يوميات أبو محمود

كتب : اسامة فوزي
3/14/2015

نشرت عرب تايمز منذ صدورها عام 1986 عشرات الزوايا الثابتة  والمقالات المتفرقة  لكتاب اختاروا ان يكتبوا تحت اسماء مستعارة لاسباب كثيرة اهمها ( أمني ) وقد احترمنا رغبتهم والتزمنا بالنشر و ( السرية ) لعلمنا  بالظروف التي تسود في أوطاننا العربية وعمليات قمع الاقلام والافكار التي قد تصل الى حد القتل تماما كما حدث لاصدقائي ميشيل النمري ( الذي اغتيل امام مكتبه في اثينا ) و حنا مقبل ( الذي اغتيل امام مكتبه في قبرص ) و ناجي العلي ( الذي اغتيل في الشارع العام في لندن وهو متوجه الى مكتبه في احدى الجرائد الكويتية التي كانت تصدر من لندن )  عدا عن العشرات ممن سجنوا وعذبوا وطردوا من اعمالهم بسبب مقالاتهم

 وكنت دائما أقول لمن  يمدحني ويصفني بالجرأة لاني أكتب باسمي الصريح  ان الظروف التي اتيحت لي - بخاصة  الاقامة في امريكا -  لم تتح لغيري وبالتالي ليس في الامر بطولة او جرأة .... لا بل ان هناك عشرات من اصدقائي الكتاب والصحفيين الذين  يعيشون في بلدانهم أكثر جرأة مني لانهم يكتبون وهم تحت قبضة السلطة ولو اتيحت لهم الفرصة للنشر والعيش في الخارج مثلي لفاقوني شجاعة وجرأة

لقد تمكنت من الهجرة الى بلاد ليس فيها قوانين تمنع ( التطاول ) على الذات الملكية كما هو الحال في الاردن وتسجن من ( يتطاول ) 3 سنوات .. او تمنع المساس برموز الدولة وشيوخها ( الامارات والكويت ) وتسجن شاعرا مدى الحياة لانه هجا زوج موزة ( كما حدث للشاعر القطري )   ... بلاد  لا يرتهن فيها قلمك لموظف في جهاز ( مخابرات ) او لوزير في قصر او لقرار من عسكري ( نوري ) ممن تغنى بنسوانهم مصطفى وهبي التل ( وانا هنا اقصد قطعا مهند حجازي  رئيس نيابة أمن الدولة العسكرية في الاردن )  كما تمكنت من امتلاك وسيلة اعلامية ( متواضعة )  كلفني تسجيلها لدى البلدية اقل من عشرين دولارا  مارست خلالها وعلى صفحاتها  منذ عام 1986 حريتي الكاملة في الكتابة دون رقيب ودون خوف ودون قوانين نشر تجلد من يغرد على تويتر الف جلدة وتسجن من ينشر خبرا عن الطيار الاردني الذي ( شوته ) داعش سنة وتزج بنائب في البرلمان في السجن لانه اشار من بعيد لاحد اولاد زايد او تسقط الحصانة عن  عضو في الكونغرس الاردني لانه اعترض على شعار ( ارفع راسك ) لانه وجد ان الممارسة على الارض تقول للمواطن ( ارفع رجليك ) وليس رأسك

 صحيح اني خسرت بسبب ذلك جواز سفري الاردني الا اني قطعا ربحت نفسي وشرفي وانسانيتي ولم اتحول الى ( سحيج ) في جوقة تخلعهم الملكة رانيا متى شاءت كما تخلع كلساتها ( جواربها ) ... واسماء السحيجة أكثر من ان تحصى ولا داعي لتوسيخ صفحات عرب تايمز بذكرها

الهجرة الى امريكا فكرة طرحها علي الكاتب المصري الكبير محمود السعدني يوم عملت معه في ابو ظبي في عام 1977 .. فبعد ان فرغ من قراءة مقال لي ولم يتمكن من نشره خوفا من مصادرة الجريدة واعتقالي وربما طردي من الامارات قال لي : هذه النوعية من الكتابة لن تجد لها مكانا في وطننا العربي الكبير وستنتهي بك الى السجن او التهجير والتشرد ( مثلي ) وكان السعدني قد سجن وهاجر من مصر وعاش في المنفى بسبب مقالاته .. وبعد شهرين فقط من مقولته تلك تم طرده من الامارات بسبب ( مانشيت ) وضعه لترويسة الجريدة فاحتجت عليه السفارة الايرانية وخلال 24 ساعة وجد السعدني نفسه مطرودا من ابو ظبي ..كان المانشيت يقول :( جريدة الفجر جريدة العرب والخليج العربي ) فطار السعدني فيها

 لقد اقترح علي السعدني - ان كنت ارغب بمواصلة العمل في مهنة الصحافة والكتابة بنفس الاسلوب النقدي الساخر - ان اهاجر الى امريكا ولم يقترح بريطانيا لان قوانين النشر في امريكا اكثر ليبرالية واكثر اتساعا وحيوية منها في بريطانيا .. وهذا ما كان

كنت - خلال اقامتي في الامارات - اتواصل يوميا من خلال الكتابة والرسائل البريدية وحتى الاتصالات الهاتفية مع المئات من اصدقائي الكتاب والصحفيين في جميع الدول العربية ولكن بعد ان هاجرت الى امريكا وبدأت بأصدار عرب تايمز قطعت اتصالاتي بالجميع بعد ان علمت ان كثيرين منهم تعرضوا للمضايقات والاعتقال والسجن بسبب علاقتهم بي لان ( الوازرة في بلادنا تزر وزر اخرى ) وطالت المضايقات والدي وبعض اقاربي وصولا الى جميع اصدقائي الصحفيين والكتاب  وعلمت مؤخرا ان دبلوماسيا فلسطينيا كبيرا منع من دخول الامارات رغم انه يحمل جواز سفر دبلوماسيا لان اسمه ورد في احدى مقالاتي باعتباره ( زميلا ) سابقا في المهنة

بل  واكثر من هذا .. اقترحت على المرحوم والدي في أوج المضايقة التي تعرض لها بسبب مقالاتي وبسبب اصداري لعرب تايمز - وهو مقدم متقاعد في الجيش الاردني - ان  ينشر براءة في الصحف الاردنية  عملا بما هو متبع انذاك في الاردن حتى يتخلص من الحرج والمضايقة شبه اليومية التي كان يتعرض لها بسببي .... فبعد كل مقال اكتبه تبدأ الاتصالات الهاتفية به من عمان ومن السفارة ومن ملحقيها العسكريين وكأنه هو كاتب المقال ... و ( طبشها ) جنرال اردني متقاعد من تلاميذ والدي  حين كان يزور هيوستون قادما من الولاية التي يقيم فيها  وينزل مع زوجته ضيفا على والدي ليومين او لثلاثة ( ماكل شارب نايم ) لغرض واحد فقط وهو حتى يشتمني مستغلا سعة صدر الوالد وكرمه  وخجله من ضيوفه ومجاملته لهم ولم يحتج عليه - في احدى المرات - الا ابن عمه الذي رافقه لزيارة الوالد فلم تعجبه الطريقة التي يتحدث فيها الرجل عني امام والدي فانبرى للدفاع عني وتقريع قريبه وتلقينه درسا في الاصول واداب الزيارة

في احدى المرات قمت بزيارة منزل الوالد وقرعت جرس الباب ففتح لي الجنرال الاردني ( الضيف )  الباب وهو بالبيجاما وكأنه من اهل الدار  وكانت زوجته تضع رجلا على رجل بينما تطبخ امي العجوز وتنفخ لضيوفها ... فهمست في اذن الوالد اني - هذه المرة - سأفوتها فان تكررت زيارة هذا الجنرال لمنزلنا سأضرب ضيفك الجنرال بكندرتي

الطريف انه لما فكر احد اشقائي الصغار بخطبة بنت عربية حتى يكمل نصف دينه وكانت ابنة الجنرال من ضمن المرشحات له علقت زوجة الجنرال بسماجة  ( نحن لا نزوج فلسطينية ) ..  ومع ذلك لم تكن تنزل هي وزوجها عندما يزوران هيوستون الا في بيت الوالد مع انه فلسطيني ... وانتهت البنت طبعا - بعد ان عنست -  زوجة لرجل سوري غير متعلم و يكبرها في السن وبالكاد يحسن كتابة اسمه ...  واسدلت الستارة على فيلم الجنرال بتطليقه زوجته التي ( ما بتجوز بناتها لفلسطينية ) لتصبح الان اكبر بطرونة في مدينة (الكرك) كما علمت من بعض اقاربها طبعا

كانت المخابرات الاردنية في عهد احمد عبيدات قد ابتكرت وسيلة لابتزاز المواطنين والتشهير بهم وهي اجبارهم على نشر براءات في الصحف ... ولم تكن شهادات ( حسن السلوك ) تصرف للكثيرين الا اذا نشروا مثل هذه البراءات ... وشهادات ( حسن السلوك )  كانت مهمة للمواطنين لانه - بغيرها - لا يمكن لك ان تعمل في أية مؤسسة حكومية

 هنا في امريكا وحتى في لبنان تسمى الشهادة ( لا حكم عليه ) وتمنح لطالبيها من قبل وزارة العدل لاثبات ان طالبها ليس مجرما  وليست لدية سوابق اجرامية  ( كريمنال ريكورد ) اما في الاردن فالشهادة لا تصدر عن وزارة العدل وانما عن جهاز المخابرات  وتمنح  للقتلة وحتى للشرموطات طالما ان احمد عبيدات ومن بعده القيسي ثم سميح البطيخي راضون عنهن.... وكان احمد عبيدات يحجبها عن الكتاب والمعارضين السياسيين وحتى عن اساتذة كلية الشريعة في الجامعة الاردنية

 
صديقي المرحوم ابراهيم الزيادنة لم يوافقوا على تشغيله كمدرس في عام 1973 الا بعد ان اجبروه على نشر براءة في جريدة الرأي الاردنيه من حزب لم يسمع ابراهيم حتى باسمه  وتبين لاحقا ان ابراهيم شرب - عن طريق الغلط -  فنجان قهوة في مقهى ( اكسبرسو ) وسط عمان وكانت المقهى - فيما يبدو - مقرا يلتقي فيه بعض الحزببن من الحزب المذكور ... ومتل ابراهيم متايل ( كما يقول المثل الشعبي ) الاردني

انا حققوا معي بسبب لون ( الجرزاية ) التي اشتريتها من البالات ولم اكن صاحب قرار في اختيار اللون لانها كانت الجرزاية الوحيدة المتوفرة انذاك وقد اشتريتها بخمسة عشر قرشا فقط لا غير

كانت صيغة البراءة المعتمدة لدى جهاز المخابرات كالتالي ( انا فلان الفلاني اعلن براءتي من الحزب الفلاني الهدام  واعلن عن ولائي واخلاصي لجلالة الملك وحكومته الرشيدة ) ولا اكاد اعرف كاتبا او اديبا في الاردن لم ينشر براءة كهذه حتى يجد وظيفة ولا يموت من الجوع مع اولاده .. عدا عن السجن والبهدلة والملاحقة .. واكثر الذين نشروا البراءات لم تكن لهم علاقة من قريب او من بعيد بالجهات التي اجبروا على اعلان البراءة منها .. وكنا - بعد نشر البراءة المطلوبة - عن اخلاصنا لجلالة الملك نظل  ( نكسكس  ) لجلالته - في قعداتنا الخاصة -  ليل نهار .. واستطيع الان الجزم ان معظم المعارضين الاردنيين بدأوا اول فصل من كتاب المعارضة لجلالته بعد اجبارهم على نشر براءة كهذه في الصحف.. ومن لم يكن انذاك حزبيا اصبح حزبيا  جكارة بالمخابرات.. ومن لم يكن معارضا - مثلي - اصبح معارضا او محسوبا على المعارضة .. معارضة حقيقية وليست مثل معارضة عبدالله النسور ... معارضة لا تبحث عن منصب ووظيفة مثل معارضة صالح قلاب الذي كان يمسح طيزه بصور الملك امام السفارة الاردنية في بيروت  فاوصلته طيزه الى منصب وزير اعلام في الاردن

احد النواب الاردنيين قال لاحمد عبيدات الذي يلعب الان دور زعيم المعارضة في الاردن : في عهدك يا باشا كنا نعتقل على لون الكرافتة التي كنا نلبسها .. وجاي هسع تعمل فيها بطل ومناضل ومعارض .. اي شي غاد

 انا وحدي اشكل معارضة من منازلهم ... معارضة بالقلم والمقالة والصورة وقلة الادب وقد اعطت معارضتي اكلها ليس  فقط بسحب جواز سفري مني وانما بورود اسم الاردن في تقارير منظمات حقوق الانسان الدولية وحتى في تقارير وزارة الخارجية الامريكية باعتباره دولة تحارب الرأي والفكر .. بدليل منعها لموقع عرب تايمز عن القراء في الاردن وفقا لما ورد في تقارير تلك الجهات .. وما اشارت اليه  لاحقا جريدة وول ستريت جورنال في مقالها الشهير الذي كتبه مراسلها ( وهو امريكي ) من احد مقاهي الانترنيت في اربد في اطار حديثه عن قيام الاردنيين باختراق الحظر من خلال بروكسيات كانت انذاك تباع في السوق السوداء ... لقراءة موقع عرب تايمز

يومها قلت للوالد اني لن اتوقف عن الكتابة لانها مهنتي .. ولن اتوقف عن اصدار عرب تايمز لانها من المنابر الهامة للكتاب والصحفيين العرب التي لا تخضع لمعادلة السوق وحسابات الربح والخسارة .. ولن اتراجع عن الكتابة عن وساخة النظام الاردني وغيره من الانظمة العربية ...  وتفهم الوالد موقفي وايدني فيه ( من تحت لتحت ) وترجمه الى عمل على ارض الواقع .. ولعلها المرة الاولى التي اعلن فيها ان زاوية ( ابو محمود ) الشهيرة التي كانت تنشر في عرب تايمز والتي تضمنت مئات الموضوعات السياسية والدينية الساخنة كان والدي يكتبها ولم يكن يعرف بذلك الا الزميل عبد العزيز ( سوداني كان يقوم بصف المقالات ) والزميل رياض ( مخرج كان يقوم بتبويبها )  وثلاثة من العاملين معي في الشئون الادارية

ابو محمود ( والدي ) هو الذي رد على مدعي النبوة الدكتور رشاد خليفة بمقال مطول في عرب تايمز ... وهو الذي رد على منجم الملوك العرب ( الالوسي ) وفضحه ... وهو الذي كتب عن جرائم صدام بحق العراقيين وهو الذي فتح ملف اجهزة المخابرات التي كانت تطارد اقارب من تلاحقهم لان ( الوازرة  في بلادنا تزر وزر اخرى ) .. وهو الذي كتب عن القوانين الامريكية للهجرة وهو الذي كتب عشرات المقالات عن فلسطين وتصدى يومها لياسر عرفات وجماعته بعد ان هددوا بقتلي في بيان رسمي نشروه في جريدة الهوني ( العرب ) التي تصدر في لندن ... بل ورد على الدكتور احمد محمد الحراحشة بني حسن الذي بعث بمقال الى عرب تايمز نشرناه دون تعليق فتولي والدي الرد بسخرية على الدكتور مبرزا عشرات الاغلاط الاملائية والنحوية في مقاله منبها الدكتور الى ان طلبة الخامس الابتدائي في الاردن - ايام زمان - كانوا يجلدون فلقة لو ارتكبوا مثلها قبل ان يختم مقاله بتوجيه سؤال الى الدكتور عن اسم الجامعة التي منحته شهادة الدكتوراه

كان بين والدي ( المدرس ومدير المدرسة ) وبين التيوس من الطلبة عداوة مزمنة ... ففي عام 1975 وبعد تقاعده من الجيش دعاه صديقه محمد سعيد الخصاونة ( ابو المأمون ) الى العمل في ( ثانوية العاصمة ) وهي مدرسة خاصة لابناء الذوات في عمان .. وكان ابو المأمون  شريكا فيها ( ابنه الفريق مأمون الخصاونة رئيس المحاكم العسكرية سابقا ) ... والدي لم يحتمل العمل في هذه المدرسة اكثر من ستة اشهر وقال لي يومها ان جميع التيوس من ابناء الوزراء والمسئولين الكبار في الاردن هم من تلاميذ هذه المدرسة .. واضاف : تصور ان ولدي عاكف الفايز ( غسان وسلطان ) وهما في التوجيهية لا يحسنان كتابة سطر واحد باللغة العربية ومستواهما التعليمي لا يزيد عن مستوى طلبة الصف الثالث الابتدائي .. ومثلهما ( وحيد ) ابن الدكتور العميد انذاك عزت السنكري

قبل وفاته  زارني الوالد رحمه الله في بيتي واقام عندي يومين سلمني خلالهما ملفا مكتوبا بخط يده وموجها الي باسمي سرد فيه قصة حياته كاملة بدءا بشجرة العائلة وحتى سقوط بلدتنا ترشيحا  ذاكرا الاسماء والتواريخ بما في ذلك تفاصيل  ردم الطائرات الاسرائيلية لمنزل اخته واستشهادها مع زوجها واولادها الاربعة واكثر من خمسين شخصا من جيرانها كانوا في المنزل ثم اهوال الهجرة والتشرد وصولا الى هيوستون .... هذه المرة لم يوقع والدي اوراقه باسم ( ابو محمود ) وانما وقعها باسمه ( فوزي )  وتضمنت الاوراق معلومات قد تكون معروفة بالنسبة لي ولكنها قطعا غير معروفة للكثيرين من اخواني ( نحن اسرة كبيرة من 13 ولدا  انا خامسهم من فوق ) وقد خصني الوالد بأوراقه لان العلاقة بيني وبينه كانت تختلف عن علاقته بجميع اولاده ( اخواني ) فانا الوحيد من بينهم الذي كان تلميذا في المدرسة التي تولى والدي ادارتها وبالتالي كان بالنسبة لي الوالد والاستاذ ( المدرس ) و ( ناظر المدرسة ) وكنت التقيه واراه يوميا لاكثر من عشرين ساعة .... كنت اسافر معه يوميا  الساعة السادسة صباحا من مدينة الزرقاء الى مدرسة الفتح في المحطة ( عمان ) واعود معه يوميا الساعة الرابعة بعد العصر ... وما اكثر ما نمنا في مكتبه لعدم وجود وسيلة مواصلات تعيدنا الى الزرقاء ولم يدخل والدي بيتا في عمان او المحطة الا وانا معه حتى ظن كثيرون اني وحيده وكانت لي في المدرسة هيبة لاني ( ابن الناظر ) .. وحتى عندما كنا نختلف كان يقبل مني ما لا يقبله من غيري من اولاده

 انا الوحيد من اولاده الذي اصطحبه  ثلاث مرات في رمضان عام 1961 للصلاة في المسجد الاقصى في القدس .. كنت رفيقه في الباص العسكري واجلس معه في المقعد الامامي بينه وبين السائق الذي فصل لي كرسيا صغيرا من الخشب لاجلاسي عليه وانا ابن ست سنوات وحتى الصف الثاني الاعدادي ... رافقته في جميع الرحلات المدرسية التي شارك فيها بصفته ناظرا للمدرسة ... حضرت معه جميع الافلام التي كانت تعرض للضباط والجنود في سينما معسكر المحطة ( عمان ) وكان يحضر معنا الافلام رئيس قسم الثقافة عثمان بيك بدران ... حضرت معه جميع ( العزومات ) و( المناسف ) التي اقامها سلامة مهاوش ( ابو سعود ) ومناسبات التعزية والفرح التي حضرها منذ عام 1957 وحتى عام 1964   وكنت بين الحصص وفي الفسحة اقعد تحت رجليه في مكتبه ( مكتب الناظر ) بالقرب من ( صوبا ) كهربائية للتدفئة .. وبالتالي كنت اسمع جميع الروايات والقصص والحكايات والمشاكل والفضائح التي تتعلق بالمدرسين والطلبة ولم يكن احد يعترض على وجودي في مكتب والدي لاني كنت يومها طفلا ابن ( سبع سنوات ) وابدو لصغر حجمي ابن اربع سنوات ولم يتنبه الوالد  لخطورة وجودي في مكتبه الا بعد ان اكتشف اني كنت - بعد ان اخرج من مكتبه - ابث فضائح المدرسين والطلبة لجميع طلبة المدرسة وضواحيها

كنت تماما مثل خياله  لا افارقه في حله وترحاله ... واكلت  منه اكثر من ثلاثين فلقة على  الرجلين عدا عن شي الف عصا على الكفين بصفتي من تلاميذ المدرسة الكسالى وزعماء ( الطشية ) فيها ... وورطته في مليون مشكلة اخطرها وانا في الصف الخامس الابتدائي حين ( لميت ) كل اقفال المدرسة النحاسية وبعتها في الزرقاء بشلن ... وطبشتها لما اختارني المدرس المسئول عن نافي الطلبة والذي كان يبيع لهم الساندويتشات في الفسحة لاكون مساعدا له باعتباري ابن الناظر تملقا منه  لوالدي ... وقمت بعملي على اكمل وجه وكانت كل الساندويتشات التي تباع عن طريقي تذهب اثمانها - عن طريق الخطأ المقصود - الى جيبي ... ولم يكتشف المدرس  السر الا بعد ان عد الغلة فوجد ان  حصيلة بيع  خمسمائة رغيف ساندويتش   (وكان ثمن الساندويتش قرشا ) تقل عن مائة قرش ... ليكتشف مع الوالد ان الاربعمائة  ( الباقين )  كانت ( تخش ) عن سبق اصرار وترصد في جيبتي .. وقد تم الكشف عن ذلك لخطا ارتكبته بسبب قلة الخبرة ( كان عمري سبع سنوات ) فقد دخلت عليهما المكتب وهما يتفاصلان وكان بنطلوني - من ثقل القروش - ساحلا وكانت قروش تلك الايام كبيرة وحمراء وثيقلة .. وبنطلوني ( الشورت ) فصلته امي لتتسع جيوبه  لعشرة قروش - ان طارت - فما بالك وانا احمل فيها خزنة النافي كله

ولما كان  الوالد يضربني بالكف في البيت ( وكان ينشن على الوجه والرقبة )  كنت اهرب الى امي فاضع رأسي في حضنها لتنال بدورها جانبا من ( الكفوف ) وظلت امي تذكرني بهذه المواقف حتى وهي ابنه 91 سنة فتموت على نفسها من الضحك وما ان ترى ابنتي او ابني حتى تروي لهما ما كان من امري .. كانت علاقتي بأمي مميزة جدا وكنت الوحيد من بين اولادها الكثر ال 13 الذي يناديها باسمها  المجرد .. وكانت ( تنبسط ) لذلك كثيرا .. والدتي  توفيت بعد وفاة والدي بثلاثين يوما فقط لا غير ووفقا لاخي الذي ماتت امي في بيته فانها قبل ان تغلق عينيها وتسلم الروح ... سألت عني

اخواني الذين يصغروني سنا لا يعرفون والدي كما عرفته انا واخواني الاربعة الاكبر مني .. نحن اخوة من جيلين مختلفين تماما ... انا واخواني الاربعة الاكبر مني من جيل الخمسينات والستينات .. والباقي من جيل الثمانينات ...  انا عشت لما كان مرتب والدي سبعة دنانير .. وهم عاشوا لما كان  الوالد ميسور الحال ويعمل في ابو ظبي وسلطنة عمان ...  انا عاصرته لما كان برتبة ( وكيل ) وهي تلي رتبة الشاويش .. وهم عرفوه لما اصبح برتبة ( مقدم ) ..  انا عايشته لما كنا نسكن في حارة الجنود في غرفتين ليس فيهما كهرباء ولا ماء ... وهم عايشوه لما كان يمتلك فيلا في ارقى احياء عمان .. هم عرفوه رجلا كبيرا في السن وانا عرفته شابا لانه خلفني وهو ابن 32 سنة .. كان قويا صلبا وله طاقة عجيبة على الصمود ... كان رب اسرة كبيرة ( 13 ولدا ) في زمن كانت فيه المرتبات لا تزيد عن عشرة دنانير اردنية ...  كان يحضرها اخر كل شهر ويسلمها لوالدتي حتى تنفق على  الاسرة لمدة ثلاثين يوما كاملة ... ولو لم تكن امي مدبرة لما صمد المرتب اسبوعا

 كان  والدي رحمه الله صلبا وكان احيانا يسهر ليومين كاملين دون نوم ... وخلال 35 سنة من خدمته في الجيش الاردني لم يأخذ ساعة واحدة كاجازة .. كان يداوم حتى في العطلة الصيفية كمدير لمدرسة الفتح في المحطة ( عمان )  وكان يأخذني معه .. هو يقضي اليوم بأكمله يطبع اوراقا لتلاميذه حتى يوزعها عليهم في السنة الدراسية الجديدة  وانا امضيها لعبا في المدرسة وسباحة في نافورة المسجد ( مسجد الفتح في المحطة )  ... انا عرفته لما كان يعاقب تلاميذه بالضرب بالعصا - وانا منهم - وكان الضرب يومها ( في الخمسينات والستينات - جزءا من المعادلة التربوية  في المملكة بخاصة في مدارس الثقافة العسكرية التابعة للجيش وندر ان ترى مدرسا بلا عصاة ... كان ولي الامر يسلم ابنه للمدرسة بعبارة ( اللحم لكم والعظم لنا )  ولاني كنت ابن الناظر وحتى لا يتهم والدي ( بالمخاوزة ) مع ابنه كنت دائما مشمولا في اية وجبة فيها ضرب وزاد في حصتي من الضرب اني كنت اتيس طلاب صفي واكثرهم طشية .. وقد رويت حكاية ( الطشية ) في واحدة من ورقاتي

 لكن زيارته الاخيرة لي ( وكان في الخامسة والتسعين من العمر ) كانت زيارة وداعية .. شعرت بها لما ساعدته في  الوقوف... وفي الجلوس ... ويبدو انه شعر هو ايضا بما شعرت به فاحتضنني عندما ودعته  طويلا طويلا طويلا على غير عادته مشيرا الى الورق الذي  اعطاه لي قائلا - ولاول مرة وبلهجة غير امره على غير عادته - اقرأه يابا ..  واذا وجدت انه من المناسب وزعه على اخوانك ....  كان والدي قد بدأ يفقد الذاكرة ... واصبح ينسى كثيرا ... لذا عمد في الاشهر الاخيرة من حياته الى عصر ما تبقى حيا من ذاكرته ليخط لاولاده قصة حياته في 17 صفحة فولسكاب .. بدأها بالصفحة المرفقة اعلاه

عفوا على الاطالة .. فانا اكتب الان ليس عن والدي بقدر ما اكتب عن واحد من ابرز كتاب عرب تايمز ( ابو محمود )  واردت فقط التمهيد لما هو قادم .... فزوايا ابو محمود الكثيرة مثيرة جدا ...  وقد اثارت عند نشرها الكثير الكثير من الردود والمساجلات وظن كثيرون اني كاتبها ... وسأعيد نشرها بخط الوالد بمعني اني لن اصفها .... فطريقة والدي في الكتابة وتشكيل الاحرف والتنقيط وحتى تصويب بعض الكلمات على  الأصل كانت كلها حصيلة خبرة رجل عمل في مهنة التعليم وهو ابن 17 سنة  ولم يتوقف حتى وهو في الثمانين  ... والعجيب ان بعض المقالات التي كتبها قبل ثلاثين سنة لو اعيد اليوم نشرها ستجد انها تنطبق على ما وقع يوم امس من احداث واخبار ومصائب في عالمنا العربي الكبير

قلت ان زاوية ( يوميات ابو محمود ) لم تكن الزاوية الوحيدة التي نشرتها في عرب تايمز باسم مستعار ... فقد نشرت مثلها لعشرات الكتاب والصحفيين العرب .. بعضهم من المشاهير في بلدانهم ... وامتنع الان عن التصريح باسمائهم لانهم لا زالوا على قيد الحياة .. واحل نفسي من هذا التعهد بالنسبة للكاتب السوري الكبير احمد التيناوي .. فقد عمل احمد معي خلال وجوده في سياتل بولاية واشنطون عام 1995 وكان يكتب زاوية اسبوعية باسم مستعار وهو ( احمد العربي )  وقد افردت له زاوية اسبوعية بمجرد ان اطلعت على اول مقال بعث به الي .. لم يكن كاتبا عاديا .. كان مثقفا من نوع خاص ويكتب باسلوب خاص مما جعلني اطير الى سياتل ( ولاية واشنطون ) لالتقي به واصبحنا اصدقاء ...  الى ان قرر العودة الى سوريا عام 1996 .... وفي دمشق لمع اسمه واصبح اهم محرر ادبي وثقافي في اهم الصحف السورية لاكثر من 15 عاما .. وقد توفي قبل عامين بالسكتة القلبية ....  ولم تعلم حتى اسرته انه كان كاتبا بارزا - ولكن باسم مستعار - في عرب تايمز وقد  نعيته في الجريدة عند وفاته وصورت كل مقالاته المكتوبة بخط يده وبعثت بها - بالبريد - الى اسرته في دمشق

لذا ... واكراما لذكرى والدي ولانه كان من ابرز كتاب عرب تايمز فقد قررت اعادة نشر مقالاته التي كان يوقعها باسم ( يوميات ابو محمود ) بخطه وهو الذي اختار اسم ( يوميات ابو محمود ) لمقالاته ليس لان ابنه ( اخي ) محمود هو الرابع من تحت في قائمة اولاده ال 13 وانما لان اسم محمود كان ولا زال اسما عاما لن يثير تساؤلات عن هوية صاحبه خلافا لما كان يمكن ان يحدث لو نشرنا  الزاوية باسم ( يوميات ابو منير )  وابو منير - في الاردن - اشهر من نار على علم

 قررت البدء بنشر هذه المقالة التي تتحدث عن بلدتنا ترشيحا في الجليل الفلسطيني ولكتابة الوالد هذه المقالة حكاية بدأت برسالة وردت الينا من كاتب اخر كنا ننشر له زاوية باسم مستعار هو السيد ( ادهم عزيز ) .. السيد ادهم ... هو اسم مستعار  لعقيد اردني متقاعد ( مسيحي ) ومن عائلة اردنية معروفة ... كان العقيد يكتب الينا مقالات تعجبني فيها المعلومات التي كان يوردها من واقع خبرته الطويلة في الحياة في الاردن ... فخصصت لمقالاته زاوية اسبوعية - بدلا من نشرها في صفحة القراء - وقد التزم الرجل بكتابتها لاكثر من عشر سنوات ...  العقيد بعث الي بالرسالة المرفقة  اعلاه عن قصيدة قال انها اهديت اليه عام 1950 من قبل احد الجنود العاملين معه في معسكر الجيش في اربد وكان من بلدتنا وهي قصيدة تتحدث عن سقوط بلدتنا ( ترشيحا )  بعد ستة اشهر من قيام دولة الكيان الصهيوني وكانت بذلك اخر بلدة فلسطينية تسقط بعد ان ظلت تقاوم الى ان ردمتها اسرائيل بالطائرات وهرب منها ما يسمى بجيش الانقاذ الذي كان يومها يقوده ثلاثة ضباط هم اديب الشيشكلي ( سوري واصبح رئيسا لسوريا ) واميل جميعان ( اردني )  وابو صالح المهدي ( عراقي ) وقد هربوا ثلاثتهم مع قواتهم العسكرية قبل يوم من سقوط البلدة

اعطيت القصيدة والرسالة التي وردت معها والتي كتبها ادهم عزيز الى والدي فتعرف فورا على القصيدة وعلى الشاعر الذي كتبها بخاصة وانه كتبها بعد اللجؤ ووزعها على ابناء بلدته ترشيحا فتناقلوها في مخيمات اللجؤ وحفظوها لاولادهم لانها تروي حكاية البلدة بالتفصيل ...  بل وقام والدي باعادة كتابتها بخطه بعد ان صوب فيها بعض الاخطاء  وتم نشر القصيدة مع التعليق الذي كتبه الوالد في زاوية ( يوميات ابو محمود ) في عرب تايمز ... ( العدد رقم 142 الصادر في 20 يناير 1994 ) وهذه هي القصيدة .. ومرفقاتها