البرميل الفاضي ... صوته عالي
ماهر ذكي
1 فبراير 2006

ذات مرة كنت اجري حوارا مع الراحل ألفريد فرج لمجلة أخبار الإسبوع القطرية في مطلع التسعينيات حيث كنت مراسلاً لها من القاهره .. وسألني الرجل .. هل سيعلو صوت الأدب فوق صوت النفط ؟ سألته لماذا ؟ قال .. هل تعتقد بأن القطريين سيتركون إهتماماتهم التي تعودوا عليها ليقرأوا حديث تجريه مع كاتب مسرحي حتى لو كان ألفريد فرج ؟ فقلت له.. وليه لأ ؟ ضحك وقال لي حكمة لن أنساها أبداً .. قال لأن البرميل الفاضي صوته عالي .. ضحكت انا أيضا وعلى سبيل المزاح قلت له هو مش فاضي قوي يا أستاذنا ... وعندما تم نشر الحديث بالمجلة تأكدت من حكمة الرجل بأن البرميل الفاضي صوته عالي فعلاً .

وهذه الحكمة تنطبق تمام الإنطباق وبدون حذف لأي من احرفها البسيطه على الإخوان المسلمين .

- حتى الأن انا لم أكتب كلمة واحدة عن نجاح الإخوان المسلمين في إنتخابات البرلمان المصري الأخيره حتى انفض المولد من مقالات متناثرة من هنا وهناك بعضها يدعوا للخوف والقلق من هذا النجاح وبعضها يدعو للذعر وبعضها يدعو للتفاؤل لإنتصار التيار الديني .. المهم انا انتظرت حتى انتهى المولد لأقول رأيي في الموضوع ليس لأنني كتبت مهاجما لهم من قبل ولا لأنني متابع لتحركاتهم فقط .. بل ولأنني ولفترة غير قصيرة كنت من المهتمين بتحركاتهم وبتاريخهم وأيضاً من المقربين منهم في بعض الأحايين .

ان نجاح الإخوان المسلمين لم ولن يكن تعبيرا عن حب الجماهير لهم أو إيمان الناس بهم بأنهم أدوات الغد الأبيض .. بل هذا النجاح صنعه النظام في مصر .. نعم ان من صنع نجاح الإخوان المسلمين في الإنتخابات المصرية الأخيره ليس إلا النظام الذي انتشر فساده وتعدى كل قوى احتمال الشعب المصري فدفع الناس لترضى بأي أحد غير النظام الحاكم حتى لو كان الشيطان نفسه فساهم ذلك بشكل او بأخر في إنجاح مشروع الإخوان الذي تمثل في الإلتجاء للدين كوسيلة للتغيير .

ولن ننكر على الإخوان تنظيمهم وترتيبهم لأوراقهم بما يستوجب لطبيعة المرحلة وكان اهم انجاز قامت به هذه الجماعة هو اختيار خيرت الشاطر نائب ثاني للمرشد العام للجماعة والذي يختلف كل الإختلاف عن النائب الأول محمد سيد حبيب او اي من رموز الجماعه مثل عصام العريان مثلا أو المرشد العام نفسه .. فـ خيرت الشاطر رجل يتسم بالذكاء الشديد والهدوء وعمق التفكير ودوام البحث ولا يميل للعنتريات ولا الشعارات الجوفاء مثل باقي الجماعة .

وفي مقال لي سبق إجراء الإنتخابات بفترة بعنوان ( قولوا لأبوها ) قد توقعت بالنص الصريح ان المعارضة المصرية ستكون خارج الكادر في المشهد الإنتخابي وان المنافسة ستنحصر في الحزب الوطني من جهة والإخوان المسلمين من الجهه الأخرى وكانت بالفعل ... وأنا لست بمنجم ولا بقارئ للكف .. ولكن الأمر كان واضحاً تماما وخاصة بعد اسناد مهمة ترتيب الأوراق لخيرت الشاطر الذي لعب على حبل البلطجة في الإستفتاء على المادة 76 .. ومن خلال حليفتهم قناة الجزيرة تم تكبير الحال وتضخيم الأمور حتى بات في أذهان الجميع بأن أي بلطجة تحدث في مصر هي من طرف النظام فكانت البلطجة هي عصا موسى التي استعان بها الإخوان في انتخابات البرلمان وكان من الطبيعي ان يتم إلصاقها بالحكومة استنادا على ماسبق .. وكانت الخطة ناجحة تماما وفاز الإخوان بـ 88 مقعد في البرلمان ... ولن ابرئ ساحة الحزب الوطني أو الحكومة من أعمال البلطجة التي تمت في الإنتخابات ولكن فقط اقول بأن الإخوان استغلوا غباء كوادر الحزب الوطني التي تعاملت مع الموضوع كالعادة بأنه مجرد تقفيل صناديق ولم تحسب للإخوان في ثوبهم الجديد حساب فكانت النتيجة صدام بين الطرفين قوامه البلطجة من الطرفين ولكنه نسب لرجال الحزب الوطني وحدهم وكانت النتيجه العامة سقوط أعتى رموز الإستبداد بالحزب الوطني في هذه الإنتخابات .. وهذا هو ذكاء الإخوان الذي بدا واضحاً جلياً في الصورة الأن ولا يستطيع احد ان يخفيه .

هذا ماتم في الإنتخابات .. طيب .. انتهى الموضوع ونجح الإخوان وهم الأن يمثلون من البرلمان نسبة عشرون بالمائة تقريبا ... مبروك للإخوان .. وماذا بعد ؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسة بشدة الأن .. ماذا بعد النجاح ودخول البرلمان ؟

- هل سيقف الإخوان المسلمون البرلمانيون عند اصدار الفتاوى الدينية على الفاضي والمليان والمطالبة بمنع إعلان في التلفزيون به فتاة ترتدي فستان ضيق ومحو مقطع من أغنية لعمرو دياب يحرض على الحب واقرار اغنية شعبان عبد الرحيم – أنا باكره اسرائيل – لتكون النشيد الوطني الجديد والمنادة بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية وإلزام لاعبي المنتخب المصري بإرتداء الشورت الشرعي في المبارايات وإقرار المايوه الشرعي على السائحات الذاهبات للغردقة او شرم الشيخ .. والمطالبة بعزل الوزيرات من مناصبهن لأن منسوبي الوزارة سيكونون ملعونين لأن قائدهم إمرأة ومنع تسمية الفتيات بأسماء غربية مثل باكينام وشاهيناز وما شابه لأنها اسماء لكافرات ومنع الإنترنت وخصوصا مواقع الشات والماسنجر لأنها تعد خلوة غير شرعية .. وإغلاق كباريهات شارع الهرم بل وهدم الهرم نفسه وتماثيل أبو الهول وباقي التماثيل الفرعونية لأنها أصنام عبدها السابقون وكذلك توقيع عقوبة الجلد على الشباب الحالقين لحاهم و الرجم على مشاهدي قنوات روتانا وكليباتها والغرامة بصلاة ركعتين على خط المرور الأبيض جهارا لمن يقطع اشارة مرور وكذا تحريم زراعة الخيار والموز لأنهما يثيرا شهوات المراهقات وإغلاق جميع محال بيع مستحضرات التجميل منعا للفتنة والمطالبة بمنع الحمامات المودرن التي تشبه الكرسي لأنها تصعب من الإغتسال بشكل جيد يتوافق مع قواعد الطهارة وإلزام الرجل بإرتداء الزي الرسمي عند معاشرة زوجته لأن في عريه امامها فسخاً لعقد الزواج وهل سيمنعون تربية الكلاب في فيلل الأغنياء حتى تدخلها الملائكة بالبركة فتزيدها من الثراء وهل وهل وهل وهل ......هل سيهتمون بملايين من تفاهات الأمور التي تشغل عقل جماعة الإخوان المسلمين كما عودونا دائماً ؟

- أم أن الإخوان سيرتقون لدرجة اعلى من هذه الأشياء وسيطالبون بإلغاء معاهدة السلام مع اسرائيل واعلان الحرب عليها ومن ثم يتم تحقيق حلم جمال عبد الناصر بإلقاء امريكا في البحر وكذلك فتح الحدود المصرية السودانية على مصراعيها ودعوة الترابي للمشاركة في حكم مصر على اعتبار رد الجميل للترابي الذي حاول قتل حسني مبارك في منتصف التسعينيات وكذلك نقل سفارة ايران لقصر القبة وتعيين السفير الإيراني مستشار للأمور الإسرائيلية المستعجلة وكذلك قطع العلاقات وطرد سفير فرنسا حتى يقروا الحجاب فريضة على مسلمات فرنسا وكذلك اختطاف السفير الدانماركي حتى تعتذر صحيفتهم على مانشرته بخصوص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .. و كذلك قفل ممر قناة السويس امام العابرات الأمريكية وإغلاق البنوك الربوية ومنع استيراد البضائع من البلاد الكافرة مثل الصين وسحب سفراء مصر من البلاد الكافرة جميعاً حتى يعتنقوا الإسلام وكذلك فرض الجزية على المسيحيين او طردهم من الوطن لأنهم كفار والدعوة للشيخ اسامة بن لادن للتوجه للعيش بمصر أمن من كل شر بإذن الله وإلغاء الكمبيوتر والسيارات وأجهزة التكييف وكل ما هو من صناعة الغرب الكفار وانهاء العلاج بالأدوية الغير اسلامية مثل الأعشاب وحبة البركة ورجل العفريت وماشابه ذلك .... وووووو .. و كثير من عبث أفكار بعض رجال الجماعة الذين لا يفهمون كيف يتعاملون مع الواقع ؟

- ام ان الإخوان المسلمين سيقدمون لنا فريق ثالث غير هذين الفريقين اللذان مللناهما طيلة فترة عمر الإخوان المسلمين .. فنحن نعرف الإخوان على انهم اما هذا الفريق الذي لا يهتم إلا بالتفاهات ويعتبر انها مربط الفرس والفريق الأخر الحنجوري الذي يحمل من الشعارات مالا يستطيع ان ينفذ منه واحد بالمليون وفي كلا الحالتين هم صوت عالي لبرميل فاضي حقاً .

- أنا مواطن مصري وعربي وأعاني مثل ملايين المصريين والعرب مما وصل اليه الحال بمصر وفي كل الدول العربية على السواء في كل شئ واتمنى من الله ان يبدل الحال ولن ارفض ان يكون الحل على يد جماعة دينية إصلاحية ابدا مادامت جماعة معتدلة تكون ذات فكر واقعي ذات كوادر قادرة على تحمل المسؤولية .. لا أن نخرج من سواد لسواد اعظم ... هل سيتحرك الإخوان المسلمين في مصر او حماس في فلسطين او إخوان سوريا الذين سيدخلون الى الكادر السياسي السوري في القريب العاجل .. هل سيتحركون جميعا في الإتجاه الصحيح لنهضة شعوبهم وإعطاء الصورة الحقيقية للعالم عن الإسلام والمسلمين الحقيقيين .. ام سيكونون بمثابة جبهات إنقاذ جديده تعيد تاريخ جبهة إنقاذ الجزائر ؟؟

عموما لن أقدم اي تصور مقدماً وساترك الأمور تجري كما يريدها أصحابها لكني أأمل وأدعو الله سبحانه وتعالى ان يخيب الإخوان المسلمين ظني وظن كل من توقع لهم الفشل وجر البلاد للخزعبلات والتفاهات واساطير قصص ألف ليله وليله لبعض رواة الأحاديث والسيرة بل وبعض المفسرين والمفتيين الذين لم ينزل الله بهم من سلطان .

ماهر ذكي

شاعر وكاتب مصري مقيم بالصين