تـَحـيـَّة فـلسـطينيـة للـدكتـورة بَربارة فـُون شـلايغـل
الـدكتور عبـدالقـادر حسين ياسين
20 اب 2006


قليل ما يسمع المرء في دول الشـمال ( الدانمارك ، السـويد ، النرويج وفـنلـنـدة) افكارا وتحليلات سياسية تتجاوز ما استقر في وسائل الاعلام الجماهيرية ، التي تـُسطح، للأسف الشـديد ، أكثر القضايا تعـقـيدا، وتتناولها من أسهل أبوابها وأقـلها عـناءً.

فـمـنـذ أكثر من عشـرين عـامـا دأبت أجهزة الاعـلام الأوروبيـة على تكرار عبارات ومصطلحـات صارت مرادفـة للعرب والمسلمين : الاسلام، الصدام، المواجهة، العنف، الارهاب..

وحاولت هـذه الأجهزة تكريس العـديد من "الصور النمطـيـة" الجاهـزة Stereotypes للعـرب والمسلمين ، وغـالبـا ما تشـير اليهم باصبع اتهام جاهز، ينهل مخزونه من التنميطات الراسخة، غير القابلة للاهتزاز، التي تغـذيها، بدورها، ظواهر وأحـداث معزولة في العالمين العربي والاسلامي لا تشكل سياقا شاملا، ولا تعكس واقعا فعليا.

قليل من الباحثين والكتاب و"الخـبراء" الأوروبيين الذين يظهرون باستمرار هـذه الأيـام في وسائل الاعلام ، وخاصـة منـذ العـدوان الاسرائلي على لبنان ، من يكلف نفسه عناء "تفكيك" هذه الترسانة الجاهزة من الصـور النمطيـة ، والقوالب والآراء المسبقة ، التي تكتسب ، يومـا بعـد يوم ، قـوة دفع جديدة ويحاول تقـديم "الجانب الآخر" من الصـورة ...

ومن بين هـذه القـلة النادرة، الـدكتـورة بربارة فون شـلايغـل Barbara Von Schleigell ، أســتاذة الدراسـات الدينيـة بجامعـة هـايدلبيرغ ، التي كانت ضيفة ، في الأسـبوع الماضي ، على القـنـاة الثانيـة في التلفزيون الـدانماركي .

المدهش في اجابات الـدكتـورة فـون شـلايغـل على اسئلة مقـدمـة البرنامج تلك النبرة الحادة، والعارفة، في آن، في حديثهـا عن قضـية فلسـطين ، والعالم العربي، والاسـلام والمسـلمين ، والساخرة، بل المتهكمة، حيال ضـحـالة تفكير المشـاهد الأوروبي ازاء العـرب والمسلمين.

الـدكتـورة فون شـلايغـل واحـدة من أبرز الخبراء الأوروبيين في الشـؤون العـربيـة ، وهي شخصية بحثـية معروفة في الدوائر الاكاديميـة الأوروبيـة ، وكذلك في اوساط الجالية العربية والاسلامية في ألمـانيـا، ولكنها بدأت تكتسب حضورا شعـبيا مع اطلالاتها المتكررة علي شاشات االقنـاة الثانيـة في التلفزيون الألمـاني ZDF و Deutsche Welle والقتـاة الأولى في التلفزيون السـويدي.

في شهر نيسـان الماضي كنت في زيارة عمل في النرويج لحضور المؤتمر السنوي لـ "معهـد الدراسات الاسـلاميةوالشرق أوسـطية" التابع لجامعـة برغـن Bergen . في ذلك المؤتمر قـدمت الدتورة فون شـلايغل ورقـة عـن "المسلمين في ألمـانيا بعـد إعـادة التوحيـد". وفي جلسـة استمرت ثلاث سـاعات كاملـة ، قـالت لي الـدكتـورة فون شـلايغـل أن اهتمـامهـا بالاسألام والمسلمين "ليس مجرد ترف أكاديمي"، إنـه "جزء لا يتجـزأ" من نشاطها السياسي ...

يـعـود اهتمامها بالعالم العـربي الى أواسـط السبعينات. وروت لي أنه قـامت بزيارة لفلسـطين أثناء الانتفاضـة الأولى ، في أواخر العـام 1988 ، وأنهـا شـاهـدت "بأم عينيها" كيف "تحولت الضحيـة الى جـلاد" ... ومنـذ تلك الزيارة حرصت فون شـلايغـل على القيام بـ "زيارة دراسية" للعالم العربي مرتين ، على الأقل ، في كل سـنة. وفي تلك الزيارات المتكررة التقت العديد من الزعمـاء والشخصيات السياسية والفكرية والثقـفيـة والدينية...

كانت فون شـلايغل ، ولا تزال ، "يسـارية بنكهـة ماركسية" . وعلى الرغم من انهيار الاتحـاد السوفييتي وما كان يعرف بـ "المنظومـة الاشتراكية" ، وسقوط جـدار برلين ، فقـد ظلت فون شـلايغل على ايمانهـا الراسخ بأن أية أيـديولوجيا تلغي عقـل الانسـان "ليست جـديرة بالتسـمية!!" (انظروا كيف أصبح بعض اكثر "الماركسـيين" العرب تطرفا من أشـدّ المتحمسـين لـ "العولمـة" و "الليبراليـة" الأمريكيـة... ولا داعي لـذكر الأسـماء..!!) .

وغـالبا ما كانت "تغـرد خارج السرب" في اجتماعات "الحزب الاشتراكي ـ الديموقراطي الألمـاني"... وبعـد أن أصـابهـا "الاحباط" من امكانية إحـداث أي تغيير في مواقف الحزب ، قـدمت استقالتهـا "غير آسـفة"...وتفرغـت للدراسـة والبحث العلمي .

أصبحت الشابة اليسارية أستاذة مرموقة في واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية الأوروبية ، وكانت كتاباتها في صحيفـتي Die Zeit و Frankfurter Allgemeine Zeitung، واطلالاتها التلفزيونية قبـل الحرب الامريكية ـ البريطانية على العراق وبعـدهـا "صوتا صـارخـا في البريـة" ، على حـد تعبيرهـا ... ووصـفهـا المستشـار الألماني السـابق غيرهـارد شـرويدر بـ "الصوت النشـاز" بسببك كتاباتها ومواقـفهـا المناهضـة للسياسـة الأمريكية.

بعـد هجمـات الحادي عشر من أيلول، كانت فون شـلايغل واحـدة من الأكاديميين الأوروبيين القـلائل الذين تناولوا هذا العمل الارهابي الكبير بشيء من "الانضباط العقـلي" ، والتحليل السياسي والفكري العميق لخلفيات ودوافع هذا العمل الذي شـكل فاصلا حاسما بين مرحلتين في الحياة السياسية الامريكية، ومنعطفا حادا في العلاقات الدولية.

تـَصدَّت فون شـلايغل ، بـ "إنضـبـاط عقـلي" و تحليل علمي شـامل وعميق ، لخرافة "صدام الحضـارات " الحتمي بين الغـرب والاسلام التي أطلقـهـا الباحث الأمريكي صمويل هـتنغـتون Samuel Huttington ، وفـنــَّـدت مزاعمها...

وفي المقابلة التي أجرتهـا معهـا القنـاة الثانيـة في التلفزيون الدانماركي (والتي أشرت اليها في بـداية المقـال) قالت فون شـلايغل أن الاسلام "متعـدد بتعـدد الشعوب التي تعـتـنـقـه " ، من طنجـة في المغرب الى جـاكارتا في انـدونيسـيا، وأن "من المضحك ان يضع المرء 1.2 بليون مسـلم ، بكل مذاهـبهم المختلفة في سلة واحدة..." ، وأن الاسلام، وهذا ـ في رأييي المتواضـع ـ هو أهم ما قالـته فون شـلايغل ، "ليس السبب في قيـام الأنظـمـة الدكتاتورية وانتشـارالفساد في العالم العربي" ، فليست الطغم العسكرية الديكتاتورية التي حكمت ردحا طويلا في امريكا اللاتينية مسلمة، ولا الفساد "طبيعة متأصلة في السلوك العربي والاسلامي" ، فهناك في العالم فساد كثير ، ومفسدون كثيرون لا هم عـرب ولا يدينون بالاسلام.

وتطرقت فون شـلايغل الى نشـاة جماعـة الاخـوان المسلمين ، وتحـدثت عن حسـن البنـا وسـيد قطب ، وقارنت بين مختلف الجماعات الاسلامية في العالم العربي...واستعرضت الظروف التي أدت الى فـوز "حركـة المقـاومـة الاسلامية" (حماس) في الاتخـابات البرلمانية في المناطق الفلسـطينية المحتلـة ، والى ظهور"حزب اللـه" في لبنـان ...

وسخرت فون شـلايغل ، في سـياق حـديثهـا ، من مقولـة "الهلال الشيعي" الذي يمتـد من إيران والعراق الى لبنـان ، وبينـَّت أن هـذه المقولـة " نسـخة مُعـدلـة" من نظرية "قوس الأزمـات" Arch of Crisis التى تـنبـأ بها الدكتور زبيغنيو بريجنسـكي ، مستشـار الأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر في أواخر السبعينيات.

وتحدثت فون شـلايغل عن "الشرق الأوسـط الجـديد " الذي بشــَّرتنا بـه السـيدة كونـدوليزا رايس ، وزيرة الخارجيـة الأمريكيـة ، وعن "الديمقراطية" التي يريد جورج بوش أن يراها في العالم العربي ، وقالت ان مشكلة جورج بوش والادارة الأمريكيـة تكمن في "انعدام الثقة بها" في اجزاء كبيرة من العالم ، بسبب حروبها في فيتنـام وأفغـانسـتان والعراق، ودعـمها للعـديد من الأنظم الدكتاتوريـة ، فالديمقراطية "لا تستقيم مع الحروب ، ولا مع الاحتلال."

إن الذين يحكمون العالم العربي "مجموعة من اللصوص" الذين ينهبون ثروات بلادهم . [هـذا ، بالحرف الـواحـد ، ما قالتـه] ، ولا أغـالي اذا قلت أنـه ليس ثمـة عربي حر يخـتلف معهـا في ذلك، بل أن الكثيرين من العـرب سيزيدونهـا من الشعر بيتا.

تسألها مقـدمـة البرنامج ان كانت ثمـة مقاومة شعـبية او ثقافية للأنظـمـة الديكتاتورية وتفشـي الفساد في العالم العربي، فتـجيبـهـا فون شـلايغل بمـا يكشـف عن معرفة عميقـة ، ومتابعة شـاملة ليس فقـط للقضايا السياسية بل للشأن الثقافي والفني في العالم العربي، فـتـقول :

"طبعا هناك مقاومة ، ولكن الذين يتصدون للأنظمـة الديكتاتورية الحـاكمـة تتـم تصفيتهـم أو يلقى بهـم في غياهب السجون او ، في أفضـل الأحوال ، يمنعون من العمل او السفر..." . وأشـارت فون شـلايغل ، على سبيل المثال لا الحصـر ، الى أسماء مقاومة واحتجاج معروفة في كافـة أرجـاء العالم العربي ، منها المطرب المصري الراحل الشيخ إمـام ، وأحمـد فؤاد نجم ، والروائي السـعودي الراحل الدكتور عبـدالرحمن منيف، وزياد الرحباني .

سـاعة كاملـة تـَسَـمـَّرتُ خلالهـا أمام جهـاز التلفزيون وأنا أصغي الى كل كلمـة تقولهـا الدكتورة فون شـلايغل ، ليس فقـط لأنني أعرف ضيفـة البرنامج معرفـة جيـدة ، وانما لأنني نـادراً جـداً ما أسمع مثـقـفـا أوروبيـاً ينظر الينـا من خارج اسوار التـنـميط العالية.. مـثـقـفـا يرى ويعكس ، بصدق وجرأة ، ما يراه .