صندوق الاقتراع واعتدال الإسلاميين
يحتاج الأخوان المسلمين إلى الاعتدال إذا أرادوا الاحتفاظ بثقة الناخبين

بقلم: بروس روذرفورد
ترجمة: د. وليم الميرى


بعد أن حقق الأخوان المسلمون نجاحهم غير المسبوق في الانتخابات البرلمانية المصرية التي أجريت السنة الماضية ،تكلمت مع المتحدث باسم الحركة عصام العريان الذي حاول أن يطمئني أن الجماعة معتدلة سياسيا وقال :"نحن ننشد جمهورية برلمانية ديموقراطية تحترم حقوق المواطنين كافة".
وفسر لي ما يقول بأن الأخوان يؤيدون حرية التعبير والتجمع والمساواة. كما دعا إلى إلغاء قوانين الطوارئ القمعية، ودعم استقلال القضاء.
بيد أن كثيرا من المصريين لا يقتنعون بهذا. من بينهم مجدي خليل وهو معلق بارز ينتمي إلى الأقلية القبطية المسيحية، ويقول أن الأخوان ظهروا على حقيقتهم أثناء الدورات البرلمانية السابقة عندما دعوا إلى مصادرة الكتب التى تتعارض مع الأسلام والفصل بين الجنسين في المدارس، والحد من توزيع الصحف الأجنبية وحظر الخمور، وفي رأيه أن لهجة الأخوان الحالية المتسامية ليست إلا ستارا من الدخان المتعمد لإخفاء هدفهم الحقيقي وهو خلق "دولية دينية فاشية في مصر".
يصور هذان الرأيان أو الموقفان لغز نجاح الأخوان، وعلى نحو أوسع يصور المعضلة المحيرة التي تواجه إدارة بوش في محاولتها لدمقرطة الشرق الأوسط.
هل تؤيد الجماعات الإسلامية في المنطقة القيم الديموقراطية حقيقة؟ أم هم ببساطة يستغلون العملية الديموقراطية كوسيلة للوصول إلى السلطة وبعد ذلك ينبذون الديموقراطية؟ أكتسب هذا السؤال أهمية عاجلة خلال العام الماضي عندما حققت الجماعات مكاسب غير متوقعة في صناديق الاقتراع في مصر وفلسطين والعراق ولبنان.
وأثناء حملة الانتخابات في مصر في العام الماضي كشف الأخوان بعض أسباب تفاؤلهم، فقد ركزوا على مسائل المعيشة، وتوفير الخدمات للشعب، وتحسين التعليم، ومحاربة الفساد، وحكومة تخضع لمزيد من الحساب. ورجح فوزهم من جهة إلى إقناع العدد الكبير من المصريين أنهم مهتمون حقيقة بتحسين أحوالهم المعيشية اليومية. فمثلا أقام مرشح الأخوان في الشرقية خطبه في حملته الانتخابية على ثلاث موضوعات: إصلاح التعليم، والمزيد من الشفافية في الحكومة ومشروعات البناء والتعمير، وبرامج اجتماعية من اجل الفقراء، ورددت خطب مرشح الجماعة في الغربية هذه الموضوعات داعيا إلى إنشاء مستشفي جديد. وإصلاح المرفق المحلي لمعالجة مياه الشرب. وتوزيع أفضل للمساعدات التقنية للفلاحين.
من أجل البقاء في السلطة، وتوسيع القاعدة التي تؤيدهم يجب على الأخوان الوفاء بهذه الوعود العملية وأن تتراجع دعوتهم الرنانة حول الحاجة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية أمام هذه الشواغل العملية الملحة.
يعتقد بعض المراقبين أن الأخوان سوف ينمون آلية سياسية فعالة من أجل توفير هذه الخدمات. ليتمكنوا من الفوز بنصيب أكبر من أصوات الناخبين. إلا أنهم يتخوفون أن الأخوان بعد وصولهم إلى السلطة سوف ينبذون الديموقراطية، ويستخدمون سلطات الدولة القسرية في فرض الشريعة.
ويبدو أن هذا الرأي لا يدرك بشكل كاف مدي الصراع الايدولوجي الحالي داخل جماعة الأخوان المسلمين، فمن المؤكد أن الجماعة تضم عناصر إسلامية متطرفة، كما أنها تضم مفكرين ونشطاء معتدلين منظمين جيدا ويتمتعون بقدرات كلامية. ويتنافس هذان المعسكران في تحديد الهوية الإيدولوجية للجماعة وأهدافها. ومن أجل تفادي الصراع المؤدي إلى الانقسام بين هذين المعسكرين تحاشت قيادة الجماعة بعناية أن تكون أجندتها السياسية واضحة.
كيف يمكن تقوية المعتدلين في هذا الحوار الداخلي؟ في إمكان الحكومة المصرية أن تقوم بدور هام في هذه العملية بفرض قوانين من شأنها الاحتفاظ بالحوار العام في نطاق الديموقراطية وفي حدود واضحة المعالم. ويتطلب هذا بوجه خاص تنفيذ القوانين التي تحمي حقوق غير المسلمين والمرأة بشكل واضح ومنسق. وتحظر القوانين الحالية في مصر البيانات والأعمال التي تثير الفتنة الطائفية، كما أنها تحمي حقوق المرأة في المدارس. وفي أماكن العمل وفي البيت، إلا أن هذه القوانين لا تطبق باستمرار، فمثلا حرض بعض الإسلاميين المتطرفين على أعمال العنف ضد الأقباط، ولم يعاقبوا أو صدرت ضدهم عقوبات مخففة. وقام البعض الآخر من هؤلاء المتطرفين بحملات موسعة للحد من حق المرأة في التعليم والعمل. وفرض حظر على هذا النوع من الكلام والأعمال يشكل انتهاكا للحرية. بيد أنه حتى الديموقراطية الراسخة بما فيها ديموقراطية الولايات المتحدة تتقبل أنه من أجل المحافظة على النظام العام والأمن يلزم، في بعض الأحيان، فرض قيود على الحريات الشخصية. وفي حالة مصر من شأن هذه القيود أن تفرض على جميع فئات الأخوان لكي تلعب وفقا لقواعد اللعبة السياسية ووفقا للقيم الديموقراطية التي تقوم على المساواة والتسامح. وتوضح أن ثمن دخول المجال السياسي هو تنمية ايدولوجية معتدلة واضحة المعالم.
مع هذه القيود والحدود على العمل والحوار السياسيين يجب السماح للإخوان بالتنافس في انتخابات حرة ونزيهة سواء على المستوي المحلي أو المستوي الوطني.
إذا دلت الانتخابات الأخيرة على شيء فهو أن المنافسة الانتخابية سوف تركز على كيفية توفير الخدمات الجيدة. واستجابة الحكومة لاحتياجات المواطنين، وسوف تشكل هذه المنافسة نفسها ايدولوجية الأخوان في اتجاه الاعتدال وتعميقه داخل الجماعة.

بروس رذرفورد أستاذ العلوم السياسية في جامعة كو لجيت في هاملتون نيويورك ويعكف حاليا على إتمام كتاب بعنوان "الدعوة إلى الترويض: حكم الدستور والديموقراطية في مصر"
http://www.csmonitor.com/2006/0209/p09s02-coop.html

كريستيان ساينس مونيتور