جيوش للاسـتعـراض فقـط
الدكتور عبـد القـادر حسـين ياسين


خسئ المرجفون، المغرضون، النمامون، الدساسون، المتقولون على العرب ممثلين بأعـز مَن فيهم، أنظمتهم السلطانية وجيوشهم الفخمة اللباس الحديثة الآليات!

ها هي الجيوش العربية المكـللة بالغار ، بقيـادة الفريق الركن محمـد حسـني مبارك ، ومسـاعـدة رؤسـاء الأركان العرب، تهب لإغاثة الشعب اللبناني الملهوف ، وتسهم في إعادة بناء مـا دمـَّره العـدو الصهيوني في لبنان وفلسـطين ، بهمة لا تعرف الكلل أو الملل، وبكرم أخلاق نموذجي، إذ إنها لا تقبل جزاءً أو شكوراً ها هي الجيوش العربية تتحرك بعشـرات الآلاف ، للاطباق على العـدو الصهيوني ، في "حركة كماشـة" لم تخطر على بال "ثعلب الصحراء" الفيلد مارشـال إرفين رومل ...فها هي جحافل الجيش المصري الباسل تصل الى رفح، ومـدافع الميدان المصرية تقصف المواقع والثكنات الاسرائيلية في جنوب فلسـطين

وها هي دبابات الجيش الأردني ، "ربع الكفاف الحمر والعـُُقـُل ميالـة" تعبر نهر الأردن وتصل الى أريحـا ، في الوقت الذي يقصف فيه "النشــامى" مواقع العـدو في بيسـان والغـور الشـمالي وها هو البحريـة السعودية تـُصلي العـدو في ايلات نـاراً حاميـة ، وتؤكـد لايهود أولمرت ، وجورج بوش ، ولكل من يعـنيـه الأمر ، أن صبر "خـادم الحرمين الشريفين" قـد نفــذ... وأن " صاحب السمو الملكي ، ولي العـهـد ، والنائب الأول لرئيس الوزراء ، ووزير الـدفاع والطيران والمفتش العـام " اذا قـال فـعـل... و "قـد أعـذر من أنـذر...!!"وها هي "اذاعـة القاهرة" تبث قصيـدة صلاح جاهين التي تشـدو بها أم كلثوم بعـد انقطاع دام 38 عـامـا فقـط :

"راجعين بقـوة السـلاح...
راجعين نحـرر الحمـى...
راجعين كما رجع الصـباح ،
من بعـد ليلـة مظلمـة..."

لقـد قرر وزراء الـدفـاع العرب ، ورؤسـاء الأركان ، أن يحييوا العظام وهي رميم ، وأن يعيدوا الحيـاة الى "إتفـاقيـة الـدفاع المشترك" ، وأن يلبوا نداء الواجب المقدس، وأن يستجيبوا لصرخات النسـاء الفلسطينيات في غزة واللبنانيات في قـانا ، والعمل الـدؤوب من أجل توفير العلاج للجرحى والحماية للخائفين والخبز للجائعين والكرامة للمعتدى عليهم , وأن يلقنوا اسرائيل درسـاً قاسـيا حتى لا تكرر القيام بأي "تصرف غير مسـؤول"

مَن قال إن العرب طووا أعلام التحرير، وإنهم خرجوا من ميدان النضال، وإنهم قد استقالوا من مواجهة عـدوهم ؟! يـبـدو أنني كنت في حلم أفقت منـه على كابوس ومفارقة موجعة حتى النخـاع ... فها هي المقاومـة الاسلامية في لبنان تقاتل بشرف منـذ 22 يومـا... ولا يمكن لأي انسـان عاقل الا أن يلاحـظ هـذا الغياب العربي المفجع والذي لا يمكن التعامل معه ببراءة تستند إلى واقع العجز، بل لا بد من الاشتباه بالتواطؤ ولو متستراً ببيانات الشجب والاستنكار، وهي قليلة وركيكة النصوص.. ولعل ما يؤكد هذا الاشتباه ويفضح التواطؤ أن الولايات المتحـدة الأميركية مطمئنـة تمامـاً إلى موافقة العرب الضمنية على قرار الحرب

وللاعراب عن تعاطفهم مع الشعب اللبناني في محنتـه ، وتأييـدهم للحكومـة اللبنانيـة قام العـديد من المسؤولين الأوروبيين (من بينهم رئيس الحكومة الفرنسية ووزير خارجيتها الذي جاء ثلاث مرات، والبعثة الخاصة التي أوفدتها الأمم المتحدة، ومسؤول الشؤون لخارجية في الاتحاد الأوروبي، والبعثة الأوروبية التي تضم ثلاثة من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي وأخيراً وليس آخراً وزير خارجية جمهورية إيران الإسلامية) بزيارة لبنان . لكن أيـاً من "الأشـقـاء" العرب لم يكلف نفسـه عناء القيـام بزيارة تضامن أو تعاطف أو تفقـد للبنان .طوال 22 يـومـا ، فـُتحت على لبنـان أبواب الجحيم ، لتكمل تدميره ساحلاً وجبلاً، سهلاً وبحراً، جنوباً وشرقاً وشمالاً، لتعيـده 50 عـامـا الى الوراء...ولم يقتصر هـذا التقصير المخجل على "الزعمـاء" العرب ، بل شمل عمرو موسى ، الأمين العام لجامعة الدول العربية ، الذي لم يجـد ما يقولـه سوى أن ينعي "عملية السلام"، الميتة منذ زمن بعيد، لا يملك المرء الا أن يشعر بالقرف والغـثيـان

لقـد تخلى العرب عن كل ما يمت للعـروبـة بصـلـة ، واكتفوا بتنفيذ كل ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل ، ولم يكلفوا أنفسـهم عـنـاء إصـدار بيان خجول (ولو من قبيل رفع العتب...!!) ضد غطرسة إسرائيل، وعربدتها، وضربها عرض الحائط بكل الأعراف والمواثيق الدولية ان أصحاب "النخوة" و "الشـهامة" العربية يغطون في سبات عميق يحسـدهم عليه أهل الكهف !!الا يـُعتبر الصمت على جرائم العـدو نوعاً من المشاركة؟ ‏

نبحث عن بصيص أمل نعيش عليه ، فلا نجده إلا هناك في لبنان وفلسطين ، في تلك الإرادة الصلبة ، في مواجهة العـدو ، مهما بلغت التضحيات... لقد دفع الزعماء العرب الفلسطينيين واللبنانيين الى الكفر بكل القيم الأخلاقية والإنسانية. فلم يبق لديهم إلا شعـور واحد يتسلط على كل مشاعرهم وهوالشعور بالظلم... فاللبنانيون والفلسطينيون يذبحون كالخراف والعرب كلهم ، من المحيـط الى الخليج ، يتفرجون ... أمة من 300 مليون تتفرج على شعب ‏يتعرض للابادة الجماعية ، ولا تفعـل شـيئاً

في هـذا الكابوس ...
"رأيتُ جُيوشا...
ولا من جيوشْ...
رأيتُ فتوحا...
ولا من فتوحْ...
وتابعتُ كلَ الحروبِ على شاشةِ التـلـفزة...
فقتلى على شاشة التلفزة...
وجرحى على شاشة التلفزة...
ونصرٌ من الله يأتي إلينا...
على شاشة التلفزة..."

حـاولت أن أسـجل مـا قـد رأيت...
"رأيتُ شعـوبا تظنّ بأنّ رجالَ المباحثِ
أمْرٌ من الله...
مثلَ الصُداعِ...
ومثل الزُكامْ...
ومثلَ الجُـذامِ...
ومثل الجَرَبْ...
رأيتُ العروبةَ معروضةً في مزادِ الأثاث القديمْ...
ولكنني...ما رأيتُ العَـرَبْ!!.."
(مع الاعـتذار الى روح الشاعر السوري الكبير نزار قباني)