بعد نقل الملف النووي الإيراني إلى مربع الخطر: هل نحن مع إيران أم مع الولايات المتحدة؟
بقلم: سمير عبيد
5 فبراير 2006


(( عندما تكون إيران قوة إسلامية ضاربة فهي حماية للمسلمين، وبما أن العرب جزء من المسلمين فستكون حمايتهم مضمونه))

لقد عارضنا ولا زلنا نعارض التدخل الإيراني في العراق، وفي أي بلد عربي آخر، ولقد عارضنا الغزل بين طهران وواشنطن في مسألة العراق، وكنّا نبحث و نؤكد من أجل معرفة حقيقة ومديات هذا الغزل، لأن الضحية هو المواطن العراقي، حيث هو الذي دفع و يدفع ثمن هذا الغزل من دمه وقوته وراحته، ولكن بنفس الوقت لم نُنكر هناك إستراتيجيات مختلفة بين طهران وواشنطن، ومن هنا بدأ الأمر أمامنا طلسما، ولأجل ذلك طالبنا ومن خلال بحوث ومقالات بحل رموز ذلك الطلسم من أجل معرفة الحقيقة، وعدم إلتباس الأمور التي تزيد في المحظور.

وأكدنا على نقطة في غاية الأهمية وعلى الرغم من معارضتنا للتدخل الأيراني، وهي الإعتراف بحقيقة إن إيران جارة للعراق والعرب وستبقى للأبد، وليس من مصلحة الشعبين العراقي والإيراني تأزم العلاقات بينهما، ولا من مصلحة العرب وإيران حصول بعض الإحتقانات والأزمات بينهما، وكذلك يجب عدم القفز على الحقيقة العاطفية والإيمانية والروحانية والعقائدية، وهي أن للإيرانيين الحق بدخول العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء وغيرها، ولكن بنفس الوقت لا يجوز إستغلال الزائرين من قبل بعض الجهات التي تريد العبث بأمن العراق على المستوى الإجتماعي والأمني والصحي والأخلاقي، أي لا يجوز التجسس داخل العراق ضد العراق وغير العراق، ولا يجوز جلب وحمل المخدرات من أجل بيعها في العراق، أو يكون العراق ممرا لها نحو الخارج، وأكدنا أن علاج هذا الموضوع يحتاج لنيات صادقة بين الجانب الإيراني والعراقي.

ولقد كانت ولا زالت هناك بحوثا أكدت وتؤكد على إمكانية التحالف بين طهران وواشنطن، وهناك بعض الشخصيات والمعاهد الإيرانية والأميركية تعمل على هذا من وراء الكواليس وبعلم الدولتين، ولقد إنغمسنا بجزء منها وكتبنا حول ذلك، ونعتقد أنه لو فكر الأميركان جيدا لوجدوا أن الحوار مع طهران هو الأفضل لهم وللمنطقة على المستوى المستقبلي، وهو الطريق المستقيم نحو التحالف الإستراتيجي بين الدولتين ، ولكن الإدارة الأميركية الحالية ليست كالإدارات السابقة، أي أن هذه الإدارة تُحرّك من تل أبيب أي من إسرائيل، حيث أصبحت الولايات المتحدة وبظل إدارة بوش الإبن مطية لسياسات إسرائيل والفائز الأول هي إسرائيل وليست أميركا ولا الشعب الأميركي ،خصوصا بعد إنغماس الرئيس الأميركي جورج بوش وبعض مساعديه في المستنقع ذو الصفة الروحانية الشريرة التي إختلطت به (اليهودية المتشدّدة مع البروتستانتية المتشدّدة) ضد هدف واحد وهو الإسلام والحضارة الإسلامية والتطلع الإسلامي بعربه وفرسه وأتراكه وغيرهم.

لهذا فغباء الإدارة الأميركية الذي تريده إسرائيل بخّر التقارب والحوار الذي يقود للتحالف، وقرّب الدولتين أي إيران والولايات المتحدة نحو مربع المواجهات والحصار والصدام وذلك من خلال الإختلاف بوجهات النظر حول الملف النووي الإيراني، والذي هو ليس كفرا ولا مستحيلا، وهو حق من حقوق الشعوب الفارسية والعربية والتركية والإندونونسية وغيرها، وحق من حقوق المنطقة وشعوبها ،ومن هذا المنطلق نحن مطالبون جميعا أن نعلّق خلافاتنا السياسية والدينية والإيديولوجية والفكرية مع طهران، وخصوصا الشعوب التي أصبحت ضحية السياسات الأميركية والإسرائيلية وضحية سياسات بعض الحكام العرب، وأن الشعب العراقي في مقدمتها حيث تآمر عليه ( بعض) الحكام العرب والإسرائيليين والأميركيين ليذبحوه ويشتتوه ويقذفوه خارج الحدود والآن يطاردوه بسيناريو القتل والإرهاب و من خلال خلط الأوراق تحت نغمة الطائفية والمناطقية، والغاية هي تحطيم العراق والشعب العراقي.

لذا فالشعب العراقي أولا ثم الشعوب العربية ثانيا عندما توضع في زاوية شعارها ( أكون أو لا أكون) أي أما مع أميركا أومع إيران، فلابد أن يكون الإختيار هو مع إيران، حيث هي جارتنا للأبد، وأنها دولة مسلمة، ومن ثم قوتها تعني قوتنا وأن أختلفنا معها في الرؤى والفكر والمذهب، فإيران لا يمكن أن تهدم مقدساتنا الإسلامية والفكرية، ولا يمكن أن تشجع الحملات التبشيرية، ولا يمكن أن تعمل على ركن القرآن وتحجيمه، ولا يمكن أن تنشر الفساد الأخلاقي والثقافي في بلداننا ومنطقتنا، أما الولايات المتحدة التي أصبحت واجهة لأسرائيل، فهي حتما عملت و ستعمل على تجسيد جميع النقاط الخطيرة التي وردت أعلاه وخصوصا لو إنتصرت علينا في هذه المعركة.

لذا فمن مصلحتنا تشجيع إيران في برنامجها النووي، ومن مصلحتنا الدفاع عن إيران في هذا الوقت بالذات، حيث هي أهم لنا من الولايات المتحدة، وأهم لنا من إسرائيل، وأهم لنا من أي عاصمة عربية طارت وتطير منها الطائرات والصواريخ التي ذبحت شعبنا العراقي، ولا زالت تساعد بذبح العراقيين والفلسطينيين وتريد ذبح السوريين وغيرهم، فإيران عندما تكون قوة إسلامية ضاربة فستكون مضطرة لتحمي المسلمين، وبما أن العرب جزء من المسلمين فأن حمايتهم تحصيل حاصل.

أما مسألة التخوف الحالي من موضوع السلاح النووي الإيراني يحتاج الى إنفتاح إيراني في المستوى الإعلامي والفكري والمنظماتي والشعبي، وذلك من أجل توضيح النيات للشعوب العربية، أي أن إيران بحاجة الى نسج علاقات متشعبة وقوية وتكون فورية مع الخارطة الإجتماعية في المنطقة العربية، وذلك من أجل إزالة الشكوك والخوف والرعب وتطمين هذه الشعوب من البرنامج النووي، لذا لابد من إقامة الندوات والمؤتمرات داخل البلدان العربية وداخل إيران من أجل وضع الأسس المستقبلية التي تطمن شعوب المنطقة، و التي لابد من الشروع بها فورا، ودعوة معظم الإعلاميين والصحفيين والمفكرين واالسياسيين العرب لحضورها، لأنهم المعنيون بهذا الملف كي يعالجوا ناحية الخوف والتوجس من خلال تعريف شعوبهم بنيات إيران، وتعريف شعوبهم بمستقبل العلاقات الإيرانية العربية فيما لو نجحت إيران في ملفها النووي، ويا حبذا لو توقع مواثيق شرف إستباقية بين الإيرانيين والأطراف العربية ،وذلك لتطمين شعوب المنطقة، ومن ثم قطع الطريق على الحرب الإعلامية و الدعائية الأميركية والإسرائيلية التي تمارسها وستمارسها بإتجاه الشعوب العربية.

فأن ما نطرحه الآن ليس إنحرافا عن خطنا السابق، فنكرر لا زلنا على موقفنا الرافض للتدخل الإيراني في العراق، ولا زلنا نطالب إيران بمعالجة ملف الأحواز وشعب الأحواز العربي، ولكن عندما يكون السؤال : هل أنت مع إيران أم مع الولايات المتحدة؟... فحتما سنكون مع إيران وسوف نعلق جميع خلافاتنا السياسية مع إيران والإيرانيين ،ونكون معهم ضد المخطط الأميركي وضد النوايا الأميركية ضد إيران والمنطقة، فعندما تخسر إيران المعركة مع واشنطن فمعناها أصبحت المنطقة مباحة الى سياسات الكابوي والهاجانا، وهذا مستحيل بعون الله... فننصح جميع الأطراف السياسية والمذهبية والفكرية بعدم اللجوء الى سياسة الغلو وأخذ العزة بالإثم، وعلينا التفكير بالحكمة ذات الأبعاد الإستراتيجية!.