كتب : أسامة فوزي
بعثت قبل فترة برسالة الى صديق استكتبه في " عرب تايمز " فقلب الرجل رسالتي وقرأها اكثر من مرة قبل ان يتصل بي ويسألني :" ما هو سقف عرب تايمز " ؟


من المعروف ان لكل جريدة في العالم العربي " سقفها " ... والكاتب الذي يضطر الى الكتابة في خمس صحف مثلا عليه ان يراعي الاسقف الخمسة والا خوزقوه ... فسقف من يكتب في الصحف الاماراتية يختلف عن سقف من يكتب في الصحف السورية او القطرية او السعودية او الاردنية والعكس صحيح .


في صحف الامارات مثلا يمكن ان تشتم ياسر عرفات دون اية مشكلات... وفيها نشرت عدة مقالات عن عشيقات صدام حسين وعن الخلافات بين نسوان الملك حسين وعن سهى الطويل الخ  .... ولكن اذا عرجت على ذكر شيخ تافه من شيوخ الامارة ولو على سبيل المداعبة ستجد نفسك في السجن وربما على اول طائرة الى بلدك بحجة انك تجاوزت " السقف " المسموح به للجريدة .

 والشيء ذاته تجده في اراضي السلطة الفلسطينية فهناك يسمح لك بمسح الارض بأتخن شنب عربي ولكن اذا تجرأت وسألت مثلا عن رصيد سهى الطويل في بنوك فرنسا سيقوم جبريل الرجوب باعتقالك وتعذيبك بحجة انك تطاولت على الرمز الفلسطيني .... وقس على هذا في الاردن والعراق وسوريا ولبنان .

 في الاردن مثلا ... كانت جريدة " البلاد " التي تصدر عن المخابرات الاردنية كما اعترف صاحبها السابق نايف الطورة امام المحكمة وكما اقر مندوب المخابرات الذي شهد في قضية الدولارات المزورة ... اقول : كانت "البلاد" تهتك اعراض الحكام العرب بصريح القول وبتمويل من المخابرات الاردنية .... ولكن لو تجرأ صحافي اردني وكتب كلمة واحدة عن اي عضو في العائلة المالكة في الاردن لزجوه في السجن بتهمة " التطاول على الذات الملكية " وتجاوز السقف المسموح به ... وهلم جرا .


حكاية " السقف " هذه انتقلت طبعا الى الصحف والمجلات العربية التي تصدر في اوروبا .... فهذه المنشورات لها سقفها ايضا ويرتفع السقف او يدنو بمقدار ما يضخ صاحب المؤسسة في جيوب الصحفيين العاملين في هذه المؤسسات او ممن يكتبون فيها من خارج هيئة التحرير .

 فجريدة " العرب " اللندنية مثلا قد تلعن سنسفيل اي حاكم عربي دون حرج ولكنها لا ولن تمس شعره واحدة في صلعة ابن القذافي لان سقف الجريدة فيما يتعلق بالعقيد واولاده ونسوانه وعشيقاته " مخزوق "


* سقف جريدة " القدس " مثلا من اعلى الاسقف في لندن طالما ان المقالات المنشورة تشتم حكام السعودية او سوريا او مصر .... ولكن الجريدة سرعان ما تذكر كتابها بضرورة الالتزام " بالسقف "  بمجرد تفكيس مقالة لها عن حاكم قطر ونسوانه ... او عن اللقاء الفضيحة الذي تم مؤخرا بين شيخ دبي والوزير الاسرائيلي .... فالكتابة في هذه الموضوعات محظور لان سقف الجريدة في هذين الموضوعين تحدده المدفوعات الشهرية التي تصل اليها بصيغة اشتراك .... وعلى ذلك قس .

 فالحياة مثلا سقفها لا يحتمل كلمة واحدة عن الامير سلطان الذي يعمل بوظيفة وزير دفاع منذ عام 1962 لانه ببساطه والد صاحب الجريدة .... والشرق الاوسط سقفها يسرح ويمرح طولا وعرضا طالما ان الكتابة تتم ضد الاخرين ولكنه يتوقف عند الامير سلمان واولاده لانه صاحب " السقف " وهو حر فيه .

لذا لم اعجب من رد صديقي حين سألني :" ما هو سقف عرب تايمز ؟" .... فالصديق يكتب في خمس صحف عربية تصدر في خمس دول ... ولكل صحيفة سقفها الذي يوجب على الصديق ان ينسجم معه حتى تحول صاحبي من صحافي الى " ترزي " يفصل مقالاته وفقا لمواصفات " السقف " هذا او " السقف " ذاك .

 ولما بعثت اليه اقول ان عرب تايمز لا سقف لها .... بل واردفت :" خذ راحتك في الكتابة ... نريد مقالات لاذعة وناقدة وقليلة الادب" .... استجاب الصديق لمطلبي حيث بعث  بمقال عنوانه " صحافة الروموت كنترول " ولكنه رجاني الف مليون مرة ان انشره باسم مستعار وان لا اذكر اسمه او اسم المدينة التي يقيم فيها او الصحف التي يكتب اليها ... وقال ضاحكا : " ستكون في حل من نشر اسمي على المقال بعد موتي ".... ونزولا عند رغبته انشر مقاله التالي دون توقيع .... راجيا من الله عز وجل ان يقصف عمره في اقرب وقت حتى اعيد نشر المقال ولكن هذه المرة بعد او اوقعه باسمه الصريح .

صحافة الروموت كونترول
بقلم الصحفي سين


عملت مع كمشة من رؤساء التحرير وبضع عشرات من مدراء التحرير داخل وخارج الوطن العربي لكني لم اتلق من اي منهم توجيها كالتوجيه الذي تلقيته من رئيس تحرير عرب تايمز اسامة فوزي وهو يدعوني للمساهمة في الزوايا العديدة في الجريدة ... قال :" خذ راحتك في الكتابة ... نريدها لاذعة ساخرة ناقدة قليلة ادب وسافلة .... ليس لدينا حدود ولا سقف لما ننشره ".


وما طلبه اسامة في " توجيهاته السديدة " عكس ما كان يطلبه الاخرون الذين يبدأون بضرورة مراعاة "
الحساسيات " التي لا يعلم احد سقفها  و " تقدير الظروف " التي لا يعرف احد طبيعتها او مداها و " انتهاج النقد الموضوعي " و " الابتعاد عن التجريح الشخصي " و " عدم الاسفاف " و" عدم اثارة السلطات " حتى لو كانت " سلطة الطحينية " .


ومع ان اي مخالفة لتلك التوجيهات كانت كفيلة بقصف اعمارنا منذ زمن او اجبارنا على تطليق المهنة بالثلاثة دون اسف الا ان الخلافات العربية العربية - أطال الله بقاءها ما بقي الحكام الراعين لها - وفرت على الدوام متنفسا لحالات الاحتقان الشديدة والاحباط والعجز عن تمييز الخيط الابيض من الاسود حتى في وضح النهار وامام عيون الناس وسمعهم .


ومن هبة ساخنة ضد ذلك النظام ونسمة باردة مع هذا النظام كانت حياتنا في هذه المهنة تمضي بقليل من الانجازات وكثير من الاحباطات .


لكن يجب الاعتراف ان طاقة التحمل لدينا لم تكن واحدة.... فمنا من ترك المهنة في اول الطريق بعد ان ادرك انه لا يستطيع ان يلعب ببيضاته لا بالبيضة والحجر كما هو مطلوب .... ومنا من قبل ان يعيش في ظل المهنة  ايثارا للسلامة ومنعا للاحراج وخوفا من المخابرات فلا يظهر اسمه ولا رسمه ويكتفي بالعمل خلف الكواليس ومن وراء حجاب اكثر سماكة من حجاب زوجات وحريم ابن لادن .... ومنا فريق ثالث يميل حيث تميل ... فهو هنا وهناك حسب التيار وحسب مقتضى الاحوال ... اما الفريق الرابع - وهنا مربط الفرس - فهم الذين هاجروا بمهنتهم بحثا عن منافع اقل وجو اصلح ... وهؤلاء ايضا تفرقوا اشتاتا ... فمنهم من طلب من صفية ان تغطيه بعد ان وجد ان لا فائدة من المحاولة ولا رجاء من المتابعة .... ومنهم من دخل في الدوامة من جديد حين وجد ان الصحافة العربية المهاجرة لا تختلف بشيء عن الصحافة التي طلقها فأصحاب الصحف العربية في المهجر وفي اوروبا بالذات وزعوا انفسهم .... فمنهم الثوري الذي لا يشق له غبار ومنهم الرجعي الذي لا يشتغل عقله الا " ريوس " ومنهم من حاول امساك العصا من الوسط فهو يتقدم " خطوة " ويرجع " خطوتين " وهكذا ...
 

في هذه الاجواء التي لا تعرف فيها موقع قدمك ولا اتجاه قبلتك ... تجيء رسالة اسامة فوزي " خذ راحتك في الكتابة ".... شيك على بياض انصع من بياض الملابس المغسولة بمسحوق اريال .


وكما في حالة جائع مزمن وضع امامه مائدة شهية فيها عشرات الاطباق  والاصناف فبدا يأكل من هذا الطبق ويتذوق هذا الصنف الى ان اختنق بالطعام ولم يعد قادرا على البلع كانت حالتي وانا افكر فيما ابدأ فيه بالكتابة لعرب تايمز.


فقد تزاحمت في عقلي عشرات الافكار والاخبار والقضايا التي لم تتح لي فرصة التعبير عنها بالرغم مما كانت تسببه من ضيق لي ولغيري ومع كل فكرة يرد على خاطري السؤال الذي اواجهه وهو ما جدوى وتأتثير الكتابة عن بعد وعلى طريقة " الروموت كونترول " ثم هل استطيع وانا وسط هذه المعمعة ان استغل عرض الحرية المتاح لي في " عرب تايمز " دون ان اجد نفسي وعيالي وما ملكت ايماني على اول طائرة دون ان اعرف بالضبط محطتها الاخيرة ؟

انني يا صديقي اسامة اغبطك - والغبطة غير الحسد - على مشروعك وشجاعتك التي اعلم انها رأسمال كبير وموهبة لا تقل اهمية عن موهبة الكتابة نفسها ... وانا على يقين انه سيأتي اليوم الذي ندرك فيه اننا اذا اردنا ان نعرف ماذا يجري في " مالطا " علينا ان نعرف اولا ماذا يكتب في " هيوستون " .