أي بلا " باب حارة " بلا بطيخ
ابو بدر سرق الكاميرا من ابو عصام والزبال زبال بالوراثة
من اين احضرتم ابو جودت هذا الممثل العملاق ؟

وجهة نظر كتبها  أسامة فوزي

 


تابعت مثل غيري من العرب في مشارق الارض ومغاربها حلقات مسلسل " باب الحارة " ومثل غيري ايضا كنت اشاهد الحلقة الواحدة مرتين  ... ومثل غيري نمت مع ابو عصام في دكانته وانا حزين ... وكدت انفلق من القهر بعد عملة ابو غالب السوداء حين اغلق عليه باب الدكان ... وفزرني صهره عندما كسر باب الدكان وفضحه امام اهل الحارة وجرجر ام عصام الى بيته ... وبشرفي لو امسكت ليلتها بـأبو بدر لمسحت فيه الارض كما فعل معتز لانه سبب المشاكل مع زوجته ليلى سمور ... ومثل غيري ايضا لعنت سنسفيل ثوار الغوطة لانهم أخروا عودة ابو شهاب الى الحارة حتى يحل مشكلة ابو عصام ... وكرهت ابو ابراهيم وابنه ابراهيم بعد ان كسروا بخاطر دلال فطلقوها دون سبب ... اما ابو غالب فدباره عندي ... " قسما عزما " يا عقيد  لقد كرهت المسحر والمسحرين بسبب هذا المخلوق - نزار حيدر - الذي كان يجب ان يتركه ابو عصام حتى يموت من الجرب الذي اصابه ...  وكله كوم وفريال خانوم كوم .... والله ما الكم علي يمين يا جماعة لو امسكت بخناق فريال لما تركتها الا جثة هامدة ... يبعتلها حمه شو حوبة ... تشكل اسي ان شاء الله .

ومثل غيري ايضا اصبحت لا ادخل مكتبي الا وانا اصيح " يلله يلله " ... فيسرع كارولس - فراش الجريدة - باحضار فنجان القهوة دون ان يدري ماذا الم بي ... خاصة وان زهير جبر يصرخ مثلي " يلله يلله " كلما دخل الحمام ... ونسمع احيانا صوت طاهر زعرور يلعلع " يلله يلله " كلما دخل المطبخ مع انه لا يوجد نسوان في المكتب .

وأصبت - مثل غيري من العرب - بخيبة امل لان اهل الحارة - حارتي في امريكا - لم يتعظوا بما ورد في المسلسل ولم يتعلموا ... فلا زوجة اخي الصغير كانت تنط من مكانها لتقبيل يدي احتراما باعتباري شقيق ابن عمها الكبير ... ولا حماتي كانت تنط من مكانها مرحبة بزيارتي ... وفي اغلب الاحيان كانت تسألني - وبوزها اطول من بوز ام زكي بشبرين - شو بدك وله تارك شغلك وجاي عندنا يا بعد عمري ؟ شو مالها لطفية تشكل اسي ... ليكون مزعلها ... با زعل منك هه ؟

كله كوم وشيخ الحارة كوم ... واما فتواه بحمل الزوجة المطلقة على الظهر لادخالها المنزل دون ان تمس عتبة الدار فلا تعادلها الا فتوى ارضاع الكبير ... ومص الايور - للقرضاوي - والتبرك ببول الرسول لمفتي مصر الشيخ علي جمعة ... وعدم جواز خلع البنطلون امام سحلية .... وذكرتني فتوى شيخ الحارة بسؤال وضعه الدكتور مصطفى السباعي عميد كلية الشريعة في دمشق لطلبة الكلية في امتحانات التخرج وهو : ما حكم الشرع في رجل يحمل قربة من الفساء ؟ هل يبطل وضؤ الرجل ؟ يومها انشغل طلبة كلية الشريعة في دمشق بالبحث عن اجابة اما انا فكان ما يهمني هو معرفة الطريقة العبقرية التي اتبعها هذا الرجل حتى يحشو القربة بكل هذا الفساء الذي اشغل عميد كلية الشريعة... هل قعد على القربة مثلا بعد وجبة من القوم والفجل والقرنبيط ؟... وكان حالي يومها حال سفير اليمن في الامم المتحدة الذي وخلال انعقاد اجتماع لمندوبي الدول في الجمعية العمومية رفع السفير اليمني - وكان يمثل الامام بدر - اصبعه ليسأل : كيف تمكنتم سيدي الرئيس من ادخال هذه المائدة المستديرة الضخمة من الباب ؟

لنترك المزاح قليلا ... ولنخش على الجد .

لا شك ان مسلسل باب الحارة كان مسلسلا جميلا سلى به المسلمون صيامهم في رمضان تلفزيوني طويل فزرتنا به فيفي عبدو بثقل وزنها ودمها ... لم تنافسها في ثقل الدم الا جولييت عواد في المسلسل الخرائي الاردني نمر بن عدوان ... وبدا يحي الفخراني ونور الشريف ويسرا وكأنهم يمثلون لانفسهم فقط ... في ظل هذا الكم من المسلسلات العربية التافهة برز باب الحارة ببساطته وروعة اداء ابطاله ليشدنا الى الشاشة " فنزبط  "على ايقاعه واوقاته عملنا وصيامنا وفطورنا وسحورنا ... ولم يكن عباس النوري - ابو عصام - هو وحده نجم المسلسل ... فكل الابطال فيه كانوا وكأن الله قد خلقهم فقط لاداء هذه الادوار .

 لا تقل لي ان الممثل الذي ادى دور كناس الحارة وزبالها كان يمثل ... هذا الرجل زبال بالطبيعة وبالوراثة ايضا ... وهو رغم المشاهد القليلة التني ظهر بها سرق الكاميرا من ابو عصام وجعلنا نشفق حتى على حماره ... ومثله الاجدب ابو بدر ... جدبنة الرجل ليست تمثيلا ولا تصنعا ... ولا اكاد اتصور المسلسل بلا ابو بدر ... وكله كوم وابو جودت كوم ... يا الهي ... من اين احضرتم هذا الممثل العملاق لاداء هذا الدور ؟

لقد شاهدت على مدى اربعين سنة مئات المسلسلات والتمثيليات المستوحاة من الحارة الشعبية في دمشق ... ولا اظن ان ايا منها وصل الى هذه الدرجة من الدقة والبساطة في نقل الحارة بأمكنتها وشخوصها الى منازلنا ... استثني فيلما سينمائيا سوريا اسمه "   احلام مدينة " شاهدته انا وابو محمد " حسيب كيالي " رحمه الله .... فبكينا .

انا اذن لست ضد المسلسل ... ولا ضد ابطاله ... ولا ضد مخرجه ... ولا حتى ضد كاتبه ... فأنا من عشاقه مثلي مثل ملايين العرب الذين شاهدوه فأمتعهم وذكرهم بايام زمان ... وأظن ان مئات المقاهي والمطاعم العربية قد ولدت هذا الشهر وكلها تحمل اسم " باب الحارة ".

ولكن انا ضد بعض النقاد الذين ركبوا الموجة فبدأوا يكتبون عن ضرورة العودة الى التمسك بالقيم والاداب والاخلاق والعادات التي صورها المسلسل الذي لو تمت ترجمته الى الانجليزية لكان فضيحة للعرب والمسلمين .

ليش ؟

اولا : صورة المرأة في هذا المسلسل لا تسر البال ولا الخاطر ... كم مهمل يعيش في غرف مغلقة على القال والقيل ... لا يملك من امره شيئا ... ولما طلق ابراهيم زوجته دلال لم يكن من حق دلال ان تسأل اهلها لماذا طلقها زوجها ... ولا ترى المرأة زوجها الا في ليلة الدخلة وانت وحظك يا ابو الحظوظ ... وكانت حكاية ابراهيم ودلال حكاية مبالغ بها بخاصة بعد ان مرض الولد واصابه السقم وكاد يموت من النكد والكمد لانهم حرموه حبيبته - ولا روميو وجولييت - مع انه لم يرى وجه الحبيبة قبل ان يخطبها ولم تنشأ بين الاثنين اية علاقة انسانية او عاطفية تفسر هذه الدراما العاطفية المبالغ بها .

ثانيا : صورة العقيد و " عضوات الحارة " تفسد مبدأ الشورى الذي نص عليه الدين الاسلامي ... الشورى لا تجيز للحارة مقاطعة امرأة في البيع والشراء والتعامل لمجرد انها اختلفت مع زوج ابنتها ابن اخت العقيد ... ولا تجيز الشورى - قطعا - للعقيد ان يتعامل مع الشرطة عن طريق الرشاوى ... الشورى لا تتوارث بحيث يصبح شقيق العقيد رئيسا للحارة بمجرد غياب اخيه وهو - كما بدا في المسلسل - اقل " عضوات الحارة " فهما ومعظم مشكلات الحارة كانت بسبب تصرفاته غير المتزنة .

ثالثا : ولاننا نكثر من الحديث عن تعاطف وتراحم المسلمين فيما بينهم فاني لا استطيع ان افهم السر في تقسيم المدينة الى حارات ولكل حارة باب ولكل حارة زعيم ... وتتبادل الحارات الغارات بسبب ودون سبب ... صورة مصغرة لما كان يحدث بين القبائل العربية في العصر الجاهلي وبدل التقاتل بالسيوف حلت محلها في باب الحارة الخناجر .

رابعا : ثم اين  شخصية المدرس ... وشخصية الطبيب ... وشخصية المختار ... في هذه الحارة ... واين شخصية ابونا المسيحي الذي لا تكاد تخلو منه حارة من حارات دمشق ام ان حارات دمشق خلت من المسيحيين واليهود الذين كان لهم نصف سوق الحميدية ... اين " القبقاب " في الحارة وهو ابرز علامات دمشق وحماماتها واسواقها في ثلاثينات القرن الماضي التي تدور فيها الاحداث .

خامسا : ومع اني لا انفي الدور الذي لعبه بعض المتطوعين العرب في مقاومة المستعمر في فلسطين الا ان كاتب المسلسل اقام حبكته على حكاية لم نهضمها جعلت سكان الحارة هم من مد ويمد ثوار فلسطين بالاسلحة ... بخاصة وان جيوش المتطوعين العرب انكشفت بعد هزيمة 48 وضياع فلسطين بكل حاراتها حيث تبين ان ما يسمى بجيش الانقاذ كان ينهب القرى الفلسطينية قبل ان يحتلها اليهود .... واكمل الملك عبدالله المهمة فسلم اللد والرملة ونصف القدس وقعد على خناقنا مع احفاده الذين سلموا عام 67 الباقي .

صحيح ان الكاتب اشار خلال وقائع الحكاية الى  بعض العادات والتقاليد العربية في التزاور وصلة الرحم واغاثة المظلوم ومساعدة المحتاج الا ان هذه الزركشات غابت في المعالجة الدرامية التي وزع الكاتب حبكاتها على قضايا الزواج ... وتنجير الخوازيق ... وكيد النساء .

انا اعتقد ان كاتب المسلسل وضع في حسابه " ثلاثية نجيب محفوظ " وهو يرسم ملامج الحارة الشعبية الدمشقية تماما كما رسم محفوظ في ثلاثيته ملامح الحارة الشعبية المصرية في نفس المرحلة الزمنية تقريبا ... ولكن الفرق بين الاثنين كبير جدا فمحفوظ قدم النماذج والشخصيات والامكنة ببعدها المحلي والعربي والانساني ... في حين ظلت شخصيات باب الحارة محصورة في غوطة دمشق ... وهذه احدى سقطاتها .

مرة اخرى ... انا لست زعلانا من الكاتب ... ومن المؤكد اني مثل غيري سننتظر الجزء الثالث على احر من الجمر ... هذا اذا لم يقرر السعوديون رفع اليد عن المسلسل اكراما لسعد الحريري كما ذكر اخونا زهير جبر ... ولله في خلقه شئون .