From : tijanib@yahoo.com
Sent : Sunday, February 5, 2006 4:32 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : تحياتي الحارة
 

المصالحة في المغرب وفي الاتجاه المعاكس؛ على حد سواء!
بقلم: التجاني بولعوالي
كاتب وشاعر مغربي مقيم بهولندا


كما هو معلوم قد تناولت قناة الجزيرة من خلال برنامجها الاتجاه المعاكس، الذي يديره الأستاذ فيصل القاسم، خلال الأسبوع الثالث من شهر يناير 2006، موضوعا من الأهمية بمكان، وهو المصالحة في المغرب، مما جعل مختلف شرائح النخبة المغربية، في الداخل والخارج، تعير هذه الحلقة من البرنامج اهتماما منقطع النظير، متوقعة أنها سوف تميط اللثام عن مشروع المصالحة الذي طرحته الدولة المغربية بشكل موضوعي، يعري القضية مبرزا حقائقها المخفية.

وباعتباري مثقفا مغربيا، يحاول متابعة ما يجري في الوطن من أحداث وتغيرات وتحديثات، يلزمني أن لا أفوت فرصة مشاهدة هذه الحلقة الخاصة بالمصالحة في وطني، لأننا اعتدنا على أن لا نعيش إلا حلقات المباغضة والمقاتلة والمناحرة التي امتدت عبر سنوات الرصاص والترهيب والتنكيل، والآن، والحمد لله، فمجرد الكلام على المصالحة يمنحك شيئا، ولو ضئيلا، من الأمل واللاخوف، مما حفزني على أن لا أضيع هذه الحلقة من برنامج الاتجاه المعاكس.

غير أنه كانت ثمة مشكلة من عيار آخر، وهي أن جهاز التقاط القنوات (الساتليت)، توقف عن العمل قبل بضعة أيام، وذلك نتيجة الثلوج التي تهاطلت على مدينة أمستردام، والرياح القوية التي عقبتها، مما أثر على الصحن المستقبل لموجات القنوات، فحاولت أن أحركه وأديره مرارا وتكرارا، لكن لم أفلح في إصلاحه، فلا يظهر على شاشة التلفاز إلا السواد، وإشارة فوقية تبين أن الاستقبال 0%، فلاح لي أنه ربما أن البرنامج سوف يبث مباشرة في موقع الجزيرة عبر الإنترنت، فهرعت إلى جهاز الكومبيوتر، لكن خيبة أملي كانت كبيرة عندما أدركت أنه ليس ثمة بث حي للبرامج عبر الشبكة الدولية، وبعد تلك المحاولات الفاشلة، وبعد أن أصر علي أحد أصدقائي المثقفين بأن أدلي بدلوي حول هذه القضية، أقنعت نفسي بأن أكتب تدخلا حول قضية المصالحة في المغرب، وأبعثه إلى البريد الرقمي للبرنامج، فكان ذلك!

وقبل لحظات قصيرة من بث البرنامج، قلت في نفسي: لماذا لا أحاول مرة أخرى مع الصحن المقعر، لعلي أنجح في التقاط القنوات، وأنفلت من الملل والرتابة التي تحاصرني بها القنوات الهولندية التي غالبا ما تجبرني على إطفاء التلفاز، بسبب الميوعة الأخلاقية التي تتخلل برامجها، فقمت إلى الصحن، فأدرته بشكل خفيف، وإذا بي أسمع صوتا يطلع من التلفاز، وعندما هرولت إليه، وجدت أنني نجحت في إصلاح جهاز الساتليت، الذي ظل طوال بضعة أيام مضربا عن العمل!

هكذا تسنى لي متابعة حلقة برنامج الاتجاه المعاكس الخاصة بالإصلاح في المغرب، فصدمت أيما صدمة، كما صدم العديد من المثقفين المغاربة، لأن هم المشرف على البرنامج، كما هو الحال دائما، هو أن يوجد متحاورين متضادين، حتى يحقق الهدف الرئيس للبرنامج، الذي هو كما يشير الإسم، إيجاد اتجاهين متعاكسين، ولو كان ذلك التعاكس والتضاد مبنيا على الافتعال و(الفبركة!) أو المجاملة أو العداوة، وعلى حساب القضية المتناولة، لذلك نراه يستدعي مثقفا كبيرا متميزا بفصاحته النادرة ولغته الجميلة ومعرفته الواسعة، غير أنه لا يمت بصلة إلى القضية المطروحة، فهو جزائري والمصالحة تجري في المغرب، فكيف لنا أن نوحد هذا التنافر الذي كثيرا ما كان يخرج البرنامج عن سكته، ليدخله في متاهات أخرى كقضية الصحراء المغربية، والعلاقة الجزائرية المغربية، أليس ثمة بديلا مغربيا، ونحن ندري أن المشهد الثقافي والسياسي المغربي يعج بالمعارضين للصيغة التي طرح بها مشروع المصالحة، وما استطلاع الرأي الذي تم على هامش هذه الحلقة إلا دليل قاطع على ذلك، أم أن فيصل القاسم كان يخشى أن لا يحقق البرنامج الهدف المرسوم له، وهو إحداث الجدال والتشاجر والتعاكس وصداع الرأس وغير ذلك!

إن الغرض من كتابة هذه الورقة، ليس تناول هذه الحلقة من برنامج الاتجاه المعاكس، تفسيرا أو تقييما، وإنما الإشارة إلى الإقصاء الذي مارسه مقدم البرنامج لشريحة عظيمة من المجتمع المغربي، التي لم تستفد من مشروع المصالحة الوطنية، وكأنما تواطأ بذلك مع المخزن المغربي، إلى درجة أنه لم يشر أثناء البرنامج ولو إلى تدخل واحد من التدخلات العديدة التي تلقاها، وهذا لعمري ليس من باب الصدفة، وإلا فإن صاحب البرنامج يفتقد بعد النظر، وفي هذا الإطار كنت قد شاركت بتدخل موجز، حاولت من خلاله توصيف وتقييم الشكل الذي تمت به المصالحة في المغرب، وعلى نفس المضمار كانت بعض المشاركات التي كان مآلها سلة المهملات، والبعض منها يوجد على الرابط: http://www.achabibah.com/muntada.html

وهذا نص المداخلة الذي شاركت به وكان مصيره كذلك سلة المهملات!

أن تعترف الأنظمة العربية والإسلامية بأخطائها وهفواتها، التي اقترفتها طوال عقود حكمها الاستبدادي، شئ جميل جدا! غير أن تبني هذه الأنظمة في الآونة الأخيرة لجملة من القضايا، وطرحها لمشاريع المصالحة والإنصاف والإصلاح وغير ذلك، ينم إما عن:
1- أن هذه الأنظمة بدأت تعود إلى رشدها، وترى في الخيار الديمقراطي خير مخرج لها مما تتخبط فيه من إشكالات سياسية واقتصادية وغير ذلك.
2- أو أنها تريد من خلال هذا التوجه والتبني احتواء الوضعية العويصة التي آلت إليها كراسيها، بإظهار عكس الحقيقة للرأي العام والخاص العالميين.

فيما يتعلق بحالة المغرب، يبدو أن الملك أعلن مشروع الإنصاف والمصالحة الوطنية، فقال بذلك كلمته التي تستحق أن تثمن، لكن بقي أمر التنفيذ والتطبيق، وهو أمر معلق في رقبة الحكومة والهيئات المختصة، حيث نرى أن المصالحة تتم بشكل نسبي، فالمستفيد منها إلى حد الآن هما شريحتان:
أولهما: محسوبة على اليسار المغربي الذي عانى طويلا، خصوصا في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، وزج بمناضليه في السجون، فعذب من عذب، وقتل من قتل، ولا ريب في ذلك.
وثانيهما: يمكن أن نعتبرها شريحة بريئة مما ألصق بها من تهم سياسية، كانت ضحية الأوضاع السياسية العصيبة التي شهدها المغرب، حيث كانت لا تفرق الآلة العسكرية بين الطالب والفلاح والنقابي والمثقف والعامل ..!

في حين ظلت شريحة ثالثة محرومة في الغالب من هذا الإنصاف، وتلك المصالحة، وهذه الشريحة ينحدر ممثلوها من مختلف التيارات الإسلامية المغربية المعروفة، التي لم تنج من الاضطهاد السياسي الذي كان ضحيته العديد من الطلبة والمثقفين الإسلاميين، الذين ما يزال أغلبهم إما قابعين في السجون، أو منفيين، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى ممثلي الحركة الإسلامية المغربية، الذين ما يزالون مشتتين بين الدول العربية والغربية، يرتقبون ما سوف يسفر عنه مسلسل الإنصاف والمصالحة الوطنية الذي يشهده مغرب الألفية الثالثة.