بين عطلة السويدي وبرنامج صاية وصرماية
د. وديع بتي حنا
wadeebatti@hotmail.com
 1 فبراير 2006


أجلس في مكتبي في العمل, امامي وبجانبي وخلفي زملاء من ابناء البلد من السويد. أسمع اثناء العمل مكالماتهم الهاتفية لاننا جميعا في قاعة واحدة , هذا يحجز له ولعائلته في سفرة بحرية او للتزلج على الجليد في عطلة نهاية الاسبوع وذاك يتصل بشركة الطيران ليؤكد الحجز الى حيث قرر هو وعائلته ان يقضي عطلة الصيف. يختار اليوم والساعة في تموز او اغسطس ولايساوره ادنى شك في ان عائقا ما سيحول دون ذلك, مشكلة الحصول على الجواز او تجديده هي اغرب الى الخيال في ذهنه , ان تغلق حدود بلاده اوحدود الدولة التي ينوي اليها ذلك ضرب من المستحيل. نذهب الى وجبة الغذاء , نجلس على طاولة واحدة , الاوربيون يعشقون الحوار مع الطعام ولكن ايَ حوار! انه الكلام عن الطعام والطقس ودرجة الحرارة في عطلة نهاية الاسبوع . يضحكون لايِ سبب نراه تافها في وقت بات ضحكنا أشبه بمعاملة رسمية تحتاج الى جيش من الموقعين . وبينما تسمع سيلا من التعليقات حول الطقس والطعام تتمنى في داخلك ان يُحرِف احدهم الحديث نحو الهمِ والحزن و التفجيرات و السياسة لكي تقتنص فرصتك وتُبدع في ذلك و تستعرض كل خبرتك و تُصبح نجما للحوار دون منافس ولكن بدون جدوى . قوم يسبح ويطوف في الحياة حيث لها معنى لديه في كل لحظة.

اعود الى البيت بعد يوم عمل طويل وكما يفعل الملايين مثلي من العراقيين والعرب في الوطن وفي المغتربات الذين ادمنوا على النشرات الاخبارية كما يُدمن الحشاشة على القات والحشيش والكوكايين , أفتح التلفاز واتوجه مباشرة الى الصحن الفضائي فلاتروي الضمأ القنوات السويدية ويقع الاختيار على فضائية الشرقية العراقية واذا بها تقدم تقريرا عن برنامجها الجديد ( صاية وصرماية ) . مئات وربما ألاف من العراقيين و العراقيات الذين انهكتهم الحياة, يملك اغلبهم قصصا لو سمعها ايوب لصلَى الى ربه يدعوه لاظافتها الى سفره . بشر قرروا التوجه الى مموِل يحهلونه فعليا ويجهلون غايته ونيته , كل ما يعرفونه انه عرض عليهم ان يُعلِمهم الصيد فلا يعودوا بحاجة الى سمك حكومتهم العتيدة الذي يأتيهم في المناسبات والاعياد الوطنية والدينية . ألاف وهناك ملايين غيرها تريد ان تتشبث باية قشَة في بحر الحياة الذي كاد يُغرقها من شدة ماقسى عليها .

بلد تُغطيه الثلوج اغلب شهور السنة , يُقال للمزحة انه تم اكتشاف حفنة من البترول في شماله فقررت الحكومة تحمَل نفقات استخراجها الكبيرة من اجل وضعها في المتحف الوطني . شعب لايملك من الثروات الكثير ولكنهم ( اللهم لاحسدا لانهم طيبون ) نادرا ماتراهم يتثائبون في العمل لانهم ينامون ليلتهم بهدوء مطمئنين على حاضرهم ومستقبلهم بل ومستقبل اجيالهم حيث كل هذا هو قانون للحياة ولايعتمد على مكرمة او مزاج الملك او الحكومة . يلتقي السويدي رئيسه في العمل في صورة راقية لعلاقة احترام طبيعية بعيدا عن الخوف او التملق لانه يعرف جيدا ان ترقيته او فصله من العمل ليس قرارا يتحكم فيه مزاج رئيسه .

في بداية التسعينات وكنت للتو قد عدت الى الوطن بعد إكمال الدراسة وتم تعييني في جامعة الانبار وتعرَفت فيها على اصدقاء و اخوة اعزاء. كان حينها عدد من يحملون صفة ( صديق الرئيس ) ليس بذلك العدد الضخم . سألت حينها زميلي في العمل ممَن كان يحمل ذلك اللقب عن مغزى كونه صديقا للرئيس وامتيازاته . لازلت احفظ اجابته عن ظهر قلب , قال لي ساخرا : ان مهمتنا نحن اصدقاء الرئيس ان نجمع مايقع منه . نعم هكذا هو حال شعبنا دائما , زرعه ونباته يعتمد على مطر السماء وحياة ابنائه تعتمد على مطر حكامه وحكومته . اذا كان علينا ان نعترف بمنَة السماء ونشكرها وهي تسقي زرعنا فلماذا نتحَمل منَة حكامنا في خيراتنا وثرواتنا . الى متى تبقى عيوننا مشدودة احداها الى السماء طلبا للغيث والاخرى الى الحاكم طمعا في مكرمته ؟ وليته في ذلك كان عادلا , فترى زخاته تُحدث فيضانا لدى نفر قليل بينما تقتصر على قطرات بسيطة على الغالبية العظمى من ابناء الشعب فقد وصل الامر في الاحيان ان تُحسب عدة غرامات من السمن والشاي مكرمة اما دجاجة العيد او طبقة بيض احتفال عيد الميلاد فهذه وتلك مكرمة ثقيلة . هل شعرت تلك الام المسكينة التي وضعت التوامين الملتصقين السياميين بكامل السعادة عندما ُأخبرت ان عاهل السعودية خادم الحرمين الشريفين قد استجاب لدعوتها اولا قبل ان تفعل حكومتها ذلك ؟ بالرغم من التقديرالعالي لمبادرة الملك السعودي وايمان الجميع ان فعل الخيرهو ساحة مفتوحة للجميع إلا ان لحظة الاسى عاشها كثيرون مثلها . وهل كانت تلك الام اساسا لو كانت سويدية او كانت تعيش في بلد المؤسسات حقا بحاجة لان تطلق صرختها تطلب المساعدة من كائن من كان ؟

ربما يعرف الكثيرون ان حكومات النظام الملكي وماتلاها الى فترة اخرى كانت تستسيغ صفة ( الرشيدة ) كنعت لتلك الحكومات و في العقود الثلاثة الماضية اختار النظام لنفسه صفة ( القيادة الحكيمة ) كنعت جديد على اعتبار ان الحكمة هي ارقى من الرشد. لا الرشيدة فادت واما الحكيمة فقد كانت مدمرة من فرط ( حكمتها ) ! وكان امل العراقيين بالعهد الجديد ان يكون عهدا بلا نعوت تعلِم الحكومة فيه ابنائه الصيد لمن لايتقنه فيخرج الجميع كل يوم لصيد رزقه مطمئنا لوجود سمك وفير له ولاجياله , ليس عليه واجب مشاهدة نشرات التاسعة مساءّ ليحتاط لغده , ليس ( دائخا ) بتأمين مائه وكهربائه , عند ذاك قد يفكر في عمله ان يتصل بتلك الجهات التي يتصل بها زميلي السويدي وتقلَ حتما حينئذ زبائن برنامج صاية وصرماية.

هل كثير على شعبنا الطيب الذي قاسى وعانى كثيرا ان يعيش كما يعيش الاخرون ؟