From : bhlool2@hotmail.com
Sent : Tuesday, May 30, 2006 3:07 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

( بغداديات )
 بهلول الكظماوي
( استمبر احمر )



بسم الله الرحمن الرحيم
فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وامّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال . صدق الله العلي العظيم .

احبّ أن اؤكّد انّ ما سيرد في سرد ما سأكتبه من ( بغداديتي ) هذه أنّي لم اقصد الإساءة فيه أو الاستهانة أو التنكيل بأحد , سواءً كان حزباً أو اتّجاهاً سياسياً أو فردا , بقدر ما اريد ان اشير الى حالة الكبت السياسي أو الاجتماعي و الحرمان من الحقوق و الحريّات المدنية إذا قدّر لهذا الكبت أن يجد مجالاً أو متنفـّساً لهذا التغيير فسيكون عبارة عن غليان مرجل , أو طوفان كاسح أو سيل جارف ليس عندنا نحن أبناء الشرق فقط , بل حتى الدول الغربية التي تعتبر متقدّمة مدنياً و تكنولوجياً , وبها مؤسسات نظام مدني و ديمقراطية ليست وليدة اليوم , بل هي أتت نتيجة ممارسات لحقبات زمنية طويلة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من رقي و تقدّم .

و ما التخبّط و الفوضى و السلبيات التي صاحبت الثورة الفرنسية والثورة البلشفية .... الخ من الثورات التغييرية , ثم استمرّت لما بعد التغيير لسنوات الاّ دلالة على الاندفاع غير الموزون نتيجة الانفلات من الكبت السابق إلى الانطلاقة نحو التحرّر الغير مقيّد و الغير مقنّن .

( البغدادية )

بعد التغيير الذي حصل في العراق نتيجة الإطاحة بالملكية و الإتيان بالجمهورية الفتية , حينها ضجّ الشارع العراقي و هاج و ماج بجموع الآلاف المؤلّفة من الجماهير العراقية التي خرجت إلى الشارع مؤيّدة للثورة التي أطاحت بالملكية و وضعت حدّ لواقع مزري مرير طالما حاولوا جاهدين لتغييره عبر انتفاضات و ثورات وانقلابات متتالية دامت محاولاتها قرابة الأربعين عاماً.

كانت قيادة هذه المسيرات الجماهيرية المؤيدة للثورة الجديدة إن لم تكن شيوعية بالكامل , فهي محسوبة على الشيوعيين والخط الماركسي و اليساري تحت مسميات كثيرة , فيوم تخرج المسيرات بأسم انصار السلام و يوم آخر بأسم يوم الشبيبة و آخر عيداً للعمال ثم آخر للفلاحين , تتخلل ذلك تجاوزات و شعارات منفلتة قد يكون غير مسؤول عنها التنظيم الذي نظّم هذه المسيرات الجماهيرية بقدر ما هو نتيجة طبيعية للانفلات كما تفعله الطيور المنفلتة من اسر أقفاصها ,

ولنأخذ نموذجاً من هذه الشعارات :

سبع ملايين اتريد حزب الشيوعي بالحكم .

كواويد بعثية ماكو زعيم الاّ كريم .

بس هالشهر ماكو مهر , والقاضي انذبّه بالنهر . ( أي بعد هذا الشهر ستنعدم مهور النساء رغم انف القاضي ) .

و أتذكر رغم صغر سني إن هذا الشعار كان قد رفع في يوم المرأة العالمي , حيث كانت المسيرة تطوف شارع الرشيد الذي يتواجد فيه دكان المرحوم والدي , وتضمنت المسيرة ظهوراً قوياً لنساء متبرجات ( نصف عاريات ) خلافاً للمألوف في ذلك الوقت ( نهاية الخمسينات )

و لا أزال اتذكّر جيداً كيف كان المتظاهرون ينشدون للثورة و زعيمها قاسم بالنشيد القائل :

عاش زعيمي .. عبد الكريم ...... حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي !

وإذا بالمرحوم الدكتور علي الوردي مارّاً من امام محلنا و يقع نظره بنظر

المرحوم والدي فيعقب عليه ( الوردي يعقب على والدي ) بالقول :

( وداعتك حجّي هذا كلّه استمبر احمر ) أي بمعنى : و حياتك يا حاج هذا الذي تراه عبارة عن استمبر احمر سرعان ما سيزول من على وجوههم بمجرّد أن تهطل علية أول زخّة مطر ! ... في إشارة إلى مادة الاستمبر التي كانت ضمن ما يبيعه المرحوم والدي في محلّه .

ولكن ما هو الاستمبر ؟

الاستمبر كان آنذاك نوع من أنواع الصبغ الذي (يدهن ) تطلى به حيطان الغرف و جدران المباني , وهو عبارة عن مسحوق ( بودر ) ملوّن يخلط بالماء و الصمغ العربي ( مادّة الكثيرة ) المحلول بالماء .

نرجع إلى تلك الأيام , لنرى الهدوء يعم بعد ذلك الفلتان و يرفل العراقيون حينها بالراحة و برخاء اقتصادي و نهضة صناعية و قفزات تنموية في فترة قياسية قصيرة , و تبدوا مظاهر هذا الرخاء متمثّلة في ظهور طبقة اجتماعية متوسطة بعد ان كان العراق يتكوّن من طبقتين , فأما أن تكون طبقة موسرة و هي أقلية تجاورها طبقة ثانية معدمة وهي الأكثرية .

و تمكن الكثير من المعدمين أن يدخلوا أبنائهم إلى المدارس العليا بعد أن كان التعليم مقتصراً على عدد محدود من الناس يشكل الموسرون غالبيتهم .

و توزع الثورة الجديدة ( الجمهورية ) قطع سكنية على المعدمين من الناس , شمل التوزيع غالبية مدن العراق , وكانت بغداد قد شملتها عدة مشاريع من هذا النوع , كان أبرزها إنشاء مدينة القاسم التي سميت مدينة الثورة

فيما بعد لتأخذ اليوم اسمها الأخير ( مدينة الصدر )

و لم يكن قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم بالرجل المعصوم الذي تنعدم فيه الأخطاء , فهو إلى جانب حسناته الكثيرة الا انه لكونه المبادر الوحيد الذي سقطت بيده البلد فاستطاع أن يقلب الموازين في المنطقة التابعة , بل البلد المؤسس لحلف بغداد ( السنتو ) و مع انعدام أية تجربة سبقته ليستفيد من أخطائها و يستقي منها العبر و انعدام الناصح و كثرة المتضرّرين من تجربته سقط الرجل في مطبّات عداء الاستعمار له كان أبرزها :

تحرير الدينار العراقي و فك ارتباطه من دائرة الباون الإسترليني الإنكليزي .

إنشائه لفوج التحرير الفلسطيني و وضع عهدته إلى العقيد الفلسطيني محمود الهمشري لأيمانه بأن فلسطين لا يحررها إلا أبنائها .

إصداره لقانون رقم ثمانين القاضي بتحرير الثروة النفطية من سيطرة الشركات الأجنبية .

البعثيون بقيادة الماسونيين ميشيل عفلق و اكرم الحوراني و هم سوسة الأمة العربية استطاعوا أن يدقـّوا اسفيناً عدائياً بين الزعيمين عبد الكريم قاسم و جمال عبد الناصر خدمة للاستعمار لألاّ يحصل نهوض عربي اسلامي في المنطقة فيما اذا اتحد العملاقان ( العراق و مصر ) .

تطبيقه لقانون الإصلاح الزراعي دفعة واحدة و بفترة زمنية قصيرة بدون تدرّج أو تطبيقه على مراحل .

عفوه عن من تصدى لاغتياله بعد التمكّن منهم , هذا العفو الذي لم يكن في محله فيمن لا ذمة لهم و لمن ليسوا اهلاً لهذا العفو مما شجع هؤلاء القتلة بالتمادي في غيهم وتكرار فعلتهم مرة اخرى , مما جرّ البلاد الى كوارث و ويلات و محن لحد يومنا هذا جراء بقاء هؤلاء القتلة على قيد الحياة .

سنّه لقانون الأحوال الشخصية التي ساوى فيه الإرث بين الرجل و المرأة خلافاً لما نصّ عليه القرآن الكريم للذكر مثل حظ الانثيين .( علماً إن صدام حسين أيضا خالف أحكام الإسلام حينما سن قانون توريث الحفيد الذي مات أبوه قبل جده ولكن لم يحرك احداً ساكناً لذلك ) ادّعائه بعائدية الكويت إلى السيادة العراقية.

كانت هذه الهفوات ( إذا صح إطلاق تسمية هفوات عليها ) هي من أهم الأسباب التي أودت بحياة الرجل رغم كل إيجابياته و حسناته .

وفي صبيحة يوم مشؤوم نعق البوم على ارض العراق ليأتي القطار الانكلو أمريكي بحزب البعث الفاشي إلى العراق و يحرق الحرث ويهلك النسل و يعيث الفساد في البلاد و العباد الى يومنا المشهود هذا , حتى بعد سقوط صنمه صدام.

وبعد الانقلاب المشؤوم مباشرة سنة 1963و مع تبدل الصحف المملوكة للنظام البعثي الجديد كنا نطالع كل يوم عشرات المقالات و المواضيع مرفقة بصور أصحابها معلنة البراءة من الحزب الشيوعي و من تبعات الماضي القريب , و لربما كان الكثير منهم من لم ينتم الى الشيوعيين بقدر ما كان مؤيداً عاطفياً لهم أو للثورة القاسمية المؤيّدة من الشيوعيين مثل ما هي مؤيدة من الآخرين آنذاك وبذلك تتحقق مقولة الدكتور علي الوردي ( الاستمبر الأحمر )

و برغم حداثة سنّي آنذاك صبيحة الرابع عشر من رمضان المصادف الثامن من شباط المشؤوم سنة63 . لا تزال إذاعة الانقلابيين ترنّ في اذني وهي تدعوا إلى إبادة محبي عبد الكريم قاسم بحجّة انهم شيوعيين !

و لكن هل كان عبد الكريم قاسم شيوعياً أو ماركسياً كما اتهموه ؟

كلاّ و الله .... ! فالتأريخ اثبت انه رجل أحبّ شعبه و امّته و تفانى في خدمتهم , ولم يفرّق بين سنّي و شيعي , أو مسلم و مسيحي , فأبوه ( قاسم البكر ) كان ممن يحسبوه على السنّة العرب , امّا والدته ( كيفية ) فكانت ممن يحسبونها على المذهب الشيعي بالإضافة إلى قوميتها الكردية .

أمّا إقامته فكانت في منطقة العلوية في بيت متواضع مستأجر من مديرية الأموال المجمّدة بمبلغ زهيد قدره ثمانية دنانير , يسكن إلى جواره خليط من مسيحيين و صابئة ومسلمين , وبذلك تكوّنت شخصيته من كل هذا الخليط العراقي المتجانس اجتماعياً مما انعكس على حياته التي ساوى فيها بين كل طوائف و ملل و قوميات العراق ولم يفرّق بين أبناء شعبه و امتـّه العراقية .

وتمضي الأيام والسنوات العجاف بعد مقتله , بل تمضي اكثر من أربعة عقود من الزمن المر , ويذهب القتلة على يد أسيادهم الانكلو أمريكان ,

وإذا بالفقراء و كسبة السوق الذين احبّهم عبد الكريم قاسم فاحبوه , إذا بهم يجمعون من خالص مالهم الحلال لأجل بناء تمثال يخلّد زعيمهم هذا , فكان أول تمثال يبنيه الشعب و لم تبنه حكومة أو دولة لينتصب شامخاً تخليداً لذكراه رغم مرور اكثر من أربعة قرون على رحيله .

عزيزي القارئ الكريم :

أقول واوجّه كلامي هذا إلى حكومتنا الجديدة ساعدها الله و أعانها على حمل الأمانة :

إن الناس تحب من يحسن إليها و يسهر على مصالحها و يتفانى في خدمتها و خصوصاً الطبقات المظلومة من الناس , وايّة مظلومية كان قد رزح تحتها شعبنا العراقي !

ادعوا الله جاهداً أن يوفقكم لخدمة شعبنا المظلوم لتنالوا الخلود في الدنيا و لأجر الآخرة اكبر مثوبة عند الله ,

ولكي لا اطيل على القارئ الكريم أقتصر بغداديتي لهذا الأسبوع واعداً إياه ببغدادية قادمة قد تشكل جزءاً ثانياً من حلقتي هذه بأذن الله .

و دمتم لأخيكم : بهلول الكظماوي .

امستردام في 30-5-‏2006‏‏