حماس والمراهقة السياسية والزنى الأمني
أحمـد الريمـاوي
رئيس اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين بالسعودية
عضو اتحاد المؤرخين العرب
عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب
ahmad@alrimawi.com



من الطبيعي أن يكون للحكومات والدول وكذلك الأمر للحركات التحررية استراتيجيتها العليا التي على أرضيتها ترفع شعاراتها وخططها السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، كما تحدد أدواتها التي ستستخدمها للوصول إلى أهدافها، من خلال رؤيا واضحة وصريحة على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

من الطبيعي أيضاً في علم السياسة أن تظهر في المساحة المتاحة للعمل السياسي المؤشرات الإيجابية التي تساعد على التمييز بين التكتيكي والاستراتيجي، وكذلك المؤشرات السلبية التي تؤدي إلى الخلط وعدم التمييز بينهما، فالقيادة السياسية الناجحة هي التي تستطيع برؤيتها إلى المستقبل المنظور أن تتخطّى إشكالية الخلط،، وأن تتخطى إشكالية الراهن السياسي إقليميا ودوليا، هذا الراهن الذي قد يتقاطع أو يتنافر مع كُنه التكتيك أو جوهر الاستراتيجي، وأن تتخطى إشكالية عدم القدرة للوصول إلى تحقيق الاستراتيجية العليا بالتركيز على وضع استراتيجيتها المرحلية كرافعة احترازية لثوابت أساسية تسعى إلى تحقيقها.

فالصهيونية مثلاً كحركة عنصرية واستيطانية حدّدت معالم استراتيجيتها العليا منذ البدء في مؤتمرها الأول في مدينة بال بسويسراعام 1897م، وما أن تم إعلان قيام دولة إسرائيل في 15/5/1948م حتى رفعت شعارها في مبنى الكنيست: "من الفرات إلى النيل أرضكِ يا إسرائيل"، محاولة التعبير عنها في نشيدها الوطني وفي تصميم النجمة السداسية بين خطين أزرقين في عَلَمها، وسكّت خارطة تمثل إسرائيل الكبرى على العملة النقدية المتداولة فئة العشرة آغورات، كما عبّرت عنها في ثقافتها وإعلامها وفي برامجها السياسية وفي خططها العسكرية والأمنية وغيرها. إلاّ أن تَمَلُّك ناصية فنِّ الصراع من قِبل الثورة الفلسطينية في النصف الثاني من القرن العشرين، قَلَب الموازين رأساً على عقب، مما أجبر رابين وحزب العمل وحكومة إسرائيل إلى وضع وتحديد وتبني استراتيجيتها المرحلية بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هذا الشعب الذي قالت عنه جولدا مائير خلال زيارتها إلى واشنطن في مؤتمرها الصحفي عام 1972م: "لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني ... نحن الاسرائيليون الشعب الفلسطيني"!! كما أجبرالفعل الفلسطيني الثائر بوعيٍ وبصيرةٍ إسحق شامير من قبل رابين الذهاب إلى مدريد رئيساً للوفد الاسرائيلي، ليعقد الوفد الاسرائيلي مباحثات ثنائية مع الوفد الفلسطيني برئاسة الدكتور حيدر عبد الشافي، ثم إجراء لقاءات سرية في أوسلو مع ممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية أدت إلى إتقاق "إعلان المباديء" الذي تم التوقيع عليه في حديقة البيت الأبيض في واشنطن في 13/9/1993م.

أما منظمة التحرير الفلسطينية فقد وضعت استراتيجيتها العليا منذ البدايات بتحرير فلسطين بحدودها التاريخية كلها، كما ورد في البند الثاني من القرارات السياسية لدورة المجلس الوطني الفلسطيني الأولى في القدس الشريف بتاريخ 28/5-2/6/1964م: "للشعب العربي الفلسطيني بموجب الأعراف الدولية والمباديء المقررة، الحق في أن يناضل في سبيل تحرير وطنه بكافة الوسائل مدعوماً بمساعدة الدول العربية الشقيقة والدول المحبة للسلام"، ولقد عبرت المنظمة عن هذه الاستراتيجية في نشيدها الوطني وفي تراثها الشعبي وفي عَلَمها وفي ثقافتها وإعلامها وفي برامجها السياسية وفي خططها الأمنية وفي ميثاقها الوطني، إلاّ أنها عبر سجلها النضالي الحافل بالعطاءات وبعد مستجدّات حرب أكتوبر عام 1973م والحديث عن عقد مؤتمر جنيف للسلام بدأت برسم استراتيجيتها المرحلية، ففي الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقدة في القاهرة بتاريخ 1-9/6/1974م، أي بعد عشر سنوات من النضال، وضعت برنامج النقاط العشرة، حيث ورد في النقطة الثانية منها: "تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية الفلسطينية المقاتلة على كل جزءٍ من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها، وهذا يستدعي المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله"، ليستمر النضال الفلسطيني في مراحله المختلفة وليستمر الإنجاز في مَساره التاريخي ولتضع المنظمة استراتيجيتها المرحلية بما يتلاءم وينسجم مع متطلبات ومستجدات المرحلة، فانبثقت وثيقة "إعلان الاستقلال" في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني دورة الشهيد خليل الوزير أبو جهاد المنعقدة في الجزائر بتاريخ 15/11/1989م كثمرة من ثمار الانتفاضة الديسمبرية التي انطلقت في السابع من كانون أول/ ديسمبر 1987م والتي جاء فيها: "إستناداً إلى الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين، وتضحيات أجياله المتعاقبة ودفاعاً عن حرية وطنهم واستقلاله وانطلاقاً من قرارات القمم العربية ومن قوة الشرعية الدولية التي تجسدها قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1947م، وممارسة الشعب الفلسطيني لحقّه في تقرير المصير والاستقلال، فإن المجلس الوطني الفلسطيني يعلن باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف".

عبر ظُلمة حرب الخليج الثانية عام 1990م مرّرت الولايات المتحدة الأمريكية خطّتها في منطقتنا العربية بالدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام "مؤتمر مدريد" عام 1991م بعد الحصار المالي والسياسي والدبلوماسي الذي مارسته على منظمة التحرير الفلسطينية في المجالين الإقليمي والدولي ، إلى الحد الذي أودى برئيس دولةٍ عربيةٍ أن يهدّد الوفد الفلسطيني الذي كان في زيارته قائلاً: "ستُغلق أمامكم جميع العواصم العربية إذا لم تذهبوا إلى مدريد"!! أقول عبر هذه الظلمة جاء مؤتمر مدريد وشاركت فلسطين بوفدٍ مشترك مع الأردن، لتخوض معركة التّمثيل بوفدٍ مستقلٍّ من المقيمين بالأرض المحتلة حسب طلب إسرائيل، ولكنه في الواقع كان ممثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية وليس كما تريد إسرائيل، ومع جولاته المكّوكية كانت جولات سِريّة تجري في أوسلو أسفرت عن اتفاق "إعلان المباديء" الذي بما له من إيجابيات وما عليه من سلبيات تم بموجبه دخول قيادات وعناصر منظمة التحرير الفلسطينية إلى أرض الوطن، وتم تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية وإجراء الانتخابات لتشكيل مجلس تشريعي فلسطيني.

بهذه التكاملية في حلقات الاستراتيجية المرحلية، صدّت منظمة التحرير محاولة الالتفاف على الثوابت الفلسطينية، وأجهضت كل محاولات الضغط التي مارسها رئيس الولايات المتحدة الأمريكي بيل كلينتون ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك على الرئيس الشهيد ياسر عرفات في لقاء كامب ديفيد الثانية في الحادي عشر من تموز/ يوليو2000م، فكانت اللا الفلسطينية على لسان قائدها الصاعق الذي أذهل القاصي والداني.

بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الثانية في 26يناير/ كانون الثاني 2006م والتي كانت تكفّر من يشارك فيها سابقاً، كان عليها أن تتمسّك بهذه التكاملية في حلقات الاستراتيجية المرحلية، وأن تكمل المشوار السياسي والدبلوماسي الطويل على درب التحرير والنصر وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين بموجب القرار 194 مستثمرةً قرارات الشرعية الدولية ومبادرة القمة العربية في بيروت في آذار/مارس 2003م، لا أن تغرق في وحل عزلتها محلياً وإقليمياًّ ودوليًّا، مزهوّةً بمراهقتها السياسية والدبلوماسية التي أوقعتها في كثير من الأخطاء والخطايا والعثرات. ولكم حزنت على ما ألنا إليه وأنا أسمع خطابات بعض المتطاوسين منهم وبعض البارونات وبخاصة المقيمين خارج فلسطين، كما تألّمت لمظاهر هذه المراهقة السياسية في تصريحات وزير الشئون الخارجة للسلطة الوطنية الفلسطينية في كوالالمبور،

كان على حماس أن تسرع الخطا للولوج في رحاب منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ثم تبدأ بالتفعيل والإصلاح، لا أن تهدم البيت لتجلس على أنقاضه وهي تعلك انفصامها السياسي الذي لن تشفى منه إلاّ إذا أدركت أنها حركة وطنية قلباً وقالباً تتناغم مع المشاريع الاسلامية بما لا يتناقض والمشروع الوطني الفلسطيني أو يلغيه، وبما يضمن عدم الوقوع في أحضان محورٍ إقليميٍّ يريد أن يستغلّها وأن يستنزفها لتحقيق مصالحه الخاصّة ثم يلقي بها في قمامة الاستغلال السياسي.

كان على حماس أن تخلع ثوب المعارضة وأن لا تستمر في تمثيل دور الضحية للدفاع عن ممارساتها العشوائية منذ اللحظة التي شكلت بها حكومتها، حاملةً بالعرض سيف تصفية الحسابات لتثأر من أعدائها لا الصهاينة بل في الأجهزة الأمنية، مما أوقعنا من جديد في دوّامة الفلتان الأمني الذي كانت تعاير وتشهّر بل تُعَهّر فيه الحكومة السابقة. أين شفافية الدعوة إلى الحق التي كانت تمارسها حماس؟ أين نقاء التربية الروحية التي نشأت وترعرعت عليها؟ وأين المقاومة التي تسمّت بها وكانت رأس المثلث لبرنامجها الانتخابي مع التغيير والإصلاح؟ وأين وأين وأين ونحن نرى البعض من قياداتها يمارس فُجوره الإعلامي وفُسوقه الكلامي الذي يصمّ الآذان عبر الفضائيات ووسائل الإعلام.

كان على حماس أن تحافظ على بكارة وطهارة شعاراتها في المقاومة والجهاد، لا أن تمارس هذا الزِّنى الأمني بتشكيل القوة التنفيذية التابعة لوزير الداخلية، ممارسةً لعبة استغلال الوقت، لتملك جيش "المرابطون"باستعدادات عالية للقتال، وامتلاك أسلحة متطورة من بنادق "إم16" وقاذفات "آربي جي" وعبوات ناسفة وراجمات صواريخ، لتفرض سياسة الأمر الواقع لا على قوات الاحتلال الصهيوني بل على قوات الأمن الفلسطيني التي تتسلح ببنادق كلاشنكوف قديمة، فهل شعار التغيير والإصلاح الذي رفعوه في برنامجهم الانتخابي يتأتى بسياسة الحديد والنار؟ وهل نسوا قوله تعالى في محكم التنزيل "ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك"؟. كان على حماس أن تحافظ على أبعادها الروحية والدينية التي استمدتها من رحابة وسماحة ديننا الحنيف، وأن لا تستغل المساجد في تسويق بضاعتها بتغليفها بسوليفان الدين حتى لا يكونوا كمن جاء فيهم قوله تعالى:"والذين اتخذوا مسجداً ضِراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين". (سورة التوبة. آية 107)

كان على حماس أن تجمع الأطياف السياسية الفلسطينية في حكومة وحدةٍ وطنية، لا أن تتملّكها النّرجِسِيّة الفصائلية لتعلن لوحدها عن تشكيل الحكومة، عندما وضعت العربة قبل الحصان بشروطها التعجيزية للفصائل والكتل البرلمانية المختلفة، لتفاجئنا بنشازها بدلاً من تناغمها مع الثقة التي منحها لها الناخب الفلسطيني، وبهبوطها إلى قاع أهوائها الذاتية السحيقة بعبثيةٍ مقيتةٍ بدلاً من صعودها إلى سلّم أولوياته.

كان على حماس أن تكون أول المؤيدين لوثيقة الوفاق الوطني "وثيقة الأسرى" لا أن ترفضها كما رفضها أولمورت، لأن الإجماع عليها يقضي على الفلتان السياسي الفلسطيني وبالتالي يحرجه لوجود شريك فلسطيني للتفاوض مما يؤدي إلى عدم القدرة على تنفيذ مخططه أحادي الجانب في ترسيم حدود دولته، وبرفضها هذا تكون قد زادت من شدة الخلاف والاختلاف وقدّمت لأولمورت هديتها الجانية، إضافةً إلى هديتها المجانية الثمينة عندما أعلنت هدنتها مع رفضها للتفاوض.
وأخيرا كان على حماس أن تبصر الرؤية الفلسطينية النيرة في تبني الاستراتيجية المرحلية وعيونها تشرئبّ إلى استراتيجيتها العليا، لا أن تتكلّس وتتحنّط وهي تردّد بطريقة دونكيشوتية:"الكلّ أو لا شيء" وهي متّكئة على ضبابية الانغلاق وسرابية الانكفاء بدلا من نقاء الانفتاح وبهاء الانطلاق وشفافية وضوح الرؤيا التي يتحلى بها المشروع الوطني الفلسطيني الذي قدمته منظمة التحرير الفلسطينية.