آخر الرجال المحترمين
أحمد زكارنة
7 تموز 2006


وصفوه بالغوغائي " فصمت " .. وصفوه بالمتأمر " فصمت " .. وصفوه بالامريكي
" فغضب" .. ظناً منه ان الغضب قد يدب فيهم الحراك .. كلها اوصاف لجائعٍ تعجب من أمر صمته "علي بن أبي طالب "رضى الله عنه " فقال : أعجبُ من جائعٍ لم يستل سيفه .. أما في زماننا الفلسطيني المتصدع ، فيوصف الجائع بما أنزل الله به من اوصاف فقط لاعتراضه على جوعه بعد تأخر راتبه لاربعةِ أشهر ونيف .. وجراء اقتحامه العسكري المدجج بالصراخ والعويل لقاعة التشريعي العليل .
الاوراق على ساحتنا الفلسطينية تختلط كخليط الالوان الزيتيه لرسام إعتاد العمل بالالوان المائيه .. فالموظفُ الغاضب جراء تأخر راتبه وحتى اليوم الخامس بعد المائه وبالرغم من صبره رافضا التعاطي مع مقولة علي " رضى الله عنه " وصف بما نعت .. فيما يوجد هناك ووسط ساحة النزال من حرق الوطن برمزيته من رفح الى رام الله مستعملاً صواريخ ال " ار بي جي " والقنابل اليدوية والرصاص في عدة هجمات عدوانية علي مقرات الوقائي ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي ، ولم ينعت لا هذا ولا ذاك باقل الاوصاف .
الأمرُ غريب ولكن مشاهد الامتيازات الوظيفية هى الاغرب حتى اللحظة ، خاصةً وأن مُشاهديها هم حصرياً معشر الموظفين في الارض .
المشهد الاول
عاملُ شركة الكهرباء ومساعديه وكوني لم اقدم الشهادة الوظيفيه " قسيمة الراتب " يحاصرون منزلي بغية قطع التيار حتى يكتمل الحصار ، ليصل الى حد منعي من متابعة مونديال الكبار .
لم ينقذني من قطع التيار الا مدير فرض الحصار الكهربائي أو فكه " العزيز ابو السعيد " الذي خاطبني مازحاً " إن كان القطع عنك وحدك فليكن أما زملائك فالقطع عنهم حرامٌ حرام " .
مدير الشركة الاخ هاني غوشه تدخل لفك الاشتباك المغلف بالمزاح قائلا لابو السعيد " بيعينك الله هذا موظف غلبان " ليلتفت نحوي معاتباً لماذا لم تأتي ب " قسيمة راتبك " كي تثبت لعامل القطع والربط انك موظف اصبحت رقماً يحصى في مكاتب وكالة الغوث .
المشهد الثاني
جاء سمعي ضمن حوار دار بين زوجتي وصغيري المُصدر طوعاً مع اخوته الى بيت جدته هرباً من حصار مفروض على الصغار قبل الكبار .. خالد طلب من أمه أن تأتيه بشكولات ال " كندرز " صاحبة الشواقل الثلاثة في بورصة الحلويات .. الطلب لم يزعجني قدر ما ازعجني انه آتٍ من أصغر الاشقاء الثلاثة ، إذ أصبحت مُطالب بضرب الثلاثة في ثلاثة هم عدد الشواقل في عدد الاولاد .. ما يعني تكلفتي بشكل طارئ تسعة شواقل لا أملك سواهم إلا ورقة خضراء تعد بالارقام عشرين شيكل .. فهل من مخرج يطرحه على أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة الوزراء الاجلاء ؟.. ام يجب علي طرح السؤال على السادة مدراء وكالة الغوث الدولي ، خاصة بعد اتخاذ القرار بفك الحصار بقليل من الزيت والارز وربما الخضار !..
المشهد الثالث والاخير
نوابُ الشعب في الصف التشريعي الثاني وفي نزالٍ بات معهود من فواصل الردح الدستوري علي الهواء مباشر ، وعبرَ عدد لا بأس به من شاشات الفضائحيات وبعد أخذٍ ورد ، وكي لا تُصبح قضية الرواتب القنبلة الموقوتة تحت طاولة الحوار ، صوتوا وصرخوا وهللوا لصالح تأجيل مناقشة جوع الشعب المغرد خارج السرب حتى أشعار آخر ..
أيها السادة نواب الشعب .. إن الدودَ بات من الجوع يأكل أمعائنا ، وأنتم لازلتم تناقشون إن كنتم ستناقشون قضية الجوع الجماعي ام لا .. وعليه نتسأل بلسان شاعرنا المصري الحبيب فاروق جويدة .. هل ينفعُ الدمعُ بعد اليوم في وطنٍ .. من حرقة الدمع ما عادت له مقلُ .. في جُرحنا الملحُ هل يُشفي لنا بدنٌ .. وكيف بالملح جُرحُ المرء يندملُ .
إننا معشر الموظفين وسواء تأمرت أمريكا مع عامل الكهرباء ام لم تتأمر .. وإن اصبح التاجر هو المعيل لصغيري أم صندوق الانروا .. وأمام هذا الحصار الجائر من الصديق قبل الغريب .. وفي ظل عجزنا أمام مطالب صغارنا .. وكون الرجل هو رب البيت .. أصبحنا نحن معشر الموظفين وكونكم نوابنا المخلصين .. نشعر بأننا آخر الرجال المحترمين .