شاهد على تدمير بيروت / الحلقة الرابعة .
خطةّ الكيان الصهيوني و خطة حزب الله ..
بيروت / يحي أبوزكريا


قبل أقلّ من سنة تقريبا سافرت إلى بيروت للمشاركة في أعمال الهيئة الإدارية للحملة العالمية لمقاومة العدوان و التي كنت و ما زلت رئيسا للجنتها الإعلامية , وفي حدود الظهر إتصل بي صديق إعلامي يتمتّع بعلاقات واسعة عربيا ودوليّا و أصرّ عليّ أن ألغي إرتباطاتي بعد الظهر لنتمكنّ من تناول الغذاء سوية , و كذلك كان الأمر حيث جاءني بسيارته الفارهة إلى فندق راديسون ساس الذي كنت نازلا فيه والذي يقع في منطقة عين المريسة أو قل على مقربة من المنارة التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية في قلب بيروت .
أثناء تناول الغداء في مطعم لبناني أصيل , تكلمنا في كل شيئ تقريبا الوضع العراقي , القرار 1559 والمكر الدولي و الأمريكي على وجه التحديد لتنفيذه لتجريد لبنان من عموده الفقري المقاومة , ومن بين الأشياء التي ذكرها لي صاحبي أنّه كان في واشنطن و تمكنّ من الوصول إلى مكتب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني , و كان مما سمعه صاحبي هناك أنّ واشنطن باتت على عجلة من أمرها فهي تسرع الخطى للإنتهاء من أربع ملفات مركزية من الآن و إلى موعد حلول الإنتخابات الرئاسيّة في أمريكا وهذه الملفات هي :
ملف فلسطين وإنهاء حركة حماس , ملف لبنان وإنهاء حزب الله , ملف سوريا وملف إيران ...و كان إستراتيجيو تيار المحافظين الجدد في أمريكا ولدى بداية تخطيطهم لغزو العراق يتوقعون بأنّ الأوضاع سرعان ما تستقر لصالحهم وبالتالي ينطلقون من العراق بإتجاه إستكمال أجندتهم المحصورة في الملفات الأربعة المذكورة آنفا , و حسب هؤلاء المحافظين فإنّ العالم العربي بشقيّه المغرب العربي والمشرق العربي قد أصبح جملة وتفصيلا في السلة الأمريكية مرتبطا كليّة بالمصالح الأمريكية و إستراتيجيات أمريكا , و العقبة الكأداء التي تحول دون أمركة المنطقة بالكامل و بالتالي التأسيس لأكبر حركة تطبيعية صهيونية عربية هي محاور الممانعة و المقاومة و التي برزت بشكل كبير في لبنان وفلسطين المحتلة ..
و في الوقت الذي كان فيه ديك تشيني يرددّ أولويات الأجندة الأمريكية من هنا وإلى تاريخ الإنتخابات الرئاسية الأمريكية , كانت الإتصالات نشيطة بين مسؤولين في جيش الدفاع الإسرائيلي وشخصيات أمريكية و على رأسهم ديك تشيني شخصيا والذي دخل في نقاشات كبيرة مع مسؤولي هذا الجيش حول ضرورة القيّام بضربة إسرائيلية موجهّة لحزب الله في لبنان , ووعد نائب الرئيس الأمريكي بتقديم كل الدعم العسكري واللوجستي لإسرائيل و زعم تشيني أنّه بهذه الطريقة تتحقق مصلحة إسرائيل المركزية في إنهاء أكبر تنظيم عسكري معاد لها , و تحرق أمريكا أهم حليف لسوريا وإيران تمهيدا لإنقضاض عليهما في وقت لاحق ..
وقد توافق الطرفان الإسرائيلي و الأمريكي على إنهاء حزب الله في خضمّ ثلاثة أسابيع و أسموا الخطّة بالحرب لمدة ثلاثة أسابيع , و قد تم الترتيب لها منذ حوالي سنة من طرف ضابط سامي في الجيش الإسرائيلي بحضور شخصيات عسكرية وأمنية أمريكية ، وتم التحضير للهجوم الإسرائيلي خلال اللقاء السري الذي جمع الأمريكيين والإسرائيليين في 17 و 18 يونيو 2005 خلال ملتقى نظمته مؤسسة (American Enterprise Institute) في كولورادو ، بين نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني وزعيم حزب الليكود المتطرف بنيامين نتانياهو.
ولأنّ المخططّ أمريكي و المنفّذ إسرائيلي فقد طلب الأمريكان من الصهاينة إعادة سناريو أمريكا والذي أدى إلى إسقاط بغداد , ويبدأ السيناريو بقصف جوي مكثّف يطاول كل البنى التحتية من جسور ومطارات ومواقع إرسال تلفزيوني وإعلامي وشبكات هاتفية و ثكنات جيش , و أكاد أجزم أنّ هذا الجانب الأول من الخطة العسكرية الصهيونية في لبنان هو شبيه إلى أبعد الحدود بالهجوم الجوي الأمريكي على بغداد , و قد لا مست ذلك عندما كنت أجوب شوارع بيروت و لبنان بشكل عام وكنت أشاهد بأم عيني إستهداف الجسور والمطارات والثكنات و كل البنى التحتية الضرورية لأي دولة , و ما أغفلته الخطة العسكرية الصهيونية الأمريكية في لبنان هو أن لبنان ليس العراق , و أنّ حزب الله ليس دولة أو جيشا نظاميا بل هو مجموعات مقاومة منظمة تنظيما أسطوريا و عصيّة على الإختراق الأمني المحلي والإقليمي والدولي ...
وكانت الخطة العسكرية الصهيوينة الأمريكية تتوقع أنّ حرب الجوّ على لبنان وعندما تشلّ كل شيئ وتقضى على كل البنى التحنتية سيتسنى للقوات البرية الإسرائيلية أن تتقدم بإتجاه لبنان و تنهي حزب الله في ظرف ثلاث أسابيع كما نصّت عليه الخطّة الأمريكية الصهيونية ...
وبالتأكيد يمكن القول أنّ إسرائيل إنهزمت جوا و أرضا , فعلى صعيد حربها الجوية لم تتمكن من إنهاء حزب الله الذي مازال محافظا على كل قدراته وكامل جهوزيته , و برا إنهزمت إسرائيل وخير دليل على ذلك إنهزام لواء غالوني في بنت جبيل في جنوب لبنان و هو اللواء الذي قامت عليه أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر , وربما النجاح الوحيد الذي حققته إسرائيل في لبنان هو تدمير البيوت و الجسور وغيرها , و هي بدل أن تؤلبّ الناس على المقاومة الإسلامية , فقد إزداد اللبنانيون إلتفافا حول مقاومتهم الباسلة ...
هذا فيما يتعلق بالخطة العسكرية الصهيونية , أما على صعيد خطة حزب الله العسكرية , فتجب الإشارة هنا إلى أنّ حزب الله جاهز دوما وليس من الآن لأي معركة حتى لو كانت ضروسا مع الكيان الصهيوني , فالوجوب الشرعي يملي على عناصر الحزب التواجد الدائم في جبل الصافي وغيره والتدرب الدائم على مدار السنة , و حتى زعيم المقاومة الإسلامية حسن نصر الله يجب عليه الإمتثال لأمر الرباط , و هو ما كان عليه الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد عباس الموسوي ...
وهذا الحضور الدائم لعناصر حزب الله في الجنوب كل الجنوب وتدريباتهم المستمرة جعلت عناصر حزب الله يعرفون خارطة الجنوب اللبناني طريقا طريقا وشارعا شارعا وفرعا فرعا , وقد أكسبهم هذا التواجد في هذه التلال قهرا للخوف حيث تبث الظلمة الحالكة في دجى الليل في المناطق الموغلة في الجنوب اللبناني رعبا خاصا لا أتصور أنّ الجنود الصهاينة يقدرون على تحملها رغم إستخدامهم للمناظير الليلية ..
بالإضافة إلى ذلك فإنّ حزب الله يملك قدرة عسكرية هائلة على صعيد العتاد والمتوفر بكثرة وفي الجنوب اللبناني و يملك جيشا عرمرما من المجاهدين والمقاومين , و حدهم الإستشهاديون الذين بايعوا السيد حسن نصر الله على الإستشهاد يفوق عددهم العشرين ألف , ناهيك عن أمور أخرى ليس هذا وقتها وآوانها ..
وخلاصة القول أنّ معركة إسرائيل مع حزب الله في لبنان , لن تكون من قبيل حرب إسرائيل مع الجيوش العربية , بل ستكون حربا مغايرة و مغايرة جدا وهذا ما بدأ قادة الكيان الصهيوني من إستراتيجيين وأمنيين و إعلاميين و سياسيين الإقرار به بل والإعتراف به .