هل سيبقى الشرفاء شرفاء
يوسف فضل
nfys001@yahoo.com


في النفوس حبور و" مبروك فوز الشرفاء " هي التهنئة التي تبادلها فيما بينهم قطاع كبير من أبناء الشعب الفلسطيني فرحا بفوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني . لكن ما أن أعلن عن الفوز المفاجيء ( هكذا يعتبره البعض لخلل ما في تحليلهم السياسي ) لحركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني حتى نزلت عليها الوصايا العشر من المولود يوم الجمعة ( معنى اسم كوفي) عنان إلى منافقي الديمقراطية الغربية يلقون بأوامرهم بما يتوجب على حركة حماس القيام به من تغيير ميثاقها بالإعتراف بإسرائيل (وكأن إسرائيل لم تكن موجودة قبل أن تعترف بها حماس ) واعتماد الخيار السلمي في نضالها ونبذ العنف لحل القضية الفلسطينية . أي أن حماس حُشرت في ركن المدافع عن النفس لتقديم وإثبات حسن نواياها لإرضاء إسرائيل . وعلى عكس التوافق المطلوب المصاحب للتغير الجديد على الساحة الفلسطينية لم يطلب منافقي الديمقراطية الغربية من إسرائيل بأن تنسحب ( على الأقل ) من الأراضي المحتلة عام 1967م والتي أطلقت عليها إسرائيل تسمية ( أراضٍ متنازع عليها ) مما يعني تبسيط للمشكلة الفلسطينية التي يمكن حلها بالتفاهم حولها بحضور بوفيه مفتوح متبوعا بالتسامر حول جلسة شاي وانتهاء بتقبيل اللحى والأنوف والأكتاف على الطريقة العربية . ولم يطلب منافقي الديمقراطية الغربية من إسرائيل تفكيك مستوطناتها من الأراضي المحتلة أو تجميد تسلحها أو أن تكون إسرائيل دولة خالية من السلاح النووي .

من المفارقات الساخرة (والفضل في ذلك لإسرائيل بأمر من أمريكيا ) أن الإنتخابات الفلسطينية هي الإنتخابات العربية الوحيدة التي تمت بنزاهة ونجاح تحت الإحتلال الإسرائيلي . فهل حالنا العربي لا يصلح إلا بالمطالبة بامتداد الإحتلال ( التواجد المادي له ) على كامل الوطن العربي حتى يتسنى للمواطن العربي أن يمارس بحرية الجانب الإنتخابي للديمقراطية .

تكمن أسباب فشل حركة فتح في الفوز بالإنتخابات الفلسطينية أن فتح ليس لها اطار فكري يجمع عناصرها معا وإنما هي حركة تحررية ( هكذا المفترض ) تجمع التناقضات الفكرية والجامع بين عناصرها هو المال . أيضا إن حركة فتح مارست سلطتها كأي دولة عربية متلوثه بالفساد واستئثاراً بالسلطة ولم تعمل على تجميع القوى الفلسطينية المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطيني بل كانت تعمل على تفتيتها ولم تنظر للمستقبل وتغيراته إلا من زاوية تحقيق المصلحة الذاتية وتغليبها على مصلحة الوطن فسياساتها كانت تعكس مصالح فئوية أياديها غير نظيفة من المال العام ولم تكن تعكس تطلعات الشعب الفلسطيني على الصعيد الإجتماعي فكانت القضية الفلسطينية بمثابة مشروع تجاري يحقق الربح لفتح وعناصرها . ولم تكن فتح تقدم خدماتها إلا لأفراد عناصرها. فقد أحسنت فتح بكل المقاييس باستغلال القضية الفلسطينية لبناء الحركة .لذا إن حركة فتح مدينة للشعب الفلسطيني بالإعتذار عما الحقته به من ظلم فوق ظلم الإحتلال . وعاشت فتح داخل وضع اعلامي محلي كاذب وعالمي منتفخ مريح لها لكنه غير قائم على حقيقة صادقة مما سهل على إسرائيل التخلص من فتح باستدراجها أولا لفخ الدخول في رحلة المفاوضات من مدريد إلى المشاركة في اللعبة السياسية المباشرة مع إسرائيل وتكبيلها باتفاقيات وتنازلات جلبت السخط على فتح فعزف الناخب عن اختيار حركة فتح احتجاجاً منه على الفساد الذي استشرى في السلطة ولم تعد تستطع الأنوف على تحمل نتانته .فجاءت نتائج الإنتخابات كفى فساداً. وبما أن حركة فتح لديها القابلية للإحتراق فاحترقت

في ظل الإسترخاء النضالي الذي عاشته فتح فشلت في حبك نسيج إنساني مع الشعب الفلسطيني وفي ظل غياب الإحساس بأهمية المسؤولية الإجتماعية فإنها اخفقت في سباق البحث عن اجابات تصنع حلولا ولم تدرك ما اعترى تطلعاتها من اهتراء في خدمة أهداف الشعب الفلسطيني الإجتماعية .

ستعيش الآن فتح فترة استراحة المقاتل مما يمنحها الفرصة لمراجعة خطواتها وسياساتها السابقة حتى تستطيع لم شملها ومداواة جراحها مرة أخرى للمشاركة في بناء الإنسان الفلسطيني . أم هنا ربطنا وهنا دفنا ؟

بمشاركة حماس بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني تكون قد اختارت الواقع على ما تطرحه من مثاليات في توجهاتها السياسية . ربما كانت تطمح ان يعزز دخولها تلك الإنتخابات من برامجها الإجتماعية التي تقدمها للشعب الفلسطيني . لكن هل ما انطبق على حركة فتح من الإحتراق سينطبق على حركة حماس من الإحتراق جراء مشاركتها باللعبة السياسية المباشرة مع إسرائيل ؟ وستقوم حماس بعد استلامها مقاليد السلطة الفلسطينية من اكمال مسيرة التنازل ( ما لم يتنازل عنه عرفات )وصولا على مرحلة الوضع النهائي كما تريدها إسرائيل من انشاء دولة فلسطينية دون سيادة ولا عودة للاجئين ولا عودة لمدينة القدس الشرقية فتحترق حماس لأنها أصبحت عبداً مأموراً بالاتفاقيات فيصل الشعب الفلسطيني إلى حالة اليأس المطلقة فيلعن حماس أكثر مما يلعن إبليس لأنه اختارها للتغيير فتغيرت هي.

لا بد للمرء أن يضع نصب عينيه أنه لا حرية لشعب دون سيادته ولا ديمقراطية دون استقلال لكن لا يمكن لحركة حماس القفز على الثوابت الإسرائيلية وهي أن إسرائيل لا يمكن أن تسمح بإقامة سلطة فلسطينية ذات سيادة . كما أن حماس لا تستطيع أن تمارس أي سلطة فعلية في غياب الوفاق والإتفاق مع إسرائيل لتسيير كل صغيرة وكبيرة من شؤون السلطة .
المستفيد الأول من فوز حماس هي إسرائيل ، وهذا لا يعني الإتفاق المسبق بين حماس وإسرائيل وانما هي تقاطع مصالح، إذ حرصت إسرائيل على ان تكون الانتخابات الفلسطينية نزيهة لأنها تريد أن ترى الثقل السياسي الحقيقي في الساحة الفلسطينية حتى تستطيع إسرائيل أن تتخذ خطواتها على ضوء الوقائع والموازين السياسية الجديدة وإن كان فوز حماس ليس مفاجأ لكل من أمريكا وإسرائيل لأن مراكز الدراسات والأبحاث تطلعهما على آخر مستجدات توجه رأي الشارع الفلسطيني اليومي. إذ أدركت إسرائيل أن ايجاد دولة فلسطينية مفصلة حسب المقاييس الإسرائيلية هي الحل الأمثل للتخلص من العامل الديمغرافي ( السكاني ) الفلسطيني الضاغط على نقاء يهودية إسرائيل وتوجهاتها اليهودية الصهيونية . لذا إن ايجاد الدولة الفلسطينية هو مطلب إسرائيلي ملح أكثر من ما هو مطلب فلسطيني وإن كان يلبي الطموح الفلسطيني . إن مشاركة حماس في اللعبة السياسية حسب قواعد اللعب الإسرائيلية يعني ان تستمر مسيرة التنازلات واستمرار تهويد مدينة القدس واقامة المزيد من المستوطنات ومزيدا من القتل والتدمير للشعب الفلسطيني وصولا للمرحلة النهائية في ترسيم الحدود كما تراها إسرائيل إما بالتفاوض مع حماس أو أن ترسم إسرائيل حدودها من طرف واحد وتقوم بالإنسحاب وتترك إدارة واقع ما بعد الإنسحاب لحماس وحينها تدرك حماس ورطتها السياسية

من المتوقع أن تصل إسرائيل إلى انجاز مرحلة ترسيم الحدود في خلال سنتين وستقوم إسرائيل خلال تينك السنتين بتنظيف وكرها من العملاء الفلسطينيين الظاهرين والمتخفين .

تعول حركة حماس في حالة توقف الدعم المالي الأمريكي والاوروبي على دعم الدول العربية والإسلامية . ألا تعلم قيادة حماس أن كافة تلك الدول هي بمنزلة العبد عند سيده وأن العبد لا يملك الحرية بنفسه فكيف التصرف بماله .

وحتى لو تم دعم السلطة الفلسطينية ماليا من الدول العربية فانها ستحصل عليها بصفتها سلطة وليس كحركة وفي حالة اتفاق السلطة مع إسرائيل ستعمل إسرائيل على تشجيع الدول المانحه على تقديم المساعدة المالية والفنية لهذة السلطة .

يستفيد حكام الدول العربية من نتائج فوز حماس بعدم احداث أي تغيير في الإجراءات الديمقراطية الداخلية لاقتناعهم بأن المعارضة الإسلامية ستفوز إذا اجريت انتخابات نزيهة وهذا يعزز رصيد الحكام الدول العربية لدى الإدارة الإمريكية بنقل التخوف من نقل التجربة الفلسطينية وقبلها التجربة الجزائرية من فوز المتدينين الإسلامين أي إذا ترك الحكام العرب الكراسي سيأتي البعبع الإسلامي مما يعني التعارض مع سياسة أمريكا في المنطقة .والشاهد القريب ما حدث في أثناء انتخابات مجلس الشعب المصري حين تفادى الحزب الحاكم هزيمة كبيرة وتدخلت دولة الحزب الحاكم بتزوير الإنتخابات خوفا أن تجتاح حركة الإخوان المسلمين كافة مقاعد مجلس الشعب المصري .

بما أن الإدارة الإمريكية تعد وتفصل حلول سياسات الترقيع فقد اجبرت السلطة الفلسطينية على ايجاد منصب رئيس الوزراء يتمتع بصلاحيات كبيرة لإكمال مسيرة التفاوض والتنازل مع إسرائيل وأوجدت المجلس التشريعي الفلسطيني ليكون الجهة القانونية والممثل الشعبي الملزم لكل الإتفاقيات المبرمة وليصادق على كل ما يتم التوصل اليه مع الطرف الإسرائيلي . وقبل فترة قصيرة رفضت حركة فتح طرح مشروع قانون يمنح الصلاحية لرئيس السلطة الفلسطينية بحل مجلس التشريع الفلسطيني لأن حركة فتح كانت تعتقد أنها مخلده في البقاء في السلطة . لكن المعضلة الآن التي تواجهها السلطة والإدارة الأمريكية وإسرائيل هي أن أغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني لحماس مما يعني فعليا أنها وبكل أريحيه تستطيع تشكيل الوزارة ايضا من صلاحيات المجلس التشريعي حجب الثقة عن رئيس السلطة واقالته . لذا حماس الآن ممتدة من المجلس التشريعي وعبر تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة وانتهاء إلى رئاسة السلطة .

هذا نظام ديمقراطي متقدم معمول به في الدول المتقدمه ومنها اسرائيل . إذ أن الحزب الذي يفوز في المجلس التشريعي (البرلمان ) يحق له تشكيل الوزارة وتعيين رئيس الدولة على عكس ما هو ممارس في الدول العربية . إذ أن أي برلمان عربي ليس له حق التدخل في الشؤون السياسية للبلد وانما تنحصر صلاحياته في تسعير الخضار والفواكه وتمديد شبكة المياه والمجاري والضرائب الداخلية .

هل سينشأ خلاف بين حماس الداخل وحماس الخارج كما حصل بين السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية ؟ هل يتم الاقتتال بين ميلشيا حماس وميليشا فتح ؟ هل سيضخم الاعلام المحلي والدولي حماس وامكاناتها لتكون أكبر من طاقاتها الفعلية بحيث تسبب لنا الصدمة في حالة فشلها .

أتمنى أن تنجح هذه التجربة الإسلامية الصاعدة والتي سيكون لها انعكاسات على المنطقة والأحزاب الإسلامية الأخرى في الدول العربية والاسلامية لأن فشلها aيعني تأخر الشعب الفلسطيني عشرات السنوات إلى الوراء وزيادة معاناته . وأدعو الله ألا نصل إلى حدود القول " بلحية ويكذب " . من الأصوب في تقييمنا للإنتخابات والمرحلة التي تليها وسلوكيات حماس أن نتلمس النتائج على أرض الواقع .