From : yousefsadek2004@hotmail.com
Sent : Saturday, June 10, 2006 8:38 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : الجرح الدامي يا هبه بقلم / يوسف صادق

 


الجرح الدامي يا هبه
 بقلم / يوسف صادق


عندما كنا أطفالا وكان وأبوانا يعدانا برحلة إلى البحر صبيح اليوم التالي كنا لا ننام حتى نحكي لأخواتنا قصص البحر الجميل ورمل الشاطئ الذهبي الذي يداعب أجسادنا، وسباحة شيقة وشقية، نخرج بعدها في أحضان أمهاتنا التي كانت الواحدة منهن تنتظر خروجنا من البحر لتلفنا بحضنها ومنشفة تقينا من أمراض البرد الذي يصطحب أمواج البحر في كل رحلة لنا، وكنا نستعد لتلك الرحلة طوال الليل، فيخرج الأب ليجلب مستلزمات المتعة، فيما تحضر الوالدة بعض الأكل والشرب، في حين كان الواحد منا يحزم أمتعته الخاصة به من أطباق طائرة وكرة قدم ومسجل صغير لتغدو به سيدة الغناء الغربي وقت غروب الشمس.
هكذا كان البحر دائما لنا متنفسنا الوحيد في ظل احتلال قسري لأرضنا دام عشرات الأعوام، إلا أن البحر هذا العام كان مختلفاً بعد أن رحل الاحتلال عن غزة وتركنا في سجن هو الأكبر من نوعه في العالم، وأصبح بحرنا متنفسا وملتقى لمئات الآلاف من المواطنين الذين حرمتهم المستوطنات الإسرائيلية التي كانت مقامة آنذاك على أجمل شواطئ قطاع غزة لقرابة أربعين عاماً، فما كان من المواطن على غالية أن يحمل أسرته وأطفاله لفترة استجمام على رملي على شاطئ بيت لاهيا، بعد امتحانات المدارس المختلفة وفي نسيان هموم وتعقيدات الحياة البائسة هنا في غزة، دون أن يعلم أن ثمن هذا الاستجمام في يوم مشمس ستكلفه حياته وحياة أسرته بكاملها.
فالمشهد الذي رأيناه يوم أمس عبر الفضائيات المختلفة لم يكن من وحي الخيال أو ضمن أحداث فيلم درامي، بل هو أمر طبيعي يقع عندنا بشكل يومي أبطاله جنود إسرائيليين يحملون الحقد والكراهية لشعب اعزل لا ذنب له غير انه فلسطيني وتلفظه كل معاني القيم الإنسانية، عندما يستهدف هؤلاء الجنود الحاقدين أسرة على غالية بكاملها عبر قذائف البوارج الحربية، لتقتل الطفل والبنت والأم والأب وتترك واحدة من تلك الأسرة لتكون شاهدة يوم القيامة على ما اقترفه الاحتلال الإسرائيلي بحق تلك الأسرة ولتشهد تلك الطفلة على تخاذل الحكام العرب إزاء ما يجري في الأراضي المحتلة، فالمشاهد التي تناقلها وسائل الإعلام المختلفة على الهواء مباشرة لهذه الطفلة وهي تصرخ من أعماق قلبها المقهور والمذبوح، بالقرب من جثه والدها، ستبقى راسخة في ذاكرة الفلسطينيين وأصحاب الضمائر الحية في العالم، إن لا زالت هناك ضمائر حية، أو كانت تعي ضمائرهم هول الفاجعة التي لحقت بأسرة الطفلة، فصرخاتها حولت المستقبل إلى صفحة سوداوية ضمن صفحات الملوك والحكام العرب والذين اجزم أنهم أعاروا جل اهتمامهم لكأس العالم، ظانين أن الطفلة كانت ضمن مسلسل درامي خيالي بعيدة عن واقع الجيش الإسرائيلي.
فهذه الطفلة التي كانت مشتتة ما بين جثة والدها الممدة على شاطئ البحر وبين جثامين أخواتها وإخوتها وأمها أمام مرأى من العالم لم تكن تعلم أن بهروبها من حر الطقس الصيفي، وضيق المخيم والحصار الاقتصادي والسياسي المفروض على الشعب الفلسطيني وعلى العائلة، سوف يكلفها ثمناً غاليا ًوجرحاً كبيراً لن يندمل أبدا.
لقد أعادت هذه الجريمة إلى الأذهان السجل الأسود من التاريخ الإجرامي الإسرائيلي منذ بدء عصابات الهجانا الإسرائيلية المتطرفة بالتلذذ في قتل الفلاحين وإبادة قرى فلسطيني كاملة وانتهاءً بالمجزرة الأخيرة التي لم تبقي سوى الطفلة "هبه" والتي وهبها الله على الأرض المباركة علها تبني مستقبل الأمة العربية ، فاليوم نتذكر صرخات محمد الدرة .. إيمان حجو .. وفارس عوده.. دون أن يحرك العالم ساكنا، أو يهتز ضمير أحرار العالم من هول المجازر وبشاعتها، ودون أن ترتجف جفون الملوك والحكام العرب من صرخات "هبه" وهي تبكي حظها المتعثر بفقدان أسرتها لتقضي بقية حياتها وحيدة مع أحزانها وجرحها.
أعانك الله يا هبه على مصيبتك وحدك في ظل انشغال قادتنا الفلسطينيين في التناحر السلطوي الداخلي، وموت ضمير الحكام العرب وانعدام الجاذبية الأرضية للإنسانية ولأطفال العالم، لأنك لست ضمن لائحة الأطفال، فأنتي فلسطينية إرهابية تذهبين للبحر كي تفكري بصمت كيف تقنعي البحر أن يبتلع اليهود والرؤساء العرب، فصرخاتك يا هبه لن تيقظ الضمير العربي وجفاء دموعك لن توقف الفتنة الداخلية، نعتذر منك يا هبه الله لان المعتصم مات قبل أن يورث أحدا من المسلمين نخوة الإسلام والعروبة، وسنكتفي يا هبه بالا دانه والشجب والاستنكار كعادتنا.