هل يعود حزب البعث للحياة ؟
داود البصري
dawoodalbasri@hotmail.com


النهاية الطبيعية التي وصل إليها حزب البعث العراقي بعد هزائمه القومية و الوطنية المفجعة و التي تأكدت مع إعدام الشقاة من المجرمين الذين دمروا العراق و كسحوا الأمة العربية تحت الراية البعثية المناضلة ، لم تعجب البقية الباقية و المشردة من البعثيين الذين باتوا اليوم يفترشون أرصفة بعض العواصم العربية مثل صنعاء و طرابلس الغرب ، و عادت تلك الفئة الضالة مرة أخرى لأحاديث و لغة الإنقسامات و الصراعات و الإتهامات المتبادلة وهي اللغة الشقاقية المعروفة تاريخيا عن البعثيين سواء في سوريا أو في العراق أم في اليمن و الأردن و السودان و موريتانيا وهي الدول التي توجد فيها فروع لتنظيمات حزب البعث وإن كانت هامشية و لا قيمة لها في الحياة السياسية و أنني أعجب لكيفية السماح لتلكم الفروع بالعمل السياسي رغم أن منهاجها السياسي و برنامجها المعروف هو منهاج و برنامج إنقلابي يستهدف تغيير الأوضاع بالقوة و السيطرة على السلطة عن طريق الإنقلابات العسكرية المشبوهة و المعروفة ، وحزب البعث منذ بدايته حتى نهايته هو حزب للمرتزقة و الشموليين وهو الطبعة العربية للنازية و الفاشية الدولية بعنصريته وسطحية أفكاره المعتمدة أساسا على القص و اللزق و الإستعارة من أفكار الأحزاب اليسارية ، ففروع و مكاتب حزب البعث في العالم العربي كانت تعتمد أساسا على التمويل القادم من العراق أيام سيطرة البعث هناك ؟ أي أن تلك الفروع بعبارة أخرى هي دكاكين إرتزاق و منابر إستخبارية للنظام العراقي البائد وتلك من طبائع الأمور ، فمن يمول يفرض شروطه ! ، وقد كانت القيادة الحزبية في العراق سخية للغاية مع فلول البعثيين العرب إذ فتحت لهم الأبواب على مصاريعها ووفرت لهم الإمتيازات و المنح الدراسية المجانية و الرواتب المجزية بل و دعمتهم بشكل غير مسبوق وهو ما أدى في المحصلة لتسابق محموم بين عدد من قيادات البعث في العالم العربي للتنازع و الصراع على الأموال العراقية مما أدى لإنشقاقات بعثية معروفة كما حصل للتنظيم البعثي في الأردن و السودان وموريتانيا و اليمن التي كانت مرتبطة بقيادة ( عفلق ) القومية في بغداد ، وكان العديد من الطلبة العرب في تلك الأقطار يستغلون التسهيلات و المنح المقدمة للبعثيين العرب وحين ينتهون من دراستهم يقطعون علاقتهم التنظيمية بالحزب!! أي أن ذلك الحزب كان قطارا يعبر عليه المرتزقة و الفهلوية بأموال الشعب العراقي!! وهنا أتذكر حكاية حصلت لي شخصيا قبل ربع قرن و أيام الدراسة الجامعية تحديدا ، إذ تقدمت لإدارة الجامعة بطلب قرض طلابي مقداره 70 دينارا عراقيا فقط لا غير ( حوالي 200 دولار ) في تلك الأيام ، فأشترطوا علي توفر الكفيل الضامن!! ولم أجد وقتها سوى والدتي رحمها الله التي كفلتني لأقترض ذلك المبلغ التافه!! بينما كان صديقي الفلسطيني المقيم في دولة الكويت و الذي يأتي لجامعة البصرة بسيارته الكويتية يقبض شهريا مثل هذا المبلغ على سبيل المنحة لا القرض ودون كفيل ضامن لمجرد أنه عربي !!! فهل نحن بلوش أم زط أم من بوركينا فاسو!! وكنت أطالع شعار الحزب ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة )!! و الغيظ يتملكني!! هكذا كانت نظرة حزب البعث الإحتقارية للشعب الذي يحكمه ؟ وهكذا كانت سياستهم التبشيرية السخية نحو الشعوب العربية !! فلا عجب بعد ذلك أن تلطم جماهير العروبة على مصير سفاح العرب الأكبر وجلاد العراق الأوحد السابق صدام حسين الذي كان أمينا للقيادتين القومية و القطرية للبعث وقائدا عاما للقوات المسلحة و رئيسا للوزراء و الجمهورية العراقية وبطل العروبة الأوحد!! ثم أكتسب بعد غزو و سرقة الكويت لقب ( عبدالله المؤمن )!! ، ولعل غباء الفكر البعثي يكمن أساسا في تبعيتهم الفكرية و سطحيتهم السياسية و إيمانهم بالقائد الفرد وهي نظرية فاشية مستهلكة نبذتها شعوب الأرض و تجاوزها التاريخ ولكنهم لفشلهم و عقمهم لا يزالوا يتبنونها في مغالطة ومجافاة فظيعة للواقع المعاش ، حزب البعث كتنظيم سياسي إنتهى تماما منذ فبراير/ شباط 1966 في ذلك الإنقلاب الدمشقي الدموي الذي قامت به اللجنة العسكرية ضد ميشيل عفلق و جماعته ، والتنظيم العراقي كان قد إنتهى فعليا في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1963 حينما إستطاع الرئيس العراقي السابق عبد السلام عارف طرد البعثيين من السلطة مستغلا فضائحهم و جرائمهم ضد الإنسانية في العراق خلال الشهور التسعة التي حكموا العراق خلالها ، بل أن كبار القادة التاريخيين للبعث العراقي قد نبذوا البعث وأتجهوا صوب التيارات الناصرية أو الماركسية مثل الأمين العام السابق علي صالح السعدي أو القيادي حازم جواد أو أياد سعيد ثابت ... وغيرهم الكثير جدا ، وبعض البعثيين يمم وجهه شطر الفرع الآخر في دمشق ليقيموا في القيادة القومية هناك ثم يتلاشون في خضم صراع أجهزة المخابرات السورية مثل أحمد العزاوي او سهيل السهيل أو جبار الكبيسي أو فوزي الراوي... إلخ ... و اليوم أمام الإنهيار البعثي في العراق برز الإفلاس في أجلى معانيه من خلال التمسك بالمريض التعبان و الشخصية المهزلة في القيادة السابقة ( عزة إبراهيم الدوري) كبديل لقيادة صدام التي كانت قيادة عشائرية عائلية مقفلة ! ، لا بل أن الصراعات بين الأجنحة البعثية قد تطايرت شظاياها لتصل للغة التخوين و الفصل كما فعل بقايا التنظيم العراقي المقيم في إحدى العواصم العربية ( صنعاء ) بفصل ( غزوان الكبيسي ) ولربما ( يونس الأحمد ) لإرتباطهما بالمخابرات السورية!!!! رغم أن حزب البعث العربي الإشتراكي لم يصل للسلطة في العراق إلا من خلال رعاية المخابرات الدولية و تحديدا المخابرات البريطانية!! وهذه من البديهيات المعروفة في التاريخ العراقي.... عموما البعث مات وشبع موت ومانراه من تحركات حالية وبيانات تخوينية و تسقيطية ليس إلا صراع محتدم بين جماعات الإرهاب التي ضاق حولها الخناق وتحولت لنهش بعضها ، أما البعث بقيادتيه القطرية و القومية أو الصيفية و الشتوية ليس إلا نكتة تاريخية بايخة تضحك عليها شعوب الدنيا... و لاعزاء لأهل البعث وهم يتصارعون على العظام....!.