|
عندما تحترق السفينة
يتركها القبطان لتغرق وتأكلها النيران
جمال ابو شادي
9 فبراير 2006
نحن بحاجة ماسه - في هذا الوقت بالذات - إلى تعلم وإتقان فن إدارة الأزمات
والخروج منها بأفضل النتائج وأيضاً بأقل التكاليف والخسائر، نحن بحاجة إلى وقفة
مع الذات ومراجعة ومحاسبة ومساءلة جادة لمنظومة أفكارنا وتصرفاتنا وإنفعالاتنا،
لكي نحدد ما نريد وما يجب عمله، وحتى نوجه بوصلة العقل والوعي والضمير في
الإتجاه الصحيح، وحتى لا يفر قبطان أخر من قيادة سفننا العربية المسلمة التائهة
في خضم الحياة الصعبة، ويتركها تحترق ويهرب من تحمل مسؤولية فشله في إدارة
الأزمة وصراع أمواج البحر العاتية، وحتى يقود القبطان السفينة لبر الأمان، وحتى
يصمد ويبقى يصارع الأمواج والرياح – والمثل الصيني يقول لقادة سفننا العربية
المسلمة: البحر الهادئ لا يصنع بحاراً قوياً – وحتى لا يهرب من الموت لينقذ
نفسه ويضحى بأرواح من كان هو مسؤولاً عنهم أمام الله والرسول (ص) الذي نتظاهر
بحبه، وحتى لا تغرق السفينة وهي تحترق ويبتلعها البحر، يجب علينا أولاً وقبل كل
شيء أن نعاقب القبطان ومن وراءه ومن تهاون في أرواح البشر وكرامة الإنسان، يجب
وضعهم جميعاً خلف القضبان، وقبل كل شيء يجب محاسبة ومعاقبة مبارك ومن معه من
جماعة الإخوان.
هذه جرائم بشعة تُديرها أيدي فاسدة وتستغلها عصابات مجرمة قذرة لا يهمها
إنسانية المواطن العربي بقدر ما يهمها الربح والمادة .. هؤلاء المجرمون يتسترون
وراء الدين وخلف شعار التقوى والخشوع وهم لا يراعون الله في أرواح أبناء بلدهم
.. نحن نعيش في دول على شكل سفن يديرها قبطان فاسد ومعه أولاده وعصابته ورجال
دينه. سفن أو دول لا فرق كلها بلا قوانين ولا مبادئ ولا حقوق للمواطن أو لراكب
السفينة .. لصوص البحر كثر والقراصة يحيطون بسفينة الوطن ومن كل جانب والفساد
في كل شيء والتعفن الإداري والحكومي والقضائي يعشش في كل زاوية من زوايا الوطن
.. إن خروج عشرات الآلاف - ومن الأزهر بالذات واليوم بالتحديد - للتنديد بحكومة
الدانمارك شيء مقبول، إذا تم السيطرة على دفة السفينة وعلى غضب ركابها حتى لا
تُحرق ممتلكات من لا ذنب لهم في الإسارة للرسول (ص) .. ولكن سوف يكون الرسول
(ص) راضى عنكم كل الرضى، لو أنكم تظاهرتم أمام قصر مبارك للمطالبة بمحاسبته هو
وأبناءه وأركان حكمه وكل من له علاقة بالدمار والفساد والحرائق التي حصلت وتحصل
وسوف تحصل في مصر ويكون دائماً ضحاياها من الغلابا والمساكين وممن جار عليه
الزمن وحكامه .. تظاهروا وصبوا جام غضبكم على فساد هذه الحكومة وعدم إحترامها
للمواطن وكرامته وإنسانيته وحقه في الحياة الكريمة الآمنة .. تظاهروا ضد من
يبيع منتجاته تحت شعار الدين والتدين ويغلفها بقال الله وقال الرسول، وتحت شعار
الإسلام هو الحل .. الرسول (ص) لن يرضى عنكم وأنتم تغضبون له من إجل رسومات
تافهة - كان من الممكن إدارة أزمتها بشكل أنجع وبأقل خسائر مما حصل - لا ترقى
ولا تقارن بأرواح بشر من أمة رسول الله والتي هي عنده أرفع مقاماً وأثقل وزناً
من الإنشغال بتلك الرسوم وتناسي من هم أهم منها، وأنا على يقين من أن الرسول
سيغضب على كل من قتل نفساً بريئة مؤمنة لا ذنب لها سوى أنها فقيرة معدمة كانت
تسعى لتحصيل قوتها وقوت عيالها في بلد النفط وعند خادم الحرمين الذي دفع أموال
المسلمين للصين والهند لكي يحسنوا إقتصاد بلادهم وترك جيرانه العرب المسلمين
ولم يستثمر بها أمواله التي نهبها وعائلته من بلاد الرسول (ص)، والذي كانوا هم
السبب الرئيسي في إساءة العالم له وللمسلمين وللعرب بكل ما عملوا ويعملوا وعلى
مدار الزمن الذي حكموا فيه بلاد الرسول .. الحكومة المصرية الفاسدة أخرجت عشرات
الآلاف من الأزهر هذا اليوم بالذات، ليس بحباً بالرسول ولكن لكي تُغطي على
بشاعة الجريمة ومدى حجم الفساد في هذه الدولة وحتى لا يعاقب من تسبب في هذه
الجريمة البشعة وخاصة أنه من جماعة الأخوان المسلمين، فكان من الأفضل للدولة
وللجماعة ركوب سفينة التظاهر والتنديد بمن أساءة للرسول (ص) وكأن الدانمارك هي
التي أحرقت السفينة وهربت القبطان، والغريب أنهم لم يخرجوا عندما كانت الإمور
في أوجها وقبل أن تغرق السفينة ويتركها القبطان لتحترق في البحر وبداخلها ما
يقارب 1000 إنسان ممن يوحد الله ويؤمن برسوله، وهذه الجريمة البشعة - وخاصة ممن
يؤمن بالرسول - إساءة أكبر في حقه، طالما أننا لمن نغضب ونندد بها ونعاقب من
تسبب بها ومن كان مسؤولاً عنها.
عندما تُستغل عواطفنا ومشاعرنا وإنفعالتنا وتوجه في إتجاه معاكس ونُخطئ العنوان
.. عندما نَقبل الذل ونستمرئ العبودة والظلم والفقر والهوان .. عندما يستعبدنا
ولات الأمر ويحتقرنا أزلام السلطان .. عندما نرضى بالجوع ونقنع بالبؤس والشقاء
ونقبل بالطغيان.. عندما ندعو الله فلا يستجيب لنا لأنه على العرب والمسلمين
غضبان .. عندما نَرجوا ونطلب من غيرنا الرحمة في إبناءنا ومقدراتنا ونحثهم على
الصفح عنا والغفران .. عندما نحرق الأخضر واليابس ونفجر الأرض غضباً كالطوفان
.. عندما نخوض الموج ونصارع ولكن بعقلية الصبيان .. عندها ستغرق سفننا ولن نجد
لها ولنا مرسى يحمينا ولا شُطآن .. فلا صبرنا يجدى ولا بكاءنا ولا حتى النسيان.
ما نحن فيه الآن من تنامي تسونامي التدين الفجائي غير المضبوط، وما آلت إليه
أوضاعنا وما نحن فيه من مصائب ودمار وخراب، له سبب بل هو من أهم الأسباب .. ذلك
لأننا أسلمنا كل ما يخص إدارة حياتنا وأفكارنا وحتى مشاعرنا وعواطفنا
وإنفعالاتنا لغيرنا من ولي الأمر ورجال الدين والمشعوذين والنصابين والمتاجرين
بحقوقنا وقضايانا وأمننا ومعاشنا، ليتحكموا بها ويقودوا نواصينا إلى أعماق
البحر المظلم .. ونحن منقادون وراء من يملك السلطة ومن بيده القرار، بلا وعي
ولا تعقل كالأنعام بل أضل سبيلاً.
من المسؤول عن ضحايا السفينة وفساد الإدارة ومن قاد الدفة ومن أبحر بنا بلا وعي
ولا هدى ولا قانون ولا ضمير ولا إحساس .. من ترك السفينة تغرق وهرب يبعث عن
الأمن والأمان .. هل المسؤول عن ذلك كله الطليان؟ لا أنه عربي من العربان ..
ومن إستأمنه على أرواح الخلق للأسف من جماعة الإخوان. حرائق هنا وغرق وموت هنا
وهناك غليان .. هنا التسيب وهناك فلتان .. هنا إغتصاب لحقوق الإنسان .. وهناك
موت ودماء وضياع للمواطن والأوطان .. ونحن لا زلنا نبحث عن القاتل الحقيقي وعن
السبب لهذا الطوفان .. والله أعلم ورسوله أن السبب لكل مصائبنا هم الطليان.
|