سياسة من أجل النهوض
بالديموقراطية الليبرالية في مصر

الكاتب: د.هالة مصطفي
الناشر: مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية-واشنطن،مايو 2006
ترجمة: مجدى خليل




هناك تصور خاطئ واسع الانتشار أن مصر تفتقر إلى تراث علماني ليبرالي وبالتالي فليس لها قاعدة يبني عليها مشروع إصلاح حقيقي يجابه التحديات السياسية التي تواجه المجتمع المصري اليوم، وعلى العكس فاللأفكار الليبرالية جذور عميقة في هذا المجتمع، وكانت مظهرا متماسكا ومستمرا للأرضية السياسية لمصر لعقود طويلة.

تراث مصر الليبرالي
بدأ العصر الليبرالي لمصر في عهد محمد على في أوائل القرن التاسع عشر مع ظهور نخبة مصرية متعلمة منفتحة الذهن اعتنقت مبادئ الليبرالية والتي أسهمت في تحديث مصر. وشددت الشخصيات الليبرالية على أهمية القانون والنظام واستقلال القضاء والهوية الوطنية (في مقابل الهوية القبلية والدينية) وحرية الفرد والحريات العامة، وحرية الصحافة والتعليم العام، وحقوق المرأة والاقليات والتعددية والنقابات العمالية.
من العلامات المميزة لهذه الفترة صدور أول دستور ديموقراطي ليبرالي مصري في 1923 وعناصره الأساسية متضمنة في أكثر الأجزاء تقدما في الدستور الحالي، ولم يتميز العصر الليبرالي المصري بالليبرالية السياسية والحداثة فقط، بل بالتقدم الثقافي، فقد ازدهرت الفنون والسينما والموسيقي خلال تلك الفترة. كما تزعم الليبراليون حركة الإصلاح الديني وإرساء مبادئ العلمانية، والمفكرون البارزون والكتاب ذوي النفوذ في تلك الفترة كان الكثيرون منهم ذوي خلفية دينية ومن العلماء الإسلاميين المعروفين ( ومنهم من تخرج من جامعة الأزهر المحترمة) والتزموا بأهمية المبدأ العلماني.

توطيد الحكم الاوتوقراطي بعد ثورة 1952
كانت ثورة 1952 إيذانا بنهاية العصر الليبرالي الذي كان ينبض بالحياة في مصر بعد أن استمر عقودا، والنظام الجديد الذي استولي على السلطة في مصر بقيادة الضباط الأحرار أخذ البلد بعيدا عن جميع مبادئ التقدم وتقاليد العصر الليبرالي لمصر. نظرا للافتقار الضباط الأحرار لأجندة سياسية شاملة فقد اعتنقوا اتجاهات عقائدية معادية لليبرالية اكتسبت بعض الشعبية في تلك الفترة مثل القومية العربية، والاشتراكية بالإضافة إلى ايدولوجية إسلامية، ولاكتساب الشرعية ألغي الحكام الجدد الأحزاب وأقاموا نظام الحزب الواحد الذي شكل الخريطة السياسية لمصر حتى يومنا هذا. كما أقام النظام جهازا امنيا بيروقراطيا لتوطيد سلطتهم عن طريق مراقبة الحياة السياسية والسيطرة عليها.
هذه المقومات جذرت تقاليد السياسة الجديدة في المجتمع وجعلت من الصعب التغلب عليها، وساعدها أيضا ركود الحياة السياسية التي اقتصرت على أولئك الذين يرتبطون بالجهاز البيروقراطي الأمني، واستبعدت النساء والأقباط كلية، وقامت عملية اختيار الصفوة السياسية الجديدة على الولاء لا الكفاءة والمؤهلات المهنية واستمر النظام في كسب شرعيته على محاربة الأعداء الخارجيين... وهي عقلية ظهرت خلال الفترة الاستعمارية في الماضي، واستمرت في الحاضر مع أعداء جدد أولا وقبل كل شيء إسرائيل وأمريكا، والميديا التي خضعت لسيطرة الدولة لم تسمح بالتعبير عن الآراء المنوعة مما غلب الاتجاهات الجديدة على الخطاب السياسي.
شهدت مصر في السبعينات تجربة التعددية وتعدد الأحزاب وأطلق على تلك التجربة كلمة الانفتاح، ولكنها كانت تجربة منضبطة لم تحدث تغييرا أساسيا في التركيبة السياسية للبلاد. وكان الانفتاح النسبي الذي شهدته مصر في تلك الفترة خاضعا لقواعد وتنظيمات قصد بها الحد من القدر الصغير من الحرية والتنوع أن لم يكن القضاء عليها، وهكذا أقرت تعديلات دستورية، سمحت بفترات رئاسة غير محددة وأكدت أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، ولم يكن الدافع وراء سياسات أنور السادات الالتزام بالأفكار الليبرالية، وعكست الخضوع للمبادئ الإسلامية، ولأن السادات لم يهتم بالاضطلاع بإصلاحات عميقة في البنية السياسية، كان لتجربته مع التعددية تأثير محدود، وظلت حتى الآن استثناء في السياسية المصرية الحديثة.
في الامكان إرجاع ركود الوضع السياسي الحالي إلى عجز النظام أن يتجاوز نظام الحزب الواحد وسعيه لاكتساب الشرعية بأفكار تتناقض مع التعددية الديموقراطية، وبمرور الوقت كان أقصى ما كان النظام مستعدا للإصلاح هو التحول من الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي العربي) إلى هيمنة حزب واحد (الحزب الوطني الديموقراطي)، في نطاق تعددية حزبية تتألف من أحزاب سياسية وديعة لا نفوذ لها سمح لها النظام بأداء دور تجميلي فقط.
القوتان السياسيتان الرئيسيتان اللتان بقيتا خارج النظام الحزبي هما الإسلاميون والمصلحون الليبراليون، والفريقان يقيمان قوتهما النسبية ومكانتهما في السياسة المصرية الداخلية، وبعلاقتهما بالنظام الحاكم.

وضع الإسلاميين في مصر
صعود القوى السياسية الإسلامية المستمر ويمثلهم في الدرجة الأولي الأخوان المسلمين جاء نتيجة ضعف وركود الحياة السياسية، وبوجه خاص جاء نتيجة للقانون الذي يقيد إنشاء الأحزاب السياسية، وضعف الأحزاب المعترف بها رسميا مما ترتب عليه أن أصبح المسجد هو المكان الوحيد المتاح للتعبير عن الآراء السياسية ومعارضة النظام، بيد أن الصراع بين النظام والإسلاميين لم يكن الدافع وراءه خلافات ايدولوجية بقدر ما كان صراعا على السلطة.

الدور المستتر للنظام في صعود نفوذ الإسلاميين
لم ينم النظام الحاكم قط رؤية متماسكة لتحل محل الرؤية الإسلامية أو الاشتراكية التي برزت منذ 1952. في 1981، وضع النظام قانون الشريعة الذي يجعل الشرعية الإسلامية مصدر التشريع وبذلك حظر على أية حركة علمانية أن تؤلف حزب أو حتى أن يكون لها منبر، وقد انعكس هذا المبدأ على القانون الذي ينظم الحياة الحزبية، وكما هو واضح في الدستور الحالي الإسلام هو المصدر الأول لشرعية النظام، ولذلك فالمناقشة بين النظام والأخوان المسلمين تقوم إلى حد كبير على أرضية إسلامية في صراعهما على السلطة والنفوذ.
وفي منافسته لنفوذ الأخوان المسلمين لجأ النظام إلى زيادة اسلمة سياساته على حساب حقوق المرأة والاقليات ويأتي هذا بالإضافة إلى القيود التي يفرضها على حرية التفكير والتجديد بحجة إلا تتعارض مع مبادئ الإسلام. كما نافس النظام الإسلاميين بالتعبير عن المبادئ والأفكار الإسلامية في الصحافة الرسمية، كما سمح النظام للإسلاميين بدخول الانتخابات البرلمانية سواء كمستقلين أو تحت مظلة الأحزاب السياسية الرسمية، وفي انتخابات 1984 فاز الإسلاميون بثمانية مقاعد، وفي انتخابات 1988 فازوا بثلاثين مقعدا، وفي انتخابات 2000 الذي دخلها الأخوان كمستقلين فازوا ب 17 مقعدا، وفي الانتخابات 2005 دخلها الأخوان كمستقلين وأحرزوا مكاسب كبيرة بالفوز ب 88 مقعدا (من أصل 444).
كما سمح النظام للإخوان المسلمين بالترشيح في انتخابات النقابات المهنية وتمكنوا من اختراق هذه النقابات. وباتفاق سياسي صامت بين النظام والإخوان فاز الأخوان بأغلبية مجالس النقابات ولكنهم تركوا رئاسة أعضاء مجالس إدارتها للحزب الوطني الديموقراطي، كما سمح للإخوان بالسيطرة على كثير من الهيئات الخيرية مما يعكس علاقات مصر القوية بالمملكة العربية السعودية التي تدعم الأخوان وهيئاتهم.

صعوبة تقييم القوة الحقيقية للإخوان المسلمين
من الصعب تقييم الوزن السياسي الفعلي للإخوان المسلمين أو حتى حجمهم نظرا إلى أن المنظمة لا تكشف مطلقا عن عدد أعضائها. بالإضافة إلى أنه من الصعب فصل مظاهر اسلمة المجتمع التي يمكن أن تنسب إلى سياسات النظام في منافسته لنفوذ الأخوان، ويشمل هذا، مثلا، إلى عدد المساجد المتزايد، واستخدامها كمنابر سياسية، والزيادة الملحوظة في عدد النساء المحجبات وحظر الخمور في الأماكن العامة، واللجوء إلى الخطاب الديني على مستوي الدولة الذي يمكن أن ينسب إلى كل من النظام والأخوان المسلمين.
علاوة على هذا فأن الاتجاه السائد بعدم تسييس المجتمع الذي أنعكس في نقص المشاركة السياسية يعني أيضا أن الأغلبية الصامتة ليست ممثلة في المقارنات بين قوة النظام الحاكم والقوى السياسية الأخرى. وإذا كان صحيحا أن الإخوان المسلمين يمثلون أقوى طائفة سياسية كما يفترض هذا من وقت لآخر، فالساحة السياسية قد تغيرت بالفعل ومع ذلك فمن التبسيط أن نفترض أن الأخوان يملكون امكانية قلب النظام أو الاستيلاء على السلطة.

شروط إدماج الإسلاميين بشكل مأمون في السياسات المصرية
هناك سؤال هام يستحق الانتباه ونحن نقيم الأخوان المسلمين وهو ما إذا كان حضورهم ومشاركتهم السياسية يؤدي بالضرورة إلى الحد من نشاط الجهاديين المتسم بالعنف الراديكالي ومن المؤكد أن الإجابة العملية هي بالنفي: فعندما تمتع الأخوان بأكبر مشاركة سياسية في الثمانينات والتسعينات كانت هناك زيادة ملحوظة للجماعات الراديكالية وعنف المتشددين. بناء على هذه التجربة يبدو أنه من غير المحتمل أن الاعتراف القانوني بالإخوان يؤدي آليا إلى احتواء الإرهاب الذي يستوحي الإسلام أو خفضه. والعكس هو المرجح أكثر، والرهان على أن خلع الشرعية على الإخوان يمكن أن يؤدي إلى المزيد من الاسلمة السياسية، ويوفر تربة خصبة لنمو الجماعات الإسلامية سواء كانت عنيفة أو غير عنيفة.
إذن كيف يمكن التعامل مع الإخوان المسلمين؟ بينما يحيط الشكوك حول الاعتراف بالإخوان المسلمين على المدى القصير، فأن مسألة إدماجهم في الحياة السياسية يجب النظر فيها على المدى الطويل، وفي الامكان أن يتم في أمان في نطاق نظام سياسي ليبرالي علماني كما حدث في تركيا بما يسمي النموذج التركي فإدماج الإسلاميين كان ممكنا فقط لأن الدولة العلمانية فيما يتعلق بالدين.. والدستور علماني يوفر الضمانات ضد أي محاولة من جانب حزب إسلامي لتحويل تركيا إلى دولة دينية ويدعم الجيش هذا النظام بوصفه حارس المبادئ العلمانية التي وضعها كمال أتاتورك.
مما يؤسف له أنه في معظم أن لم يكن في جميع العالم الإسلامي لا تقوم المؤسسات العسكرية بحراسة العلمانية، ولذلك فأن الخطوة الرئيسية في مصر لتمهيد الطريق أمام نظام ليبرالي علماني هي إجراء تعديل دستوري لخفض دور الشريعة التي تعتبر الآن المرجع الرئيسي للنظام السياسي المصري وضمان حياد الدولة فيما يتعلق بالدين. والدستور يجعل في الامكان الحد من أسلمة الدولة والمجتمع بازدهار التعدد السياسي والثقافي في مصر. وفي نفس الوقت يسمح للإخوان المسلمين بالاندماج في الحياة السياسية. وفي الوقت الحاضر يقبل الأخوان المسلمين التعددية داخل هذا النطاق فقط. وما لم يقدم الأخوان تنازلات ويقبلون أن تكون الشريعة واحدا من مصادر متعددة للقانون ( أو مصدر رئيسي) وليست المصدر الوحيد لن يكون في امكان الإخوان التعايش في نظام سياسي جنبا إلى جنب مع الجماعات الليبرالية والعلمانية.
هل الأخوان المسلمين مستعدون حقيقة لتقديم تنازلات حول هذه المسألة؟ باعتبارهم حركة سياسية؟ يسعى الأخوان ألى تحقيق أهداف سياسية معينة منها الاعتراف الدولي. وبمرور الوقت اكتسبوا مهارة في عقد صفقات سياسية، وقد تكون الجماعة على استعداد للتفاوض حول تقديم تنازلات فيما يتعلق بالتعديل الدستورى الذي ذكرناه أنفا في مقابل الاعتراف السياسي بها.

حالة الإصلاحات الليبرالية في مصر
على عكس العلاقة المعقدة والمصالح المتبادلة بين النظام والإسلاميين التي تميزت بالصدامات حول المشاركة في السلطة لا حول الايدولوجية تميزت العلاقة بين النظام والمصلحين الليبراليين بخلافات ايدولوجية واضحة وعميقة، وهذه الخلافات العميقة جعلت صدام النظام مع الليبرالية أكثر شراسة من صدامه مع الإخوان.

الليبرالية تشكل تهديدا ايدولوجيا حقيقيا للنظام
لم يكن الضباط الأحرار الذين قادوا الانقلاب في 1952 ينتمون إلى أي مدرسة من مدارس الفكر السياسي، ومن أجل إسقاط الملكية شكلوا تحالفا براجمتيا مؤقتا مع الأخوان المسلمين. وبذلك أصبح الضباط الأحرار معتمدين إلى حد كبير على المبادئ الإسلامية لتعويض نقصهم الايدولوجي، وقد استبعدت تلك المجموعة من الضباط الأقباط كلية اتساقا مع عقليتهم الحصرية التي ظلت تطبع الموقف السياسي في مصر حتى وقتنا هذا. الذي أنعكس في استمرار حرمان الأقباط والمرأة من التمثيل السياسي، وفي الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 2005 لم يكن للحزب الوطني الديموقراطي إلا مرشح قبطي واحد وستة مرشحات من مرشحيه البالغ عددهم 444.
وخدمت الاشتراكية مصدرا آخر من مصادر العقيدة السياسية للنظام. وعندما دخل النظام في تحالف مع الاتحاد السوفيتي في الستينات رافعا راية العداء مع الغرب والولايات المتحدة استوعب الأفكار الاشتراكية في برنامجه، وانعكس هذا في بيروقراطية حكومية كبيرة. والأخذ بنظام الحزب الواحد، ومركزية الاقتصاد وظلت هذه المعالم المستوحاة من الاشتراكية متجزرة في النظام حتى اليوم.
انعكست الخلفية البيروقراطية والعسكرية والإسلامية والاشتراكية والقومية العربية على جوانب منوعة من الحياة السياسية لمصر. وتركت طابعها على النخبة السياسية خلال العقود الخمسة الماضية. وشاركت الأحزاب السياسية التي سمح لها أن تلعب دورا في المعارضة في هذه الخلفية الإيدولوجية بما فيها الحركات السياسية التي ظهرت مؤخرا مثل حركة "كفاية". وعلى الرغم من أن النظام اتخذ موقفا متشددا من حركة كفاية في البداية، إلا أنه في النهاية أجازها وسمح لها بالعمل لأن ايدولوجيتها وهي خليط من مبادئ إسلامية واشتراكية لا تشكل تهديدا لشرعية النظام في جوهره.
من جهة أخرى ظل المصلحون الليبراليون ومعهم مدرسة الفكر الليبرالي معزولة سياسيا، واستبعدت عمدا من الحياة السياسية لأنها تعكس أفكار النخبة السابقة على الثورة، والمساحة التي أعطيت للكتاب والأكاديميين والليبراليين في المحافل العامة تكاد أن تكون معدومة بالقياس إلى الآخرين من أصحاب الأفكار الأخرى خاصة الإسلاميين.

تكتيكات النظام لسحق الليبراليين
لم تقبل العناصر الليبرالية داخل النخبة السياسية للنظام باستثناء مجموعة صغيرة من رجال الأعمال استفاد منهم النظام عندما قام بعملية الخصخصة. مع ذلك كان قبول النظام لهذه المجموعة مشروطا باستعدادها بعدم تحدي أسس النظام أو المطالبة بأي تغييرات سياسية أساسية بما فيها السياسة الاقتصادية. ونتيجة لهذا لم يكن لهذه المجموعة أي اسهام حقيقي في الإصلاح السياسي حتى في مجال الإصلاح الاقتصادي مما أدي إلى تعثر التقدم. وكان ترتيب مصر في فهرست الحرية الاقتصادية لعام 2006 الذي أجرته الوول ستريت جورنال بالاشتراك مع مؤسسة هيرتاج في مؤخرة البلاد الأخرى خارج العالم العربي. وجاء ترتيب مصر 128 من 157دولة شملتها الدراسة.
وإذا كان النظام لم يسمح للمصلحين الليبراليين أن يقوموا بدور في الحزب الحاكم، فهو لم يسمح لهم أيضا أن يعبروا عن أنفسهم في المعارضة. من بين 19 حزبا معارضا يعتبر حزب الوفد هو الحزب الوحيد الذي عكس النفوذ الليبرالي للفترة السابقة قبل 1952 ولكن منذ عودته إلى الحياة السياسية في منتصف السبعينات ( بعد فترة حكم الحزب الواحد) خضع لشيء من سيطرة النظام. ومثل آخر للحزب الليبرالي هو حزب الغد الذي أسسه أيمن نور ومنح تصريحا بالعمل في أكتوبر 2004، ولكن بعد شهور قليلة عمل النظام على تقييد نفوذه. ومؤخرا خضع الحزبان، الوفد والغد لتدخل النظام الذي بذر بذور التفرقة بين أعضائهما مما أضعفهما بشكل كبير.
واجه الكتاب والمثقفون الليبراليون والمستقلون قيودا منظمة على حريتهم في التعبير. خاصة في الميديا، وبذلك حرمهم النظام من فرصة تحدي أو تنقيح الخطاب السياسي المغلق للنظام. واستخدم النظام وسيلة أخرى لاحتواء القوي الليبرالية وهي استبدالهم بمبادرات منها مبادرة الحزب الوطني بإنشاء لجنة الإصلاح من ثلاث سنوات. وكما كان متوقعا انتهي الأمر بهذه اللجنة بتمكين مجموعة صغيرة من رجال الأعمال وبعدد صغير من الاوتوقراطيين والأكاديميين الذين كانوا على علاقة كافية بأجهزة الأمن بالعمل على أنهم مصلحون وهم مصلحون مزيفون وحولوا لجنة السياسات إلى فريق من أصحاب المصالح لا وسيلة حقيقية للإصلاح، وهذا يفسر الصراع بين الحرس القديم والحرس الجديد داخل الحزب الوطني الديموقراطي وهو في حقيقته صراع حول المصالح والنفوذ وليس صراعا حول أجندة إصلاح ذات معني.

تشجيع إصلاح سياسي حقيقي في مصر

الإصلاح السياسي يجب أن يكون في مركز العلاقات الثنائية مع مصر
ينبغي للولايات المتحدة أن تعطي الإصلاح السياسي الأولوية على المسائل الأخرى التي كانت مركز العلاقات مع مصر مثل الاقتصاد والتجارة ودور مصر في حفظ الاستقرار الإقليمي. وعندما تركز الولايات المتحدة جهودها على هذه المسائل فأنها تسمح للنظام أن يحول الانتباه عن أدائه الهزيل فيما يتعلق بالتحرر السياسي. وباختصار فأن التركيز على القطاع الاقتصادي جاء على حساب الإصلاح السياسي.
تقوم العلاقات بين مصر والولايات المتحدة على أساس ضعيف وخفضت إلى دور مصر في عملية السلام الإسرائيلية العربية (مع إنجاز قليل في هذا المجال) والتبادل المخابراتي فيما يتعلق بالتهديدات والخلايا الإرهابية. بيد أن سياسات النظام أوجدت البيئة الاجتماعية والسياسية التي تثمر التطرف والإرهاب. ولذلك فأن تشجيع النظام على الاضطلاع بإصلاح سياسي حقيقي وتحرير نظامه السياسي هو الاستراتيجية الأكثر فعالية على المدى الطويل في خفض الإرهاب الذي يهدد أمن واستقرار كلا البلدين.

يجب على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في نهجها للنهوض بالديموقراطية
حتى الآن قام نهج أمريكا التقليدي في النهوض بالديموقراطية في الشرق الأوسط على الاستراتيجيتان: دعم المجتمع المدني والضغط لإجراء انتخابات "حرة نزيهة" وجاءت الاستراتيجيات بنتائج محدودة للغاية خاصة في مصر. ولئن كانت الاستراتيجية الأولي تلائم بعض البلاد العربية، فهي ليست بالضرورة ملائمة لمصر نظرا لمركزية الدولة وسيطرتها الكاملة، وتدخل جهاز أمن الدولة في الحياة السياسية مما يحول دون تزعم النشطاء في المجتمع عملية الإصلاح وإنجاز تقدم كبير من الداخل، وبالمثل فأن قصر الديموقراطية في مصر على صناديق الاقتراع لم يمكن غير قوة سياسية واحدة .. ،الإسلاميون، دون أن يوفر فرصة متساوية للجماعات السياسية الأخرى لتمثل وهذا شئ ظالم. وكانت هذه هي النتيجة الحتمية للقيود المشددة التي فرضها النظام على هذه الجماعات السياسية العلمانية.
يجب أن يبدأ النهج السليم بالضغط المباشر على النظام لتحرير النظام السياسي والميديا، وإلى أن يحدث هذا سيظل تأثير جهود الإصلاح الحالية للولايات المتحدة والمجتمع الدولي محدودا، بل توقف عملية الإصلاح الناشئة كلية مما يعرض الخطوات التي اتخذت للخطر. يجب أن تركز استراتيجية الولايات المتحدة على تعزيز دعاة الديموقراطية الليبراليين وليس فقط العملية الديموقراطية. ويجب أن تركز على الاولويات التالية.

إصلاح دستوري لتعزيز المبادئ الليبرالية والعلمانية
قام دستور مصر الحالي على مبادئ وأفكار متناقضة جعلت بنيته غير متماسكة ومختلطة فبعض المواد مثل تلك التي تعالج الحقوق المدنية نقلت من العصر الليبرالي في مصر، وأخرى مثل تلك التي تعطي الدولة دورا قياديا في التنمية الاقتصادية أو التي تتطلب حصول العمال والفلاحين على نسبة 50% من مقاعد البرلمان تعكس تأثير الاشتراكية، وتلك التي تجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع تصبغه بصبغة إسلامية. ومن الواضح أن هناك حاجة إلى تنقيح شامل للدستور تجعله أكثر تماسكا مع بث الروح التعددية فيه وجعله أكثر ليبرالية واعتدالا وعلمانية.
إصلاح قانوني تمهيدا لانفتاح النظام السياسي
يجب تعديل القوانين التي تتعلق بالأحزاب السياسية، والأنشطة السياسية والمجتمع المدني في مصر. فمثلا القانون الخاص بالأحزاب السياسية يتطلب من جميع الأحزاب السياسية الجديدة قبول نفس المبادئ الإسلامية والاشتراكية مما يعوق تجديد الحياة السياسية، ويحول دون التمايز الحقيقي بين الأحزاب. يجب تنقيح هذه القوانين للتشديد على مبادئ الحرية السياسية والتعددية مما يتيح الفرصة للأحزاب الليبرالية والعلمانية للازدهار وأن لم يكن لها حتى الآن قاعدة شعبية صلبة. وسوف تدخل الأحزاب الجديدة التي تقوم على المبادئ الليبرالية أفكارها على الحوار العام وهي الأفكار التي افتقدتها الحياة السياسية في مصر، وضمان ألا يحتكر الإسلاميون والقوميون العرب والاشتراكيون ساحة الحوار.
إعادة تشكيل النخبة السياسية
إلى جانب حث النظام على تغيير سياسته الداخلية على الولايات المتحدة أن تشجعه أن يغير المسئولين عن تنفيذ السياسات الجديدة وتوطيدها ،يجب إشراك الشخصيات الليبرالية في تولي المناصب الحكومية والإعلامية لكي يتمكنوا من تزعم عملية التغيير وتنفيذ الإصلاحات، وتحديث الخطاب السياسي، وخلق إطار سياسي يكون أكثر قبولا للتحول الديموقراطي. والطريقة الصحيحة للقيام بهذا هى تغيير عملية الاختيار للمناصب الحكومية، وحاليا يقوم اختيار الأفراد على مدي علاقتهم بسلطات الأمن أو من له خلفية تكنوقراطية. يجب على النظام أن ينقح عملية الاختيار والتجنيد لتشمل شخصيات جديدة من الليبراليين والمستقلين وأولئك الذين في امكانهم حقن النظام السياسي بأفكار جديدة.
لئن كانت الولايات المتحدة قد ضغطت على النظام منذ سنوات لإشراك المصلحين الاقتصاديين في الحكومة. فأنها لم تفعل هذا بالنسبة للمصلحين السياسيين .. على الرغم من أن المصلحين السياسيين المستقلين هم الذين يملكون القدرة الحقيقية على دفع عملية الإصلاح إلى الأمام.
تحرير الإعلام وانفتاحه
يجب تحرير الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية لكي يشتمل الخطاب السياسي على أفكار جديدة من شأنها أن تسرع بالتغيير في المجالات الأخرى. وحيث أن مركزية سلطة الدولة قوية جدا، وستظل كذلك لفترة طويلة فأن خصخصة الإعلام ليست "الحل السحري" لأن الدولة ستظل مسيطرة، وبينما الخصخصة قد تنجح على المدى الطويل يجب أن يكون التركيز في المدى القصير على تحرير جميع وسائل الإعلام ولأن لهذا القطاع التأثير الأكبر في توجيه الرأي العام ويدافع بقوة عن الوضع القائم. فأن تغييره هو التحدي الحقيقي. وبينما خضع أعلام الدولة للتحديث التقني، فأن التقدم في مجال الخطاب والأسلوب لازال متخلفا لأنه لا زال يعكس "صوتا واحدا" هو صوت القوميين العرب والاشتراكيين والإسلاميين الذين سيطروا على الأعلام المصري لعشرات السنين. يجب على الولايات المتحدة أن تحث النظام أن يفسح مجالا للآراء المتنوعة في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى.
تمكين المرأة
تمكين المرأة سياسيا يستحق عناية خاصة، فالمرأة لا تزال مهمشة ومبعدة من الصفوة السياسية ومن تولي دورا قياديا. وفي التقرير الاستراتيجي العربي لعام 2006 كان ترتيب مصر في ذيل القائمة فيما يتعلق بالوضع السياسي والاجتماعي للمرأة (75 من 87) وأوضح التقرير أن المرأة المصرية محظور عليها تماما الانضمام للتشكيلات السياسية الرئيسية ودوائر اتخاذ القرار. وكان هذا نتيجة للتمييز السياسي الذي يمارس ضد المرأة وبدور الاتجاهات المتطرفة والمتعصبة مما يسمح للمتطرفين الإسلاميين من اكتساب أرضية جديدة في المجتمع المصري.
يجب الضغط على النظام لإشراك المرأة في تولي المناصب القيادية الرئيسية بما فيها المناصب العليا على مستوي صنع القرار حتى لو بدأت العملية بشكل متواضع. وعلى الأقل البدء في تغيير عقلية النظام الأبوي التي سادت السياسات المصرية، إضافة إلى هذا ينبغي وضع قوانين جديدة تضمن تمثيل المرأة في المؤسسات السياسية مثل الحكومة والميديا التي تملكها الدولة والمجالس الإدارية والبرلمان. وحاليا تحتل المرأة 1.6% من مقاعد البرلمان.وفى بداية السبعينات خصص للمراة 30 مقعدا من عدد مقاعد البرلمان ال 444 ولكن فى بداية الثمانينات تم ابطال هذا التخصيص.
تغيير دور جهاز الأمن في الحياة السياسية
تعانى الحياة السياسية فى مصر من الدور المتنامى لإجهزة الأمن التى ليس لها حدود فى قدرتها للسيطرة على السياسات.ولم يتمثل ذلك فقط فى الصدامات بين قوات الأمن والمتظاهرين السياسيين ولكن فى الطريقة التى تسيطر بها أجهزة الأمن على كافة جوانب الحياة السياسية، بدءا من البنية الأساسية للحزب الحاكم وانتهاءا بالتدخل بجميع التعينيات فى الوظائف والمؤسسات العامة بما فيها وسائل الأعلام.
ما لم يتم أبعاد الأجهزة الأمنية عن الحياة السياسية فلن ينفتح النظام السياسى مطلقا.

الخلاصة
التوصيات المتعلقة بالسياسة في هذه الورقة ليست ثورية بل تقوم على نهج واقعي لتغيير النظام من الداخل من خلال تشجيع الأفكار والشخصيات الليبرالية في السياسة الداخلية المصرية. ويقدر لهذا ليس تغيير الوضع السياسي الداخلي في مصر فقط بل يمكن مصر أيضا أن تمهد الطريق لتحول إقليمي إلى مزيد من الانفتاح والاعتدال والاستقرار والسلام.
على المستوي الإقليمي تحطمت البيئة السياسية التي ظلت راكدة لسنوات طويلة، وحاليا هناك زخم من أجل التغيير في جميع أنحاء الشرق الأوسط والخطاب والحوار حول الإصلاح السياسي بلغ الذروة سواء داخليا وخارجيا.
لسنوات طويلة ظل السلام الفلسطيني الإسرائيلي بعيد المنال، والصعود الأخير لحماس يلقي ظلالا من الشك على احتمالات السلام، والوضع في العراق غير مستقر وتشكل سوريا تحديا أكبر عن ذي قبل. والفضائيات العربية في ذروة صبغ المشاهدين بالراديكالية. جميع هذه العوامل تحتم تشجيع قيام وضع معتدل في المنطقة باجندة تكون حجر الزاوية في تشجيع خطاب ليبرالي معتدل. وتملك مصر الامكانية أن تقوم بالدور القيادي في هذه العملية، ويعطي معني وفعالية للاستراتيجية الأمريكية في تشجيع الديموقراطية في الشرق الأوسط.

هالة مصطفي رئيسة تحرير مجلة "الديموقراطية الفصلية في القاهرة"