وصول حماس غير من طبيعة الصراع مع الصهاينة
 أ.د. محمد اسحق الريفي
riffim@gmail.com


شهدت الساحة الفلسطينية مؤخراً أحداثاً كثيرة أدت إلى تبديد الكثير من الأوهام التي تسربت إلى عقولنا وعششت فيها دهراً، وقد أشار مثقفون ومفكرون إلى تلك الأوهام وتناولوها في كثير من مقالاتهم، وربما تشكلت لدى الكثير منهم قناعات جديدة وتبلورت لديهم رؤى لا يشوبها غبش تلك الأوهام، وقد آن الأوان أن ينعكس ذلك إيجابياً على واقعنا وطريقة تعاطينا مع القضية الفلسطينية والقضايا المصيرية الأخرى.
إن وصول حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى الحكم والسلطة، ورفضها التفريط بالحقوق والثوابت، وعدم رضوخها للضغوط الدولية ومطالب المجتمع الدولي الجائر، ونجاحها في الجمع بين المسار السياسي الدبلوماسي والمقاومة قد غير من طبيعة الصراع مع الأعداء الصهاينة والغربيين وفرض واقعاً جديداً على العالم بأسره، ووضع المثقفين والمفكرين وعلماء المسلمين والقادة السياسيين وباقي فئات شعوبنا أمام مسؤوليات عظيمة توجب عليهم دعم ثقافة المقاومة الإسلامية واتخاذها منطلقا لاسترداد الحقوق واستنهاض الأمة وتحريرها وإعادة حقوقها المسلوبة.

وفي هذه اللحظات الحاسمة نشهد تحقق الوعد الذي قطعته حماس على نفسها بلسان رئيس مكتبها السياسي، المجاهد خالد مشعل، بإجبار الاحتلال على التفاوض مع حماس ولكن بطريقة مختلفة تماماً عما عهده الاحتلال الغاشم والعالم من مساومة واستجداء وتوسل، فبعد تبديد وهم القوة العسكرية الأسطورية للكيان الصهيوني وتمريغ أنوف جنود الاحتلال الجبناء في رمال غزة وإجبارهم على الاندحار والفرار أمام ضربات كتائب الشهيد عز الدين القسام، التي كبدتهم الخسائر الفادحة، ومعها فصائل المقاومة الإسلامية والوطنية الفلسطينية جميعاً، بعد كل ذلك سيضطر قادة الاحتلال المجرم إلى الرضوخ لمطالب حماس والانصياع لمطالب الشعب الفلسطيني العادلة بتحرير أسرانا البواسل من سجون الاحتلال والكف عن الاعتداءات الغادرة.

إن مرحلة ما بعد تبديد الأوهام تستوجب منطقاً جديداً أساسه أنه إذا ما أتيحت الفرصة لشعوبنا المسلمة لمواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني فستكون قادرة على دحره وإرغامه على التقهقر والفرار، فإرادة شعوبنا المسلمة التي تخلصت من الأوهام لا تغلبها قوة في الأرض. كما أن هذه المرحلة تقتضي من المفكرين والمثقفين وعلماء المسلمين أن يقوموا بواجبهم في توظيف تبديد تلك الأوهام في إعادة ترتيب أوليات شعوبنا وتشكيل وعيها، لتصبح قادرة على الدفاع عن نفسها أمام الهجمة الأمريكية الصهيونية، ولتحمل رسالة الإسلام للبشرية الظمأى لنوره وعدله ورحمته، بعد أن أحال الأمريكيون والصهاينة حياة البشر إلى جحيم، وأصبح مشروع إمبراطورية الشر والاستكبار الأمريكية يمثل تهديداً جدياً للوجود الإنساني.

إن القيمة الفعلية لتبديد الأوهام تكمن في تمكن شعوبنا من الاستفادة من هذا التحول الخطير في الوعي والإدراك وتوظيفه في إحداث ما تنشده من تغيير في مجتمعاتنا للخروج من حالة الضعف واستنهاض الأمة وتحريرها من التبعية والاستبداد، فماذا نجني من تبديد الأوهام إذا بقيت أوضاعنا كما هي. وفي ظل الهجمة الأمريكية الصهيونية على أمتنا، ودعم واشنطن لأنظمة الحكم المستبدة والفاسدة في بلادنا، لا تحتمل أوضاعنا إضاعة المزيد من الوقت، ولا يمكن السماح باستمرار سيطرة الأوهام والضلال على أذهان الكثيرين من أبناء شعوبنا ووجدانهم.

لقد انخدع الكثير من أبناء شعوبنا بحقيقة الصراع مع الكيان الصهيوني عندما عولوا على حلول التسوية في إعادة حقوقنا المسلوبة، ما أدى إلى إضاعة كثير من الوقت وتمكن ذلك الكيان الغاصب من التوسع وتطبيع علاقاته مع عدد من الدول العربية والإسلامية. وفي غضون سنوات استبداد الوهم بعقول شعوبنا، تحول الاحتلال إلى كابوس ثقيل يجثم على صدر شعبنا الفلسطيني ويهدد أمتنا ومنطقتنا بأسرها، كما تمكن الاحتلال خلال سنوات الوهم والجمود من اختراق أذهان الكثير من المثقفين وتجنيدهم لتحقيق مآربه وأطماعه الشريرة وإشاعة ثقافة الهزيمة ولتضليل شعبنا وملء العقول بالأوهام.

ومن أهم عوامل انتشار تلك الأوهام البعد عن الإسلام منهجاً وسلوكاً، فمن السهولة بمكان أن تصرع تلك الأوهام كل بعيد عن الإسلام وتصيب إرادته في مقتل، وعندها لا تجد معاني العزة والكرامة والصبر والتضحية والاحتساب إلى نفسه سبيلاً، فيسهل عليه التفريط بالعرض بعد تفريطه بالدين والأرض. أما من التزم الإسلام منهجاً وسلوكاً فلا مجال لأن تساوره نفسه بالانكسار أمام الأعداء أو تبيح له التنازل عن الحقوق والتفريط بها، وما تشهده أمتنا من انبعاث بعد موت، وعزة بعد انكسار، وأمل بعد يأس، وكرامة بعد ذل يرجع إلى تخلي شعوبنا عن ثقافات الانهزام والاستسلام والعودة إلى المنهج الإسلامي الرباني، وهبتها لمقاومة العدوان الأمريكي الصهيوني.

لقد مثلت الإنجازات التي حققتها حماس معلماً مهماً ورسالة بالغة الأهمية للعرب والمسلمين ووضعتهم وجهاً لوجه أمام الحقيقة، وأتاحت لهم فرصة ثمينة لمحاسبة النفس وإعادة النظر في المنهج والتفكير، وفتحت لهم آفاقاً جديدة لمشروع إسلامي نهضوي تحرري، ولم يعد أمام شعوبنا العربية والإسلامية بعد تبديد الأوهام أي ذريعة لتتلكأ وتنخدع وتواصل ترددها الذي أوردها العار والدمار.
فعلى شعوبنا ألا تعول على الأنظمة الحاكمة وانعقاد ما يسمى بالقمة العربية، فلا وظيفة لأنظمة الحكم غير قهر شعوبنا وتكبيلها وكسر إرادتها، إنها مجرد أدوات أمريكية ترعى المصالح الأمريكية والصهيونية والغربية وتمنع شعوبنا من القيام بواجبها في التصدي للمخطط الصهيوني ونصرة الشعب الفلسطيني المرابط المصابر.

وعلى الانهزاميين أن يفيقوا من غفلتهم ويكفوا عن ترويج الأوهام والدعوة إلى الاستسلام بذريعة البراغماتية ومسايرة المجتمع الدولي واحترام ما يسمى بالشرعية الدولية، لقد أدخل هؤلاء الانهزاميون شعوبنا في متاهات الديمقراطية والليبرالية والعلمانية وغيرها من الأوهام، فزادوا شعوبنا تمزقاً وضلالاً وذلاً، وشغلوها عن أداء واجبها في مقاومة الأعداء بسفاسف الأمور، وجعلوا من مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والثقافية بؤراً لنشر الأوهام ومحاضن لثقافة الانهزام.

لقد أماطت عمليات تبديد الأوهام المستمرة اللثام عن العدو الحقيقي لأمتنا وشعوبنا فهل اتخذناه عدواً!! أم أن تبديد الأوهام والظنون يبقى في إطار الترف الفكري والتنظير السياسي!!