذهبت روائح دماء شهدائنا الزكية ريحهم الكريهة مدة طويلة،وفي أوج الحوار تسرب لنا وسائل الإعلام أن قياديا في فتح ووزيرا سابقا يتحدث عن احتمالات المواجهة وتساويها باحتمالات المصالحة ويضرب تحت الحزام ونحن في أمس الحاجة أن يدير الواحد منا خده الأيمن إذا ما لطم على الأيسر من أخ له أو شريك في مأساة شعبنا.
لقد تحدث الكثيرون وكتبوا عن الانتخابات ونتائجها وأسبابها ،لقد كان ما كان ولكن فيها درسا كبيرا،فليس مسموحا من الشعب أن يأتي من ليس أهلا بكل المقاييس الوطنية والأخلاقية والاجتماعية ليطلب من الشعب انتخابه بحجة تراث من أتيت على ذكرهم من مناضلين مع حفظ الأسماء والألقاب،فهل وعت فتح هذا الدرس؟أم ما زال في فتح من يعتقد أن قدر الشعب هو الفاسد المفسد باسم تراث فتح النضالي؟!
لقد شكلت الحكومة الفلسطينية وكنت أتمنى أن تكون حكومة وحدة وطنية تجمع شتاتنا بما يمكن أن نجمعه بعد أن شتتنا "شلومو" وفرق بحواجزه وحدوده الأخ عن أخيه وأهله وقطع أوصال أرضنا بوحوش مستوطناته وغيلان آلته الحربية الضخمة..كان ما كان وشكلت الحكومة وهي حكومة تستند إلى أغلبية منتخبة ديموقراطيا،حبذا لو توجهت فتح إلى داخلها بدل الانشغال بخارجها،لقد أعجبني كلام "تيسير نصر الله" كما نقلته بعض المواقع الإلكترونية من أن فشل حماس لا يعني نجاح فتح،وهناك كلام مشابه لعيسى قراقع مؤخرا،يا أخ هاني ما تراه العين ويستشفه العقل ولو كان عقل شبل فلسطيني أن حركة فتح انشغلت بمحاربة حماس،وسأذهب إلى آخر المطاف ،لو فرضنا أن الحكومة التي ترأسها حماس فشلت فهل يعني هذا أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه؟ولو فرضنا أن الأمور عادت إلى ما كانت عليه مع إيماني بأن ساعة الزمان لا ترجع عقاربها إلى الوراء،فهل يعني فشل الحكومة فشل حماس كحركة؟حماس تستطيع العمل كما كانت قبل الانتخابات التشريعية،لكن فتح وبسبب جعل السلطة همها الأكبر قد تقع في إشكالية كبرى:عدم القدرة على القيام بشئون السلطة وعدم القدرة على العودة للعمل التنظيمي الحقيقي،ففشل حماس كحكومة لا يعني فشلها كحركة ،وهذا لا ينطبق على فتح التي أفرطت في دمج السلطة بالحركة بحيث ذابت الثانية في الأولى أو بات يصعب التمييز بينهما.
أمريكا على الخط وهي تريد من فتح عبر أطراف فيها أن يكونوا حصان طروادة ،فهل يقبل شرفاء فتح ذلك،ولماذا؟وحتى بمقياس الربح والخسارة وبعيدا عن الميزان الأخلاقي والقيمي –رغم أنه يفترض أن يكون الأساس- فهل ستربح فتح من هكذا انسياق وراء من لا يريدون لها ولا لغيرها من شعبنا بمختلف قواه وفصائله إلا الشر المبين؟
هل باتت مناكفة الحكومة والترصد لحماس هي القاسم المشترك الأكبر داخل حركة فتح؟لقد اختلفت فتح مع نفسها حول المقاومة في السنوات الماضية؛فهناك من يرفضها ويعتبرها وبالا لا يجر إلا الخراب والثبور،وهناك من أرادها في الأراضي المحتلة عام 1967م
وهناك من أرادها في قلب تل أبيب وحيفا والقدس،والخلاف على المقاومة وحيثياتها داخل حركة فتح كان وما زال متوازيا مع الخلاف حول الحلول المقترحة غربيا وعربيا وإسرائيليا؛لكن ومع بالغ الأسف كان الخلاف مع حماس والحكومة هو الموحد للجميع الفتحاوي،على الأقل هذا ما نستنتجه مما نراه ونسمعه،وهذا لا يفيد فتح ولا حماس،بل أزعم انه يضر فتح ولا يضير حماس!
الحديث الممل عن الشرعية الدولية يزعج أذني وأذن كل مواطن فلسطيني أتخمته التجارب القاسية،لأن المواطن لا يعرف بالضبط حدود هذا المصطلح الفضفاض المطاط،ويا أخ هاني:أليست الشرعية الدولية التي نسعى لنلزم بعضنا بها هي ذاتها التي حولتني وإياك إلى لاجئين حتى إشعار آخر؟أليست هي التي سمحت لبني صهيون بامتلاك الرؤوس النووية وتجرم وتشنع علينا رمي حجر على دبابات أمريكا التي يقودها "شلومو" في شوارع جنين ونابلس ورام الله؟وبمفهوم الشرعية المزعومة ذاته، فإن رصاصات الفاتح من كانون ثاني 1965م هي ضد تلك الشرعية المزعومة أيضا،وأظنك لم ولن تنس،ولو اتفقنا على ما يمكننا الحصول عليه وبالحد الأدنى من تلك الشرعية "اللاشرعية" فما مدى قبول الآخر بما قبلناه؟رضينا بالهم والهم ما رضي بنا!لا أؤمن بما يقال عن ضرورة القبول بإملاءات الشرعية المبنية أساسا على سايكس-بيكو وتصريح بلفور حتى نحرج أولمرت أمام العالم،أي عالم نتحدث عنه؟وقد جربنا سياسة الإحراج الرومانسية مع شارون وباراك ونتنياهو فما كان لنا إلا السراب والألم والقتل الممنهج والمؤامرة تلو الأخرى،فهذا يا أخ هاني عالم لا يقيم لك وزنا إلا إذا كنت قويا أو غنيا،وأرى قوتنا وغنانا في ممانعتنا وحصانتنا ضد ما يحاك من مؤامرات وخطط لا تهدف إلا إلى جعلنا هنودا حمرا آخرين!وكي لا تتسرع وتتهمني بالبعد عما يسمى بالواقعية السياسية والعقلانية والمرونة وغيرها من قائمة المصطلحات التي لا توجد ولا تفرض إلا على الضحية المظلومة،فأنا في قمة العقلانية والواقعية وبما أن (1+1=2)،فما المطروح علينا وما الذي سنجنيه من واقعيتنا وعقلانيتنا ومرونتنا و"لا" همجيتنا؟ نريد إجابة واضحة وبما أنني لا أريد أن أخرج من دائرة العقلانية والبراغماتية أضع الإجابة لمن يسأل مع بالغ العقلانية والمرونة والصراحة:ما كان لأي عاصمة عربية أن تجرؤ على فتح أبوابها "لشلومو" بهذا الشكل السافر لولا عقلانيتنا وأخطائنا الحسابية القاصمة بل القاتلة ،ربما كانت هناك حالات زواج عرفي وعلاقات غير مشروعة بين "أبناء العم" ،لكنها الآن علاقات مسجلة وموثقة وتزداد متانة وعلى المكشوف ،وهي كعلاقات الشواذ في الدول الأوروبية التي تقرها برلماناتهم وقوانين دولهم وتحميها وتدافع عن أصحابها،مع بالغ الحرقة والألم فنحن كنا البرلمان الذي شرّع وبارك تلك العلاقات بإسقاطنا حالة الممانعة التي كانت سلاحا استهترنا بأثره وما زلنا!
مما لا يجوز أن تقبله لا أنت ولا أي معتز بتراث فتح النضالي أن تبدو فتح كجهة تزين أو تسعى لدفع حماس أو أي فصيل فلسطيني للاعتراف بإسرائيل ،فهذه مهمة لا تليق بمن يعتز بالشهداء والأسرى والمناضلين ،فما بال بعض أو كثير (أترك تحديد حجمهم لك) ممن ينتسبون لفتح لا هم لهم إلا الضغط على حماس كي تعترف بإسرائيل،ولو كان الأمر مقتصرا على ذلك لقلت و"أنا العقلاني" الناصح :"يا جماعة اعترفوا وخلصونا" ،الاعتراف مقابل 120 مليون دولار إنها مكافأة مجزية مقابل كلمات قليلة!في حديث لي مع الأخ الفتحاوي المثقف والذي يتحرق ويدعو الله أن تستمر حماس برفضها وممانعتها الدكتور سلمان محمد سلمان أستاذ الفيزياء في جامعة النجاح الوطنية ،قلت له:أخشى أن يأتي وقت يقولون لنا اعترفوا بشرعية الجدار الذي حتى محكمة العدل الدولية لم تقر له بشرعية ولا قانونية مقابل رواتب الموظفين،فأجابني موافقا:"شايف انت" ،يا أخ هاني إن المطلوب هو إسقاط حق العودة ،فما دامت فتح تقبل "بحل عادل" لقضية اللاجئين ولم تنبذ وثيقة جنيف فقد بقي للكيان العبري أن يجبر القوة الرئيسية الثانية على ذلك،ونعود للعبة السياسة والتكتيك:لماذا لا تستغل فتح موقف حماس لصالح القضية ،وتقول بأنها تؤمن بوجود اجتهادات مختلفة على الساحة وهي ليست مستعدة للضغط على صاحب اجتهاد كي يغير اجتهاده؟لماذا تضع فتح البيض كله في سلة واحدة؟ولماذا تسمح لنفسها بالظهور كعرّاب للاعتراف والتطبيع؟خاصة أن البديل المطروح -ولو لم يتحدثوا عنه في وسائل الإعلام- هو حكم رجال الأعمال الاحتكاريين الحيتان أو القطط السمان بالتحالف مع بعض القيادات الفتحاوية التي رهنت نفسها للمشروع الأمريكي،وهم سيبيعون كل شيء إذا أسلمنا رقابنا لهم ،فالخطر يتهدد فتح أكثر من حماس لأن البعد الأيديولوجي لحماس يقيها من قوة المؤامرة،فيما سيختطف قادة فتح المتحالفين مع رجال الأعمال قرار الحركة فتصبح اسما بلا جسم!
ما يمكن أن يرد به على كلامي أن وثيقة الأسرى تنص على التمسك بحق العودة ،فلماذا ترفضها حماس؟وأنا سأستغل الفرصة وأدعو حركة حماس إلى الموافقة على الوثيقة مع إبداء ما تريد من تحفظات عليها،وأن تكون "أشطر" من شارون الذي أعلن أنه وافق على خريطة الطريق مع تحفظه على أربعة عشر بندا فيها!وبهذا لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم،وبخصوص الاستفتاء المقترح لا بأس من التوافق على صيغة أو رزمة متكاملة وليس فقط الإجابة بنعم أو لا على ما جاء في الوثيقة،ثم إن إسرائيل لن توافق على الوثيقة ولو حتى وافقنا عليها جميعا من أكبر شيخ حتى أصغر طفل دون تحفظات،فعلام نختلف؟!
منذ الانتداب البريطاني وحتى اللحظة لم تحظ قضية في العالم باقتراحات وأفكار "إبداعية" للحل مثل قضيتنا أو مأساتنا، أفكار من ساسة ومن دول ومنظمات وأحزاب،مقترحات تولد مقترحات وأفكار تتمخض عن أفكار وتصريحات ووثائق ،واللجوء هو اللجوء والاحتلال هو الاحتلال ،رغم ما يمكن أن يطبع في مجلدات من مقترحات حلول رسمية وغير رسمية،إنه الدوران في حلقة مفرغة،وكلما ظهرت فكرة أو مقترح أو تفاهمات أو وثيقة كلما طبلت لها وسائل الإعلام وزمرت وأشغلتنا بها ونحن نتابع أخبار الحل والانفراج والتسوية "العادلة" من أيام تجمع المقهورين حول المذياع الوحيد في الحي أو القرية إلى عصرنا الذي يجلس فيه المقهور مع أسرته أمام الشاشة الصغيرة أو صفحات الإنترنت ليحلم ويتأمل الفرج ؛يحلم بحرية أخ أو قريب أو صديق أسير ،وبالتجول بحرية داخل الوطن وخارجه وبنوم هادئ بعيدا عن الاجتياحات والخوف والرعب وبمتعة الأذنين لعدم وجود أصوات الانفجارات وهدير الدبابات وأزيز الرصاص؛لتنقلب كل أحلامه كوابيسا عندما يخرج من قريته أو مدينته ليواجه حواجز الإذلال ،أو تصيبه هو أو أحد أفراد أسرته رصاصة غادرة من قناص ،وينقلب حالنا إلى شتم كل الكاذبين حينما نرى الأرض تنقص عاما بعد عام ،ونسمع أنين أبنائنا وإخواننا وأحبتنا الذين تطوى أعمارهم داخل الزنازين ،التي يدخلها أحباء جدد أكثر من أولئك الذي يخرجون..هذه نتيجة تعلقنا بأي فكرة واقتراح ،ونتيجة تفاؤلنا كلما زارنا أحد الخواجات الذي ينزل في فندق في القدس يمارس السباحة ثم يتابع جدول أعماله:الصور والابتسامات والمؤتمر الصحفي ثم...الاحتلال يتواصل والعدو يزداد قوة وشراسة ،ونحن نتعلق بأمل تغير التفكير تجاهنا بعد كل انتخابات قد تجلب حزب العمل هنا وقد تجلب الحزب الديموقراطي هناك،وأتذكر وأنا فتى في بواكير الانتفاضة الأولى زيارات وزير الخارجية الأمريكي السابق جورج شولتز،كان المتظاهرون يهتفون :"يا شولتز برة برة بدنا دولة مستقلة" جاء شولتز لاحتواء انتفاضة الحجارة وعرضت جريدة القدس صورة له وهو يخرج من حمام السباحة في أحد الفنادق الإسرائيلية!إن هتاف المتظاهرين كان يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها عدم الانخداع وعدم ملاحقة السراب،ولكن ومع بالغ الأسف فقد عدنا للتعلق بحبال الهواء وبناء أبراج الآمال الوهمية من خيوط العنكبوت،لقد جاءتنا مادلين أولبرايت لتلقي علينا نصيحتها الشهيرة:"إسرائيل ليست عدوا للشعب الفلسطيني ،إنما العدو هو حماس والجهاد الإسلامي!!" هل نسينا ذلك،ألم تشتمنا على أرضنا وفي قعر دارنا بهذه النصيحة أو النظرية؟ولقد صفقنا وطربنا لزيارة بيل كلينتون وتدشينه للمطار ،ليشن بعد أيام عملية ثعلب الصحراء ضد العراق ،ولم يتردد إيهود باراك بتحويل المطار الذي طبلنا وزمرنا له إلى ما يشبه مزرعة أو غرفة خاصة به يغلقه ويفتحه وقتما شاء،ليأتي شارون ويريح نفسه من كل القصة،رغم أننا روجنا أن افتتاح كلينتون للمطار يعطيه الشرعية ويمنحنا القوة ،وظهرت فتاة فلسطينية يبدو أن والدها معتقل وقد وضع أبو عمار يده على كتفها بمشهد أبوي درامي وهي تبكي أمام كلينتون وتطرح قضيتها وقضية الأسرى:"نحن نقتل واحد وهم يقتلون مئة"،طبعا تشير إلى تصنيفات السجان التي تقول أن هذا الأسير يده ملطخة بالدم وهذا من الفصيل الفلاني وهذا قام بكذا وكذا،يا ترى هل جادت إسرائيل علينا بتحرير عدد من الأسرى كرمال عيون السيد كلينتون؟لم نتعظ ولا زلنا نراهن على هؤلاء وكلما كان الجنرال زيني يأتي للمنطقة نتعلق من جديد بالخيوط الواهية،لنصاب بإحباط كان علينا أن نكون محصنين ضده عندما جاء كولن باول وكان أبو عمار محاصرا ولم يتكرم السيد كولن باول بالتعريج على مقره أو المطالبة بفك الحصار عنه!
أنا لا أهدف من وراء التذكير بهذه الشواهد إلى دغدغة العواطف وتهييج المشاعر،ليس هناك مجال للتجارب وعلى الذين يريدون منا أن ننتظر كرم العم سام علينا أن يخرسوا نعم أن يخرسوا لأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى ،وحسبي في الرد على تنظيراتهم العقيمة السرابية أن أذكرهم أن الولايات المتحدة تستخدم وتلوح بالفيتو ضد أي قرار فيما يختص ولو بتوجيه عتاب خجول لإسرائيل ،ومن يقول أنه يعرف السياسة الأمريكية ويدرك انحيازها المطلق للكيان العبري ،وفي ذات الوقت يتحفنا بالتنظيرات السقيمة المخزية حول وجود أمل بتغير الموقف الأمريكي في ظل اختلال موازين القوى فقد صدق فيه قول الشاعر:-
وإن كنت لا تدري فتلك مصيبة***وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
أخي هاني:نتقاتل ونتناحر على سراب ،وهناك من يصر على مواصلة الجري وراء السراب ،هذا شأنه ،ولكن الأدهى والأمر أنه يريد من الجميع أن يسير معه أو خلفه ،وإلا فكل من يرفض هذا هو متشنج ردّاح لا يعدو كونه طفلا في عالم السياسة!فإلى متى يا أخي سيظل هؤلاء يخرجون علينا صباح مساء ليقذفوا ما لم تعد آذاننا تريد سماعه ونحن نرى المجزرة ترتكب خلف المجزرة والدم يسيل والمقابر تغص بشهدائنا،أليس فيكم رجل رشيد يلجم هؤلاء أو على الأقل يرفع عنهم الشرعية؟والمصيبة أنهم يتسلحون ويتبجحون بأنهم يمثلون فتح بتاريخها النضالي والوطني ولا أحد غيرهم!
أعود إلى موضوعنا الأساسي وهو إنقاذ فتح من فتح،فلا يخفى عليكم أن من يريد وأد فتح يستخدم أرضها ومعاولها وبعضا من خطابها،والصمت وغض الطرف عن هذا تحت ذريعة دقة المرحلة والظرف الراهن التاريخي الاستثنائي يباعد بين فتح وبين الأمل في انتشالها ،فنحن منذ سنوات طويلة ظرفنا استثنائي وحرج وعلينا التكيف مع ذلك ،هذا ينطبق على كل الفصائل ومجموع الأفراد،وعلى من هو معني فعلا بإنقاذ فتح أن يعي هذه النقطة فالظرف سيبقى استثنائيا ما دام الاحتلال قائما،وفرصة اليوم قد لا تتكرر غدا بل هي لا تتكرر كما تعلمون.
إن في خروج فتح من جزء من السلطة فرصة لها لإعادة ترتيب صفوفها وتصحيح مسارها ،وهناك فوائد أخرى منها:-
1) التخلص والفكاك من الالتزامات الأمنية،فكما تعلم فقد أثرت عمليات الاعتقال السياسي والتنسيق الأمني كثيرا وبشكل بالغ السلبية على شعبية فتح وأدت إلى التشكيك وما هو أكثر بنواياها الوطنية ،الآن هناك راحة ،صحيح أن إسرائيل قد أنهت هذا الملف بإجراءاتها على الأرض ،لكن الأمر اليوم بات واضحا ،وهذا مكسب جاء "من غايب علمو" ،إن حملا ثقيلا قد نزل عن كاهل فتح وسأتبنى في سياق الحديث قولكم بأن الاتفاقيات والالتزامات هي التي وضعت هذا العبء على ظهر فتح،المهم هي فرصة للتطهر،فلم لا يحسن من كان مشمئزا أو من كان يرى نفسه مقيدا استغلال هذه الفرصة والتوجه نحو ترتيب أوراق الحركة من جديد؟!
2) إحداث توازن في المؤسسات وتحولها من مؤسسات فئوية حزبية إلى مؤسسات فلسطينية،لقد بنيت المؤسسات الفلسطينية بعد أوسلو على الولاء مما زهد قطاعات لا يستهان بها من الشعب بها ،فكل مؤسسة كانت أشبه بمكاتب تنظيم فتح ،وأنا عندي شواهد فأنا أسمع عبارات من مثل:"فتح وظفتك ولمتك من الشوارع انت واللي زيك ،وكان علينا أن لا نوظف أيا كان ما لم يكن فتحاويا خالصا..هاي المؤسسة بس لفتح!" ،وغيرها من العبارات الجارحة التي تنم عن عقلية التملك الفئوي لما هو ملك عام ،الآن تغير الوضع ووجود حماس مع فتح والباقين في السلطة يعطيها صفة الفلسطنة،والغريب في الأمر أن فتح كانت تعيب على حماس عزوفها عن المشاركة في مؤسسات السلطة وخدمة المواطن وغير ذلك ،واليوم تظهر فتح على أنها لا تريد أيا كان أن يدخل تلك المؤسسات والسبب يعود لعقلية الاحتكار والتفرد!
3) فرصة تاريخية لفصل السلطة عن التنظيم ،فقد أحدث التداخل بينهما خللا كبيرا.
4) يمكن تحديد من هو الفتحاوي بالضبط،نعم ففي فترة هيمنة فتح المطلقة على السلطة كان الكثيرون يظهرون أنهم من فتح خوفا أو طمعا،وعندما تتحول السلطة إلى سلطة مشتركة يمكن الفرز فيعرف كل طرف من هو معه فعلا،وبصفتك مسئول التعبئة والتنظيم فإنني أؤكد لك أنه في فترة "الهجمة" لتحصيل وتثبيت سنوات الخدمة كان بإمكاني وبإمكان أي كان يستخرج شهادة موقعة بانتمائه لفتح ،فقد فقدت استمارة العضوية هيبتها وغدت متاحة لكل من هب ودب ،وأحد غير المنتمين لفتح،وهو عينة من مجموعة كبيرة، عبأ الاستمارة التي جاءته دون أن يطلبها،فلما سألته عن سبب قيامه بذلك أجاب :"بجوز نستفيد منها بدرجة أو ترقية أو مساعدة مالية!" ،وحتى أنا استنكر بعض أهلي عدم تعبئتي للاستمارة وحضوني على تعبئتها "وخلي اللي بقلبك بقلبك" وأوضحوا لي أنني بإظهار نفسي كمنتسب لفتح أحمي نفسي من أجهزة الأمن و"الشبهة" لكوني اعتقلت بضعة شهور في سجون السلطة لأسباب سياسية فمن أجل تبرئة نفسي و"تنظيف ملفي" علي تعبئة الاستمارة وممارسة تمثيلية سخيفة،نعم أخي هاني هكذا كان حال عضوية فتح؛ طمع في مساعدات أو توظيف أو حماية من "أجهزة الأمن السياسي" ،فالتمحيص ممكن والمراجعة أسهل إذا تغيرت العقلية التي ترى أن لا حياة ولا وجود لفتح دون الهيمنة المطلقة على السلطة.
5) تخلص فتح من تورطها (وهي التي ورطت نفسها) بمهمات لا تتعلق لا بحركة ولا تنظيم ولا مقاومة،أنت تعرف أن مكاتب فتح وكوادرها تحولوا إلى منسقين للوزارات ومنسبين ومرشحين لمن يريد ترقية أو وظيفة وبات التنظيم غارقا وهو في حالة إعجاب بغرقه بما ليس من اختصاصه من التدخل في عمل المؤسسات المختلفة حتى تلك التي ليست تابعة للسلطة مثل التدخل في التوظيف والتعيين في مكاتب خدمات الأونروا ووضع عناصر أجهزة أمنية ك&