تلفزيون المستقبل: برنامج الاستحقاق أم الاستظهار؟
نضال نعيسة
sami3x2000@yahoo.com


دخلت بعض وسائل الإعلام العربية في نوع متخشب من النمطية الخطابية، والدعائية الحزبية، والعقائدية، والتشابه الاستنساخي المذهل في برامجها، وأطروحاتها، بحيث لا يكاد يطل عليك أي من مذيعيها، أو فرسانها، أو ضيوفها، من خفيفي الظل الظرفاء، حتى يكون بمقدور أي متابع بسيط، ودون عناء يذكر، من أن "يكر "، أو يسرد، وراء أي من هؤلاء، كل ما سيقلونه في هذا البرنامج، أو ذاك. ولو كنت، مثلاً، مدرساً لمادة اللغة العربية، وتحديداً لحصة المحفوظات، أو درس الاستظهار، لوضعت، ودون تردد، الدرجة الكاملة لمقدم برنامج الاستحقاق، في تلفزيون المستقبل ولضيوفه الكرام، الذين يستظهرون، وكطلاب مجدين حافظين، أسئلتهم وأجوبتهم و"يصبونها صبة واحدة"، ليخرجوا فرحين بما أتاهم من فضله، من مواهب الاستظهار، في الحلقة التلفزيونية.

ومن هنا، تستشعر وأنت تتابع برنامج الاستحقاق، الذي يبثه تلفزيون المستقبل، بأنك في داخل فصل دراسي، بأكثر مما أنت في برنامج سياسي، وفي امتحان شفوي، وليس من على منبر فضائي. وأن هذا الفصل الدراسي ملتزم بمنهج دراسي معين لا يحيد عنه، ومُدرِّس ملتزم بتعليمات الموجهين، و مقررات وزارة التربية والتعليم، وبالتالي فهو يلقي نفس الأسئلة، ويتوقع تالياً، ذات الأجوبة، في كل حصة دراسية، عفواً حلقة تلفزيونية، ضمن نطاق الالتزام بالمقرر الدراسي، والمنهج التربوي، من قبل التلاميذ، والمدرسين، على حد سواء، لا أكثر ولا أقل. ومن هنا، لا يسعني إلا أن أتوجه بجزيل الشكر، وعميق الامتنان، لجميع القائمين على مثل هذه البرامج، والتلفزيونات، لأنني حفظت أسئلتهم وأجوبتهم عن ظهر قلب، وصرت مستعداً للمشاركة في برنامج من سيشفط المليون، ودون الاستعانة بصديق، ويوفـّرون عليّ، وفي ذات الوقت، وعلى جميع المشاهدين "الأعزاء"، عناء التسمر أمام أية حلقات جديدة. وأجد نفسي، وفي جميع هذه الأماسي اليعربية البليدة، وبرغم مساحات الأسى والانزياح، سعيداً، وحراً، وطليقاً، بآن، من متابعة هذا التلفاز.

برنامج "الاستحقاق" الذي يقدمه الصحفي علي حمادة سابقاً، ومدرس الاستظهار لاحقاً، تحول إلى درس نموذجي للمحفوظات، يتلو فيه الضيوف، ما تيسر لهم، من علوم الغيب السياسي، وما حفظوه سلفاً عن ظهر قلب، أمام مدرس صارم، متجهم، سرعان ما تعتريه علامات الرضا، والقبول، والاستحسان على الإجابات المحفوظة، والمريحة، والتي تتوافق، كلياً، مع توقعات بعض المنجمين، والمتنبئين السياسيين الذين يملؤون الفضائيات هذه الأيام. فبعد أن يرن "جرس"البرنامج مؤذنا، كالمعتاد، ببدء الحصة الإعلامية، يدخل التلاميذ إلى الفصل الدراسي، أو الاستديو، والأمر هنا سيان، ويجلسون بأدب جم، وهدوء أمام المدرس، ويستمعون بإصغاء للمدرس الذي يبدأ بشن حملة من الأسئلة المعروفة، في ما يشبه عملية امتحانية، يتوقع فيها المدرس نمطاً معيناً من الإجابات النموذجية، والتي توحي بها نبرة السؤال. ولحسن الحظ، وحسن الختام، لا يخيّب فيها المجيب أمل، ورجاء السائل على الإطلاق، وتأتي الإجابة كما يريد، وعلى هواه.

ولكن، وبنفس الوقت، ولو كنتُ مشرفاً على لجنة امتحانية، تقوم باختبار التلاميذ، لقمت بترسيب كلاً من السيدين عبد الحليم خدام، وعلي صدر الدين البيانوني، ومن معهم من مشرفين، وإداريين، ومذيعين، في حصة الاستظهار هذه، بتهمة الغش أو "التغشيش" في الامتحان( بلغة الخلايجة)، و"النقل"، وتشابه الإجابات، وتطابق الأوراق. ولكنت قد وجهت رسائل فورية لأولياء الأمور لإطلاعهم على حقيقة الأوضاع، وسير نتائج الامتحانات، ومحاولة استصدار قرارات استرحام لهم بإعادة هذه الامتحانات.

ولست متأكداً، أيضاً،ً إذا كان المشرف على هذا البرنامج، وهو حتماً السيد حمادة، ملماً بالنذر اليسير، من علوم الكومبيوتر، أم لا، والتي كانت ستوفر عليه، وعلى برنامجه الكثير من المصاريف، ومهمات السفر، والأعباء، والأتعاب ولوفـّر، بالتالي على محطته الكثير من الجهد، والوقت، والمال وذلك بسبب عدم استخدامه تقنية الـ "كوبي copy و البيست paste " في عملية إنتاج هذا البرنامج، والذي تصح تسميته، بالمطلق، برنامج الاستظهار، وليس الاستحقاق، كما يريد القائمون عليه. فلو كان ملماً، مثلاً، بتلك التقنيات البسيطة، لكان قد قام بإجراء عملية copy لجميع مقابلاته، وحواراته، ومن ثم لصقها أي paste، على أي من المقابلات الأخرى، لا بل جميع البرامج، والندوات، التي تعج بها هذه المحطة هذه الأيام، ولكان قد أراح، واستراح، فعلاً. إلا أن أفضل عملية حاسوبية يمكن أن يقوم بها هؤلاء القائمون على مثل هذه البرامج هو عملية الـ delete أي الحذف للذي لا يعرف العربية أو الأبجدية، حتى الآن، ولا يعلم أن لا طائل البتة، من البرامج المفروضة، والموّجهة، والمعلبة، على الإطلاق، وهي مكشوفة وممجوجة في نهاية المطاف.

محطة المستقبل، والتي أصبح اسمها في الواقع محطة "المُسْتـَدْبَر"، لم يعد، في الحقيقة، أية حاجة أو جدوى لإطلاق هذا الاسم الاستشرافي الواعد عليها، لأنها توقفت فعلياً، عند لحظة ما، في الماضي، وهي لا تفتأ تبكي على أطلال، وتردد أفكاراً، وتنسج أوهاماً، وتستضيف شخصيات، وتجتر كلاماً، أكل الزمان عليه، وشرب، ونام.

عمّان 1/9/2006