حزب الله وسياسة الكل فداء للجزء
د. وديع بتي حنا
wadeebatti@hotmail.com


برهن السياسيون العرب على مر العقود الاخيرة انهم اصحاب موهبة عظيمة في تتويج كل رئيس وزراء اسرائيلي جديد بطلا قوميا لدى شعبه وكأنهم يحتفظون بهديتهم له بمناسبة فوزه في الانتخابات فيمنحوها له في اقرب مناسبة بعد تشكيله للوزارة. هكذا فعلوا مع الجميع باستثناء شمعون بيريس , ربما لانه الاقرب اليهم او ربما لان هذا قد خذلهم مرارا فجرب حظه في الانتخابات ولم يفلح ولذلك لم يكن وجوده في رئاسة الوزارة إلا حالة ظرف استثنائي ومرحلة انتقالية. وهكذا وانسجاما مع تقاليد النخوة والشهامة العربية لم يبخل حزب الله على رئيس الوزراء الجديد اولمرت بالهدية المعتادة بل قدمها له على طبق من ذهب مصحوبة بألف قبلة في موكب جنائزي كبير!.

كان حظ المواطن العربي تعيسا عندما فعلت الصدفة فعلها ووقعت عين بعض السياسيين العرب على كتاب في الرياضيات حيث لم يخرج ذلك السياسي من ذلك الكتاب إلا بجملة واحدة او عبارة رياضية واحدة بقيت راسخة في ذهنه هي ان السالب في السالب ينجب موجبا فيستعملها في كل خطبه وخططه متصورا انه بمعرفتها قد تمكن من الرياضيات اكثر من فيثاغورس . وهكذا اصبحت هذه العبارة الرياضية محورا ومرتكزا لكل مغامرات السياسي العربي غير مبال بالرقم الموجب المتواضع الذي يحصل عليه بعد كل مغامرة فهو يقامر بالالاف من الضحايا والبنى التحتية لبلده بهدف تحرير نفر بسيط ويحسب ذلك انتصارا ثم ياتي في دورة لاحقة ليقامر بمئات الالاف وربما الملايين انقاما لالاف المرحلة الاولى ويحتفل بانتصاره ثانية وهكذا الى ان تدور المعركة في جولتها الاخيرة فيحسب السياسي العربي ماتبقى من وطنه بكامله علامة سالب يضربها في السالب السابق ليحصل منه على موجب بائس يحسبه نصرا يشرب نخبه على اطلال بلده. لا احد ينكر ان لكل مواطن حقوقا على وطنه والكل يذكر بتقدير الدور الذي تقوم به بعض الحكومات والمؤوسسات في معالجة المشاكل والمعضلات التي تجابه بعض مواطنيها ولكن يبقى الفعل الصحيح يتمثل في الحصول على افضل النتائج باقل التضحيات.

الى متى يبقى العرب يحاربون نيابة عن الاخرين؟ الى متى تبقى دماء المواطن المسكين وماله وحلاله فداء لتحقيق اجندة دول اخرى. أليس ما يحصل في لبنان يصب قبل كل شئ في صالح الاجندة الايرانية؟.الى متى يقبل العرب ان يحدد الاخرون توقيت بدء الصراع بل ويمنحون هؤلاء الاخرون حق التفرج على ذلك الصراع او اختيار شكل وزمن المشاركة فيه؟. ترى هل يتعظ السياسيون العرب وخاصة اصحاب الميول الايرانية منهم وهم يشاهدون حزب الله ابن ايران البار يتحمل خطيئة تدمير بلد بكامله و يتعرض لضربة ربما تكون قاضية او تؤدي على الاقل في عواقبها الى قصم ظهر ذراعه وكل ما تفعله ايران له هو اتصالا هاتفيا يعرب فيه الرئيس الايراني عن تضامنه مع الشعب اللبناني ويحذر اسرائيل من رد قاس في حالة تحرشها بسورية وكأن دماء السوريين تختلف عن دماء اللبنانيين علما بانه اي الرئيس الايراني يعرف يقينا ان اسرائيل لن توجه ضربة لسورية إلا في التوقيت والشكل الذي يناسبها. ان السؤال الذي يطرح نفسه يكمن في الاسباب التي تحول دون ان توجه القيادة الايرانية انذارا واضحا لاسرائيل يدعوها للتوقف عن استهداف الشعب اللبناني وبنيته التحتية ام انها قد قررت ضمنا تقديم لبنان قرباناعلى مذبح اجندتها.

ان النموذج اللبناني يؤكد صحة التخوف الذي يبديه معظم العراقيون من ظاهرة انتشار ونفوذ الميليشيات كونها ظاهرة خطيرة تهدد امن البلد واستقراره حيث اثبت تصرف حزب الله في قراره الدخول في المواجهة ان قصر بعبدا ليس إلا كتلة كونكريتية تفتقر الى الحدود الدنيا من الاعتبارات السياسية وان رئيس الجهورية والوزارة الوزراء ليسوا إلا قطعا في ( سبحة ) الشيخ حسن نصرالله . انه لغريب حقا ان لايشعر رئيس الدولة بالمهانة ويبقى قابعا في منصبه وهو القائد الاعلى لجيش بلده وقرار الحرب او وقف اطلاق النار ليس في يده! انهم رؤساء نهاية الزمان, يأكلون ويشربون , يتزوجون وينجبون لكنهم لايحلِون ولايربطون. اما اقطاب المعارضة اللبنانية او ما يطلق عليهم قوى 14 اذار الذين يدعون الى الوحدة ورص الصف لمجابهة العدوان فهم يستخدمون اللعبة السياسية بدهاء في تحريض حزب الله الى المضي في المجابهة فينتظروا ذلك اليوم الذي ستنفض فيه المعركة غبارها وتحين ساعة الحساب فيقدم حزب الله تقريرا بحسابات الحقل والبيدر فيحلو انئذ الكلام , ان هذه القوى المرتبطة برئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري تشعر اليوم ان الحريري يُقتل من جديد من خلال التدمير الهائل بالبنى التحتية, بالجسور والطرق والمطارات التي ترتبط باسم الحريري وجهده وعهده.

ان معضلة بعض السياسيين في الشرق الاوسط تكمن في انهم يعيشون زمنا متأخرا فهم لايستطيعون ان يدركوا ان الاعلام الغربي ترك شعوبهم قد سئمت الحروب وكرهت اصوات الانفجارات والبارود وخاصة بعد ان تمكنت نانسي عجرم من توجيه طلقة الرحمة على( نشيد اهلا اهلا بالمعارك ) ولذلك ينبغي على هؤلاء قراءة الواقع بنظرة جديدة والتعلم من الاخرين فهاهي الحكومة الفرنسية تعطي لنا مثلا طازجا في كيفية التصدي للتحديات من خلال الطريقة التي تنتصر فيها لرئيس فريقها في المونديال زيدان ووالدته كما اعطت لنا الحكومة العراقية قبلها مثلا اخرا عندما انتصرت للشهيدة عبير واهلها!.