بسم الله الرحمن الرحيم
د. أحمد صبحى منصور
الاستحقاق السياسى فى تاريخ المسلمين
تاريخ المسلمين بين الشرعية الالهية والشرعية السياسية :


1 ـ بايجاز شديد :العدل هو الشرعية الالهية وما ينبغى أن يكون . العدل هو جوهر الاسلام. تطبيق المسلمين للعدل كأن فى أروع مظاهره وقت نزول القرآن فقد كان الوحى القرآنى يصلح ويقوّم مسيرة النبى والمسلمين. بدأت الفجوة بعد موت النبى محمد فى عصر الخلفاء الراشدين بالفتوحات والفتنة الكبرى ، وتعاظمت بالظلم وقهر الشعوب غير العربية فى الامبراطورية الأموية الفاتحة . ثم تم صبغ هذا الظلم بصبغة دينية مزيفة بالأحاديث والتفاسير والتأويل فى العصر العباسى ، حيث أدت الفجوة بين الاسلام والمسلمين الى انشاء أنواع مختلفة من التدين أهمها السنة والتشيع والتصوف ، كل منها ينتسب للاسلام ويخالفه فى نفس الوقت . هذه الدول الأموية والعباسية والفاطمية والطولونية والاخشيدية والعثمانية .. الخ ..كلها قامت بالقهر والظلم ولكنها بالاستحقاق ومنطق القوة ـ كانت ولا تزال ـ شرعية سياسية لا بد أن نعترف بها تاريخيا ، كما اعترف بالتبعية لها ملايين البشر الذين عاشوا فى كنفها.
2 ـ على المستوى السياسى الواقعى وبعيدا عن العدل والأخلاق وما ينبغى أن يكون وبمقياس القوة وحدها ـ أى بالشرعية السياسيةأو الاستحقاق ـ فان الأقوى هو الذى فرض شروطه وأقام واقعا سياسيا . ثم تعدى الأمر الى استئجار فقهاء يقيمون له تبريرا دينيا و أخلاقيا بأحاديث وفتاوى، مالبث ان نشأ عنها نوعيات من التدين والطوائف والفرق الاسلامية.
زاد فى الأمر سوءا أن المستضعفين أيضا دخلوا فى ميدان التدين عن طريق فقهاء ينتمون للعوام أوالدعاة الثائرين والمحتجين على النظم القائمة بالقوة واستحقاق الطاعة بالقهر والعنف. أولئك الفقهاء أيضا كانت لهم آراؤهم التى حملتها أحاديث منسوبة للنبى محمد وفتاوى منسوبة لأصحابه وكبار العلماء من الصحابة والتابعين قبل عصر التدوين. تكون التراث "الاسلامى" من مزيج من كل هؤلاء الفقهاء على اختلافاتهم المذهبية والسياسية
3 ـ تاريخ المسلمين هو أبرز ملامح العصور الوسطى المشهورة بتعصبها وتزمتها.
لولا الوهابية كان يمكن أن يظل تاريخنا فى العصور الوسطى مجرد تاريخ مضى ندرسه لمجرد العلم وليس التطبيق بأثر رجعى ، وكان يمكن أن يظل تراثنا العباسى والفاطمى مجرد تراث انتهت فترة صلاحيته ولم يعد صالحا للاستهلاك الآدمى فى عصر الحرية والديمقراطية وحقوق المواطنة وحقوق الانسان .
كانت مصر فى مطلع القرن التاسع عشر رائدة التحديث واليقظة ، تتأهب للأخذ عن الغرب واللحاق به فى نهضته ، وكانت اليابان تتبع خطى مصر فى هذا التحول من العصور الوسطى الى العصور الحديثة. ولكن أصيبت مصر والعالم العربى والاسلامى بالوباء الوهابى.
الوهابية هى أشد أنواع ثقافة العصور الوسطى تعصبا وتزمتا وتخلفا . وتتعاظم المصيبة حين نمارس هذه الثقافة فى عصرنا الراهن باسم الاسلام ، وحين نضع أئمتها من الفقهاء القدامى والمحدثين فى موضع التقديس والتأليه، بحيث يصبح نقد أفكارهم خروجا على الاسلام.
هذا ما جنته الدولة السعودية على الاسلام والمسلمين. أرجعت ظلم العصور الوسطى من استبداد وفساد وتخلف وتعصب الى عقلية المسلمين باسم الاسلام وهى تناقض الاسلام على طول الخط ، فاكتوى بها العالم كله ـ ولا يزال.
ولكن الدولة السعودية بمنطق القوة والاستحقاق هى دولة شرعية ، وستظل دولة شرعية طالما كانت الاسرة السعودية تتحكم فى مقاليد الأمور، فاذا قامت ثورة أسقطت الحكم السعودى وتحكمت بالقوة فى مقاليد الدولة الجديدة فلا بد للعالم أن يعترف بها ، فقد استحقت الشرعية السياسية. هذا بغض النظر عما اذا كانت الدولة الجديدة ستطبق العدل أم لا.
ونعطى عرضا سريعا لتاريخ المسلمين بين شرعية العدل الالهى والاستحقاق القائم على القوة، أو الشرعية السياسية.
[1]في عهد النبوة :دور الوحي في توجيه حركة النبي لتطابق حركته البشرية المشروعية الالهية :
نزلت الرسالة السماوية الاخيرة قرآنا محفوظا من التحريف والتغيير في نصه ولفظه ليكون حجة علي البشر حتي قيام الساعة .وفي القرآن جانب هام يعزف المسلمون عن التدبر به لأنه يخالف نوعيات التدين السائدة عندهم ،وهو العتاب واللوم الذي كان يوجهه الله تعالي الي الانبياء خصوصا خاتم النبيين عليهم السلام ،اذ ان نوعيات التدين لدى المسلمين تؤلّه الانبياء فضلا عن غيرهم من الصحابة والائمة والاولياء. والتدبر في هذا الجانب يهز ذلك الاعتقاد عند المسلمين .
ويهمنا ان القرآن يؤكد علي بشرية الأنبياء ،ويؤكد علي ان عصمة النبي محمد تكون بالتوجيه الالهي الذي يتابع النبي بالتصحيح ،وفي ذلك يقول تعالي لخاتم النبيين ( قل ان ضللت فانما اضل على نفسي وان اهتديت فبما يوحي الي ربي :سبأ50)(ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك ،و ارسلناك للناس رسولا :النساء 79 )
وتصرفات النبي محمد منها ما كان مستوجبا للعتاب واللوم ، ومنها ما كان مستوجبا للمدح والإشادة .مدحه الله تعالي ومدح المؤمنين حين بايعوا تحت الشجرة (الفتح 18)حين جاهد وجاهدوا معه بأموالهم و انفسهم (التوبة88:89:92).
وعاتبه برفق حين سمح للمنافقين بالقعود عن القتال (التوبة 43)وعاتبه بقسوة قائلا (وتخشى الناس والله احق ان تخشاه :الاحزاب 37)في موضوع زواجه من مطلقة زيد بن حارثة الذي كان يتبناه .وفي حركته في الدعوة عاتبه كثيرا بسبب حماسه الزائد الذي كان يقترب من الاكراه في الدين فيقول له ربه(ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا، افأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين :يونس 99)وأكد علي ان يترفق بنفسه فلا يحزن علي عناد قومه (الكهف 6 فاطر 8، هود 12 ، النحل127،الحجر 97 ،آل عمران 176 ،المائدة 41،الانعام 33).
وفي حركته بالدعوة عاتبه الله حين كان يتقرب من المشركين اصحاب السطوة املا في هدايتهم ،وقد يطرد المؤمنين الفقراء ليستجيب الي هؤلاء الاغنياء (عبس 1-،طه 28-،الانعام 52:54).
وفي كل هذه التصرفات التي استلزمت المدح او العتاب واللوم كان النبي محمد يناضل بجهده البشرى لتغيير الواقع الذى يتحكم فيه ـ بالاستحقاق ـ اصحاب السلطان والهوى والذين لايريدون تغيير المناخ الذي يقوم عليه تراثهم وسلطانهم . وتحول رفض المشركين القرشيين الي اضطهاد للنبى محمد والمؤمنين ثم الي هجرة ، ثم الي قيام واقع جديد تمثل في دولة للرسول تخالف المألوف في العالم سياسيا واجتماعيا ودينيا .
ملامح دولة النبي :افضل تطبيق بشري (شرعية سياسية بشريه)للرسالة السماوية (الشرعية الالهية ):

هي دولة تقوم علي الديمقراطية المباشرة أو الشورى الاسلامية القرآنية حيث يستمد الحاكم النبي سلطته من الناس ويأمره ربه ان لا يكون فظا غليظ القلب والا انفضوا عنه ،واذا انفضوا عنه فلن تكون له دولة ،لذا امره ان يعفو عنهم وان يستغفر لهم وان يشاورهم في الامر (آل عمران 159 )وهي دولة تقوم علي السلام ،والقتال فيها لرد العدوان بمثله دون اعتداء أو استيلاء علي ارض الغير بدون وجه حق (البقرة 190،194)والمشركون الخصوم طالما لا يعتدون أو يتحالفوا مع المعتدين فالواجب معاملتهم بالبر والعدل (الممتحنة 9)فاذا اعتدوا وانهزموا وجب علي المعتدي المهزوم دفع غرامة حربية هي الجزية جزاء اعتدائه (التوبة 29)وحرية العقيدة في دولة النبي متاحة بالقول والفعل بدون حد اقصي حيث ان الهداية مسئولية شخصية فمن اهتدي فلنفسه ومن ضل فعليها (الاسراء 15)وحيث يمارس المنافقون حريتهم في القول والفعل أينما شاءوا ،وينزل القرآن يحكم بكفرهم ولكن يأمر النبي والمسلمين بالاعراض عنهم(النساء 60:63)(التوبة 60:68،79:84،94:96).
وهي دولة العدل الاجتماعي الذي يقوم علي حقوق اساسية للمحتاجين،وينزل القرآن يلوم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل (النساء 36:39،محمد 3)و هي دولة ليس فيها حاكم بالمعني المألوف حتي في النظم الديمقراطية النيابية الحديثة لأنها دولة يحكمها أصحابها ،بل ان اولي الامر المشار اليهم في القرآن هم اصحاب الخبرة ، ومصطلح الحكم في القرأن لا يعني الحكم السياسي ، وانما يعني الحكم القضائي بين الناس (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل : النساء 58)ووظيفة الدولة هي اقامة العدل وتوفير الامن .
ولأنها دولة الديمقراطية المباشرة فان الخطاب فيها يتوجه الي جماعة المسلمين لا الي الحاكم ،فجماعة المسلمين هي التي تقيم الشوري (وأمرهم شوري بينهم:الشوري 38)وهي التي تحكم بالعدل (النساء 58) وهي التي تعد القوة العسكرية لا للاعتداء وانما للردع وحقن الدماء (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم :الانفال 60).
وهي دولة الديمقراطية المباشرة التي لاتعرف الحاكم الفرد او الحاكم الذي يمثل مصالح طبقية أو فئوية ،ولأنها كذلك فان النبي محمد مات دون ان يعهد بالحكم لأحد من بعده ،لأن لدى المسلمين آليات للحكم الديمقراطي المباشر ..هذا بالطبع ان التزموا بسنته الحقيقية وهى الشرع القرآنى فى السياسة والحكم ، المشار اليها فى السطور السابقة.
ولكن ذلك لم يحدث .
ومن هنا بدأت الفجوة بين اكمل شرعية بشرية سياسية ـ تقترب من العدل الأسمى للشرعية الدينية ـ وبين شرعية الخلفاء الراشدين التالية لها.
وكلما مر الزمن ازدادت الفجوة اتساعا .
في عهد الخلفاء الراشدين (11-40هـ (632-661م):
لأن الخلفاء الاربعة كانوا ـ كأشخاص ـ اقل شرا ممن جاء بعدهم من الخلفاء الأمويين والعباسيين فقد اطلق عليهم لقب الخلفاء الراشدين تمييزا لهم عن الخلفاء الاخرين (غير الراشدين )حيث الاستبداد والفساد ،وحين ظهر عمر بن عبد العزيز ظاهرة نادرة في العصر الاموي الحقوه بالراشدين مع مرور حوالي نصف قرن بينه وبينهم .
بداية الفجوة بين تاريخ النبوة وتاريخ المسلمين :
احتوى عصر الخلفاء الراشدين على البذور الجنينية لكل التطور الهائل التي اتسعت به الفجوة بين تاريخ النبوة وتاريخ المسلمين ،ويرجع ذلك الي الاعراب البدو والامويين القرشيين ،وكلا الفريقين دخل الاسلام قبيل وفاة النبي ،ولازالوا بالمسلمين حتي حولوا تاريخهم الي النمط السائدفي العصور الوسطى ، وهي عصور الاحتراف الديني والتعصب الديني والحروب الدينية .
الاعراب الذين احترفوا الاغارة علي القوافل ما لبث ان انضموا الي دولة النبي ،وهددوا القوافل القريشية في رحلتي الشتاء والصيف ،فرأى بنو امية ان مصلحتهم التي كانت تحتم عليهم محاربة المسلمين تستوجب عليهم الآن الدخول في الاسلام ،وهكذا كان فتح مكه سلميا بعد فترة الهدنة .و قبيل موت النبي حكمت قريش نفسها بنفسها وكذلك الاعراب .وكانت الزكاة تؤخذ منهم لتوزع فيهم دون قسر او اكراه .لأن تشريع الزكاة يمنع اخذ الزكاة عنوة ،بل ان الله تعالي منع النبى من اخذ الصدقات من المنافقين لأنهم كانوا يقدمونها عن غير طيب خاطر (التوبة 54)
والتغيرالجديد الذي نعم به الاعراب هو المساواة والعدل بلا تفوق للقرشيين كالذي كان ،وذلك طبقا للقاعدة القرآنية ( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم :الحجرات 13).
حركة الردة :
وبمرض النبي ثم وفاته ارادت قبائل الاعراب ان تؤكد وضعها في مرحلة ما بعد النبي ،ولأنها فهمت النبوة امتيازا قرشيا فقد تحولت معارضتها السياسية الي تدين جديد ،اقترنت فيه حرب الردة السياسية بادعاء النبوة ،كان اخطرها في نجد حين ظهرت حركة مسيلمة الكذاب في وادي حنيفة (مقر الدعوة الوهابية فيمابعد)وحركة طلحة الاسدي من قبائل اسد وطئ .وليس صحيحا ان ابا بكر هو الذي حارب المرتدين بل الصحيح ان المرتدين هم الذين حاربوا ابابكر ،وهاجموا المدينة فاضطر الي حربهم[1] وادت حركة الردة الي تطورات داخلية وعالمية لاحقة داخل المسلمين وخارجهم .
اثر حركة الردة والفتوحات :

فالتهديد الذي واجهه المسلمون في حركة الردة اوقع المسلمين تحت خطر الاستئصال ،وبالتالي كانوا في وضع استثنائي يستوجب احكاما عرفية ،فكان سهلا تعيين قائد حربي ثم بيعته بالقتال مثل ما تم سابقا من مبايعة المسلمين للنبى تحت الشجرة ،وفي هذه الظروف الاستثنائية جرت بيعة السقيفة ،وفيها تكتل القرشيون وتم تهميش الانصار ،وتم نفي زعيمهم سعد بن معاذ وقتله فيما بعد[2] وتم استرضاء الامويين ليوافقوا علي بيعة ابو بكر دون علي وهو الأقرب لديهم ،وذلك بتعيين يزيد بن ابي سفيان قائدا في حروب الردة .
واستطاعت قريش اخماد حركة الردة ،و حتي لا يعود الاعراب الي الردة ثانية وحياتهم تقوم علي السلب والنهب والتقاتل فقد قامت قريش بتصدير شوكة الاعراب الحربية الي خارج الجزيرة العربية في الفتوحات حيث كان القادة من الامويين والقرشين وكان الجند من الاعراب المرتدين سابقا .واستمرت الظروف الاستثنائية الحربية، ومات ابو بكر ،فتم اختيار عمر بنفس ظروف البيعة ،و اثناء استمرار الفتوحات تم اغتيال عمر فتم اختيار عثمان بنفس البيعة .وبذلك عرف المسلمون تطورين خطيرين وهما :
الاول :تعيين حاكم مستمر طيلة العمر تحيط به دائرة مستشارين عرفوا فيما بعد بأهل الحل والعقد .
والثاني تحول الجهاد من القتال الدفاعي وفق مشروعية الاسلام الاصلية الي توسيع حربي في البلاد المجاورة ،وتخييرها –او بالاصح -ارغامها علي قبول واحد من ثلاث :الاسلام أو دفع الجزية أو الحرب .وبالتالي ضاعت القاعدة الاساسية القرآنية (لا اكراه في الدين )(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين :البقرة 256/190) وبعد ان كانت البيعة تعني مبايعة القائد علي القتال دفاعا عن النفس اصبحت تعني المبايعة بالطاعة لحاكم يظل يحكم مستبدا طول العمر .
وهذا التغيير مبعثه كبار قريش واعراب نجد والجزيرة العربية .
وبعد توقف الفتوحات في عهد عثمان بدأت القلاقل بين الاعراب والامويين القرشيين المتحكمين في عثمان وخلافته .واشتعل الخلاف بين الفريقين حول ارض السواد الواقعة علي حدود نجد والعراق حيث اعتاد الاعراب الاغارة علي البلاد الزراعية السوداء علي حافة الصحراء شمال نجد .ولم يكتف نبلاء قريش (من الامويين الذين يتحكمون في الخلافة ويحكمون الشام )بما يحصلون عليه من اموال ونفوذ فطمعوا في ارض السواد الذي يعتبره الاعراب ملكا تقليديا لهم في الجاهلية ثم فتحوه بسيوفهم بعد الاسلام .
تطور النزاع وتدخل فيه عبدالله ابن سبا الذي رفع شعار التشيع لعلي ابن ابي طالب .وكعب الاحبار الذي يوالي عثمان والاموييين ،وكلاهما (عبد الله بن سبأ وكعب الاحبار )من يهود اليمن [3] وانتهي بأن حاصر الاعراب عثمان ثم قتلوه وعينوا عليا مكانه .وتطورت الحرب بين علي واصحابه القدامى (الزبير وطلحةبن عبيد الله )في موقعة الجمل ،ثم بين علي وخصومه الامويين في موقعة صفين .وادى التحكيم الي القرآن الي اختلاف بين علي وبعض الإعراب من جنده الذين قتلوا عثمان من قبل ،فخرجوا على علي.
وبهذا تحول الاعراب من مسلمين في عهد النبي الي مرتدين ثم مسلمين للمرة الثانية ،ثم الي فاتحين فى عصر أبى بكر وعمر، ثم الي ثوريين علي عثمان ،ثم الي خارجين علي عليّ بن أبى طالب . كل ذلك التقلب حدث فيما بين موت النبي (11هـ،سنة 632م )الي مقتل علي علي ايديهم (40هـ،661)أي خلال اقل من ثلاثين عاما .واصطبغت حركتهم بالعنف المرتبط بتفسير ديني ،يسري هذا علي قبولهم المتحمس للاسلام في عهد النبي ،ثم خروجهم عليه في حركة الردة تحت زعامة مدعي النبوة ،ثم انغماسهم في الفتوحات علي انها جهاد يغنمون منه النصر والشهادة والغنائم في الدنيا و الاخرة ،ثم حين ثاروا علي عثمان رفعوا لواء العدل ،وحين رفع الامويين المصاحف علي اسنة الرماح في موقعة صفين خداعا ارغموا عليا علي الموافقة علي التحكيم لكتاب الله ،ثم حين ظهر ان التحكيم خدعة خرجوا علي علي لأنه وافق علي التحكيم واتهموه بالكفر ثم قتلوه .
وخلال نفس المدة تقلب الامويون في مواقع شتي حسب مصلحتهم وسعيهم الدائم للاستحقاق أو امتلاك القوة والاحتفاظ بها ،كانوا أعداء للاسلام في مكة، ثم دخلوا فيه فكانوا قادة حربيين بما لهم من مقدرة حربية وتحالفات قديمة منذ رحلتى الشتاء والصيف مع قبائل كلب الى تسيطر على الطرق التجارية للشام ،فقادوا المسلمن في حرب الردة ثم في الفتوحات ،وبعد توطيد الفتوحات اصبحوا امراء البلاد المفتوحة، وحين تولى ابن عمهم عثمان الخلافة سيطروا عليه وانتهى الامر بأن توارثوا الملك في ذريتهم خلال{الدولة الاموية} .

في الدولة الاموية (41-132هـ661 -750م)و تطاحن الشرعيات السياسية :
أي انه بعد موت النبي (ص) بأقل من ربع قرن دخل المسلمون في نزاع مسلح تطاحنت فيه شرعيات سياسية مختلفة ،كل منها تظن انها علي الحق او تسعي الي احقاق الحق ، وتمخض عن هذا النزاع تحويل الشوري المقيدة في عصر الخلفاء الراشدين الي ملك وراثي استبدادي في الدولة الأموية ،وبالتالي ادي الي تطاحن اكثر حدة بين شرعية السلطة الأموية والشرعيات الثائرة عليها من علويين وشيعة وخوارج وابناء البلاد المفتوحة من الفرس والمصريين الاقباط والبربر ،الي القبائل العربية نفسها التي كانت تؤيد الامويين ثم انقلبت عليهم .مما ادي في النهاية الي سقوط الدولة الاموية في ريعان شبابها (سنة132هـ،750م).
وقد وصلت الدولة العربية الاسلامية الي اقصي توسع لها في الدولة الاموية ،فيما بين الهند والصين شرقا الي جنوب فرنسا غربا ،ومن اسوار القسطنطينية شمالا الي النوبة والصحراء الافريقية جنوبا ،وفي عهدها اصبح البحر المتوسط بحيرة عربية وكذلك البحر الاحمر .وكانت الدولة الاموية تفتح الدولة المجاورة بيد وتقاتل في الداخل أعداءها باليد الاخرى ،الي ان سقطت بعد ان تكالب عليها اعداؤها الناقمون عليها.
ومن الطبيعي ان الامويين كانوا يعتقدون في شرعيتهم السياسية ،ويعتبرون الثائرين عليهم عصاة ،ولذلك قتلوا بدون رحمة الحسين وآله في كربلاء ودون الحاجة الي فتوى دينيةالا قول بعضهم فيما بعد (ان الحسين قتل بشرع جده )أي انه يستحق القتل لأنه ثار علي دولة شرعية دون ان يكون كفئا للنضال ومستحقا للنجاح .
وكذلك فان الثوار علي الامويين مهما اختلفت مذاهبهم كانوا يعتقدون بشرعية خروجهم علي الدولة ،ولهم عليها اتهامات تستوجب الثورة عليها ،واهم هذه الاتهامات انهم ساروا علي خلاف النبى والخلفاء الراشدين في احتكارهم السلطة والثروة وتوارثهم لها .وقد رد علي هذه الاتهامات عبد الملك بن مروان حين خطب بالمدينة مركز المعارضة سنة75هـ فقال (اما بعد ..فلست الخليفة المستضعف –يعني عثمان – ولست الخليفة المداهن –يعني معاوية –ولا الخليفة المأفون ـ يعني يزيد ابن معاوية –الا وان من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الاموال ،الا واني أداوي أدواء هذه الامة بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم .تكلفوننا اعمال المهاجرين ولا تعملون مثل اعمالهم …والله لا يأمرني احد بتقوى الله الا ضربت عنقه) [4].
الدولة الاموية وقانون القوة :

والواضح في خطبة عبد الملك انه يحكم بشرعية القوة أو الاستحقاق ويرفض استخدام الوعظ الدينى في نقده ، ويهددالثائرين عليه من مدعى التدين بالسيف. ويري ان خصومه يطالبونه بالسيرعلي عهد النبوة حين كان المهاجرون والانصار يعيشون فى عدل، ولكن هذا العدل قد انتهى عصره بدليل ان اولئك الخصوم لايعملون عمل المهاجرين والانصار ،لأن العصر غير العصر .
والواقع ان الامويين اسرفوا في استعمال القوة الي درجة القسوة دفاعا عن شرعيتهم السياسية واحقيتهم بالحكم كما يتصورون .فلم يتورعوا عن مذابح كربلاء واقتحام المدينة وانتهاك حرمة الكعبة في خلافة يزيد ابن معاوية، كما لم يتورع ولاتهم من التطرف بقتل الابرياء لمجرد الشبهة كما كان يفعل زياد ابن ابيه والحجاج وخالد القسري .
وكانت القبائل العربية في عصر الدولة الاموية قسمين ،قسم ثائر علي الدولة يمثله الخوارج الذين أرهقوا الامويين بثوراتهم ،ومنهم الذين استحلوا دماء كل المسلمين كالمحكّمة الاولى ،الذين كانوا يهجمون علي المدن فيقولون لا حكم الا الله ،ثم يقتلون كل من يقابلهم ،وفي نفس الوقت يراعون العهد مع اهل الكتاب ،أي يقتلون المسلمين بعد اتهامهم بالكفر ثم يحافظون علي حياة اليهود والنصارى.اما القسم الثاني من القبائل فكان يخدم الدولة الاموية يفتح بأسمها الاقطار ،ويقتل في سبيلها المعارضين في الداخل. وما لبث ان ثارت القبائل اليمنية علي الامويين بسبب تعصب بعض الخلفاء للقبائل المضرية العدنانية الشمالية ،وتعاونت تلك القبائل اليمنية مع عدو اكثر شراسة يتقدم ببطء وثبات وفي خفاء ،يدعو للرضى من آل محمد ،وهذا العدو هو الذي اسقط الدولة الاموية واقام بدلا منها الدولة العباسية .
بداية التمسح الاموي بالقضاء والقدر : أي بالشرعية الالهية :

علي ان تلك القسوة المفرطة للامويين اضطرت تحت وطأة الدعاية الدينية المضادة لخصوم الدولة الي التمسح بالارادة الالهية، فزعم الامويون ان افعالهم تجرى بقدر الله ، أي ان الله شاء منذ البداية ان يقتل الحسين وآله في كربلاء ، وما فعلوه هو تنفيذ لمشيئة الله ،وان من اعترض علي ذلك فقد اعترض علي مشيئة الله .
والتمسح بالمشيئة الالهية وتبرير الظلم والشرك بزعم ان الله شاء لهم ان يشركوا ،هذا الزعم قاله الامويون في مكة اثناء اضطهادهم للمسلمين ،وذكر القرآن ذلك ورد عليهم (وقال الذين اشركوا لو شاء الله ماعبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ ،كذلك فعل الذين من قبلهم فهل علي الرسل الا البلاغ المبين :النحل 35)أي انها عادة ان يتمسح الظالمون بالمشيئة الالهية فيما يرتكبون من ظلم لله والناس .واخبر القرآن الكريم انه سيأتي فيما بعد من سيقول نفس المقولة (سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ ،كذلك كذب الذين من قبلهم :الانعام 148)وقد لا تنطبق هذه الآية علي عصرالأمويين اذ لم يكن في عهدهم عبادة لغير الله ، وان كانت الاية تشير الي انها عادة ان يتمسح الظالم بالمشيئة إلالهية ،في الماضي،او في الحاضر ،و في المستقبل .
علي ان بعض المثقفين الاحرار فى العصر الأموى رفضوا الدعوة الاموية وتبريرها الظلم التى تقع فيه بقضاء الله وقدرة وقولهم ان اعمالنا تجري بقدرة الله ولا اعتراض علي مشيئة الله . رفع اولئك المثقفون شعار (لا قدر والأمر انف )أي ليس للقدر دخل بهذا الظلم الاموي ، وانما يسير الظلم الاموي بالقوة رغم انوفنا ،وسمي اصحاب هذا المبدأ بالقدرية ،أي اصحاب مذهب الارادة الحرة ومسئولية الانسان عن عمله دون التمسح بالارادة الالهية . وقد نشط زعماء هذا المذهب الي الثورة علي الامويين ،وتعرض زعماؤهم الي تعذيب الامويين وقتلهم، ومنهم معبد الجهني الذي قتله الحجاج وغيلان الدمشقي الذي قتله الخليفة هشام بن عبد الملك [5].
بداية تحول الشرعية السياسة للتدين أو استخدام السياسة للدين في العصر الاموي :
وشهد العصر الاموي بداية تحول الخلاف السياسي المسلح الي نوعيات من التدين ،او تحول التنافس بين الشرعيات السياسية الي اختلاف في التدين بين جماعات المسلمين .
وبدأ ذلك برعاية القطبين اليهوديين اللذين أسلما وغررا بالمسلمين .هما رفيقان من اليمن قاد كل منهما معسكرا من المسلمين يواجه به المعسكر الآخر. انهما كعب الاحبار المنحاز للامويين ورفيقه عبد لله بن سبأ الذي بدأ التشيع المعادى للأمويين، وكلاهما وضع تأويلات دينية للمعسكر الذي ينتمي اليه ،وقد زعم كعب الاحبار علم الغيب وبأنه يقرأ الموجود بالتوراة التي لا يعرفها سواه ،وكان يحظى بالتصديق، واستغل علاقته بالصحابي ابي هريرة الذي كان يوالي الامويين ،وعن طريقهما نشطت الدعاية للامويين ،ووضعت احاديث في فضل معاوية وآله ،واستخدم الأمويون وظيفة القصص او من يقوم بالوعظ بعد الصلاة ويستخدم وعظه فى الدعاية للامويين ،وكان ابو هريرة الصحابى يروى عن كعب ـ الذى لم ير النبى اذ أسلم فى عهد عمر ، وكان كعب وأبوهريرة معا من اهم مصادر هذا الوعظ، ثم كان الاوزاعي في نهاية الدولة الاموية من اهم اعلام الدعاية الاموية فى جانبى القصص وتأليف الأحاديث النبوية[6].
وفي جانب المعارضة بدأت السبئية ـ اتباع عبد الله بن سبأ ـ بتأليه عليّ بن أبى طالب وزعم انه لم يقتل وانه سيرجع يوم القيامة ليملأ الارض عدلا ،ثم ظهرت الكيسانية تقول بأمامة محمد بن علي ابن ابي طالب (ابن الحنفية )وتؤله الائمة وتعمل علي طاعتهم ،والكيسانية هم الذين انشأوا الدولة العباسية فيما بعد .واسفرت دعاوي الشيعة في العصر الاموي عن شيوع فكرة المهدي المنتظر، وبداية تأسيس المذهب الشيعي الذي اكتملت ملامحه في العصر العباسي .
والخوارج او البدو الثوريون المتدينون هم اول من بدأ بمزج الدين بالثورة ،الا انهم بمجىء العصر العباسي كانوا قد استهلكتهم الثورات المتكررة علي الامويين وخلافاتهم المتكررة الداخلية . ولكن بقيت آراؤهم الدينية ، وأغلبها فى تكفير علي بن أبى طالب وتكفير المخالفين لهم في الرأي واستحلال اموالهم واولادهم ونسائهم وتكفير مرتكب الكبيرة .وبانتهاء العصر الاموي انتهي الخوارج عسكريا ،ولكن بقيت اراؤهم ونوعية التدين في العصر العباسي ، وهو عصر تحول الشرعيات السياسية المختلفة للمسلمين الي نوعيات مختلفة من التدين .
تحول الشرعيات السياسية البشرية المتصارعة الي انواع مختلفة من التدين :
لماذا لم يكتمل التدين في العصر الاموي ؟
في دولة قامت علي اسس دينية لابد ان يتحول الخلاف السياسي فيها الي خلاف في التدين ،والتدين هو الرؤية البشرية للدين و تطبيقه ،بغض النظر عن مدى صحة هذه الرؤية واقترابها او اختلافها مع صحيح الدين وحقائقه .
وشهد العصر الاموي تطرفا في الاراء الدينية الي درجة ان الشيعة السبئية بادرت بتقديس علي في حياة عليبن أبى طالب مما اضطره لأحراقهم ،كما ان الخوارج في تطرفهم في تكفير كل المسلمين المخالفين قرنوا القول بالعمل فكانوا يستحلون دماء مخالفيهم حتى من المسالمين الذين لا شأن لهم بالحرب أو السياسة .كما ان الامويين بدورهم اسرفوا في القتل بمجرد الشبهة مثلما كان يفعل الحجاج وغيره .
ومع وجود هذا التطرف بالرأي والسلوك لدى اصحاب الشرعيات السياسية الا ان ذلك التطرف لم تتح له الفرصة الكافية لكي يتحول الي تدين مكتمل الملامح ،نظرا للانهماك السياسي في الحروب والمعارك المتبادلة بين الدولة ومعارضيها، والشقاق الذي كان يصل لدرجة الحرب الداخلية في داخل اجنحة الدولة الاموية ،وفي داخل الاحزاب المعارضة،علاوة علي قصر عمر الدولة الاموية الملئ بالاحداث الداخلية والخارجية ،وعدم اكتمال الحركة العلمية الفكرية في العصر الاموي .ولذلك لم يكن هناك وقت للتأصيل الفكري أو الديني واقتصر التدين علي تغليف السلوكيات القائمة فعلا برأي ديني ،فالقتل تحول الي تكفير فاستحلال ،أي كان التدين في بساطته يعتبر وسيلة لتبرير الشرعية السياسية مثلاولم يكن الدين هدفا قائما في حد ذاته ،كما في العصر العباسي حين اكتملت طقوس التشيع و مراسيمة الدينية ، واصبح ا